مزج الشخصي بالنقدي وعايش النصوص عن كثب .. ماذا كتب حسين بافقيه في حب غازي القصيبي؟
تشكّلُ الكتاباتُ القريبة جدًّا من الأعمال الأدبية - خارج الأطر النظرية ومفاهيمها واصطلاحاتها التي قد تصنع أسوارا منهجية بين القارئ والنص - تشكّلُ نمطًا مميزًا من أنماط الكتابة النقدية الرائية، التي تقترب من النصوص وأصحابها، وتقرأ بأريحية ما بين السطور والكلمات، وتقدم تجربة معايشة مع النصوص ، ربما مع مؤلفيها.
وهذا ما نجده ماثلا في كتاب حسين محمد بافقيه الجديد :" في حبّ غازي القصيبي " (كنوز المعرفة، جدة، الطبعة الأولى 2022م) الذي ربط فيه بين رؤيته الشخصية في أدب القصيبي، وتأثره به في بدايات سيرته الأدبية القارئة، حتى أصبح متعلقا بكتاباته الشعرية والروائية .
بافقيه، يتقدم لقراءة الدكتور غازي القصيبي عن كثب، بلا أسوار نظرية، أو حجب مفاهيمية، كأنه يتداول سيرته هو الشخصية مع كتابات القصيبي ، ولهذا جاءت لغة الكتاب (الذي يقع في 195 صفحة) قريبة جدا تركز على مثاقفة الخطاب نصيا واجتماعيا وتعبيريا، كما تركز على الأثر والقيمة التي أحدثتها كتابات القصيبي.
في صفحة (19) يقول بافقيه: " كان الأدب وكانت الكتابة، هما ميراث غازي القصيبي، وكان ذلك الميراث وهو غزير نفيس هو ما يبقى منه للتاريخ"
وقد انبنى الكتاب على إشارات أولية مقتبسة ( من باقيات غازي القصيبي) ثم ديباجة الكتاب التي أشار فيها بافقيه لأعمال القصيبي بشكل مكثف تحت عنوان:" ماذا يبقى من القصيبي للتاريخ؟ " ثم (12) مقالة متنوعة عن القصيبي وسيرته الأدبية.
القصيبي والتاريخ:
يشير بافقيه في ديباجة الكتاب إلى طريقة قراءته لأعمال القصيبي فيقول:" إن هذه الفصول نستطيع حسبانها من النقد الأدبي، وهي لا تتنكر لذلك، وبمقدورنا أن نراها لونا من ألوان البحث ، وهي تأخذ به، لكنهن جميعهن صدرن من قلب قارئ أحب أدب غازي القصيبي أول عهده بالقراءة والأدب، ومن عقله لما ثقف شيئا من النقد والبحث فمال إلى شاعره يوم كان الشعر أغلب صناعاته، ثم مضى يطالع ما يكتبه وهو وافر في الرواية والنقد الأدبي والمقالة والفكر الديني والتنمية، والثقافة، وأدرك كاتب هذه الفصول أن الأيام على تعاقبها لم تبل ذلك الدهش الذي لازمه، ولا ذلك الإعجاب الذي داخله، منذ ردد في خلوته وفي أثناء درسه أبياتا لغازي القصيبي فلقي فيما ينشئه اللذة والجمال والقصد والاعتدال " .
بافقيه يمضي بشكل متدرج في قراءة القصيبي فيشير أولا إلى شعره في فصل بعنوان:" في حب غازي القصيبي" ويقف مع قصيدته عن جسر الملك فهد بين المملكة والبحرين:
ضرب من العشق لا درب من الحجرِ
هذا الذي طار بالواحات للجزرِ
ويقف مع دواوينه، أو فلذات قصائده مثل : " أنت الرياض" و" العودة إلى الأماكن القديمة" .
ثم تأتي عناوين الفصول التالية: ذاكرة بحرينية، قصة قصيدة، ضرب من العشق، الشقة بين حامد دمنهوري وغازي القصيبي، هل تعيد براعم القصيبي الزمن الجميل، بيت القصيد، سيرة للموت .. سيرة للحياة، نبأ الموت، صحراء غازي وصحراء أسامة، قصيبي البحرين وشيراوي السعودية، يوسف الشيراوي بعد نسيان كل شيء.
هكذا جاءت فصول الكتاب، وفيها تناول بافقيه مشاهد متعددة من سيرة القصيبي الثقافية، لكنه لم يبتعد كثيرا عن أعماله وكتاباته المتنوعة.
كتابة الذاكرة:
يعرض حسين بافقيه لبدايات القصيبي ونشأته في البحرين حيث ولد غازي القصيبي في الهفوف سنة 1359هـ (1940م) وحين بلغ الخامسة من عمره ارتحل مع أسرته إلى البحرين، فنشأ وترعرع وشب فيها، واختلف إلى مدارسها واختلط بلداته، وانعقدت بينه وبين كوكبة منهم الألفة والمحبة والصداقة"
ويستمر الكاتب في رصد سيرة القصيبي وبداياته الشعرية وحبه للبحرين التي كتب فيها قصيدته:( جزائر اللؤلؤ) متطرقا إلى علاقاته بأدباء البحرين خاصة إبراهيم العريض وعبدالرحمن رفيع، ثم دراسته الجامعية بالقاهرة التي كانت مهاد روايته :" شقة الحرية" م عودته إلى وطنه المملكة العربية السعودية في العام 1964 بعد أن ظفر بدرجة الماجستير في العلاقات الدولية من إحدى الجامعات الأمريكية.
ولا تتوقف الإشارات في الكتاب إلى شعر غازي القصيبي فهو الهدف المبدئي الذي تنطلق إليه رؤى الكتاب، مع ديوان:" قطرات من ظمأ" وديوان:" معركة بلا راية" و" أشعار من جزائر اللؤلؤ" حتى ديوان:" حديقة الغروب" .
وفي لفتة مهمة من جانب حسين بافقيه يقارن بين شقتين أو عملين روائيين اتخذا (الشقة) مجالا للرواية ، وذلك في عنوان:" الشقة بين حامد دمنهوري وغازي القصيبي" عبر روايتي: "ثمن التضحية" لدمنهوري، و" شقة الحرية" للقصيبي، مشيرا إلى تطور رواية القصيبي بحكم التجربة والتحول الزمني.
الكتاب يشكل إضاءات مهمة في أعمال القصيبي وسيرته، ويتناولها من زوايا أخرى يمتزج فيها الشخصي بالسيري بالنقدي وهو ما يحفز لقراءة القصيبي من مناظير متعددة خاصة أن كتاباته أصداء للشاعر والإداري والروائي والمسرحي وكاتب السيرة والمترجم والمفكر.

