ناقة طرفة بن العبد .. بين حركتها التي ألهمت الشعر العربي بالوزن ، ووصفها الذي شكّل المشهد ووصف دقته
أحوال المعرفة – خاص
تحتوي معلقة الشاعر العربي طرفة بن العبد على (104) بيت شعري، من بينها (33) بيتًا عبارة عن وصف للناقة وجمالياتها وسرعاتها وحيويتها ، والناقة هي سفينة الصحراء، تتحمل متاعب السفر الطويل والارتحال من مكان لمكان في صبر وأناة، ومن هنا جاءت عناية الشعراء بوصفها، وبيان قدرتها على الصبر وتحمل أعباء الرحلة.
ومن الطريف أن حركة الناقة هي التي ألهمت الشعراء العرب بالوزن، حيث إن حركة سيقانها الأربع في التنقل، أفضت إلى اختراع بحر الرجز: مستفعلن مستفعلن مستفعلن، على شطرين، ومن خلال الحداء والغناء الليلي الذي كان يقوم به العربي أثناء الرحلة ابتكر الشعر العربي الموزون، وتعددت البحور العروضية التي انبثقت من بحر الرجز حتى وصلت إلى 16 بحرًا عروضيًّا.
ناقة طرفة بن العبد هي الأشهر في الشعر العربي، حيث لا توجد أية معلقة أخرى وصفت الناقة بهذا العدد الكبير من الأبيات.
وتعد لوحة الناقة في معلقة طرفة بن العبد النموذج الأمثل والأشهر في الشعر الجاهلي لوصف الراحلة، حيث خصص الشاعر جزءاً كبيراً من معلقته لوصف ناقته بدقة متناهية، مبرزاً قوتها، وسرعتها، وصلابة تكوينها الجسدي، واتخذها رفيقاً لتبديد الهموم وقهر أهوال الصحراء.
ومن أهم صفات ناقة طرفة: قوة البناء، حيث شبه عظامها وقوة جسدها بألواح التابوت أو السفينة لشدة متانتها وصلابتها، والسرعة والنشاط، حيث تمتاز بقدرتها الفائقة على السير المتواصل وقطع الفلوات والمفاوز دون تعب أو كلل، مع جمال الخلقة، إذ وصفها برهافة السمع، حادة النظر، واسعة العينين، وطول العنق والمشافر.
وقد كانت الناقة أنيس الوحدة في السفر كما عبر طرفة، حيث مثلت الناقة للشاعر بديلاً عن الأهل والرفاق في مواجهة وحشة الصحراء وغربتها، مع تفريج الهموم: إذ كانت وسيلته لتخفيف القلق وطرد الأحزان عبر الرحلة الطويلة والانطلاق في الفضاء الواسع.
ويستهل طرفة بن العبد وصف ناقته كالآتي:
وإنّي لأمضي الهمَّ عند احتضاره
بعوجاء مرقال تروح وتغتدي
أَمونٍ كَأَلواحِ الأَرانِ نَصَأتُها
عَلى لاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهرُ بُرجُدِ
جَماليَّةٍ وَجناءَ تَردي كَأَنَّها
سَفَنَّجَةٌ تَبري لِأَزعَرَ أَربَدِ
تُباري عِتاقاً ناجِياتٍ وَأَتبَعَت
وَظيفاً وَظيفاً فَوقَ مَورٍ مُعَبَّدِ
وتستمر الأبيات في وصف كل ما يتعلق بالناقة من حركة وسرعة وأجزاء، مبينا أن هذه الناقة الموثقة الخلق يؤمن عثارها في سيرها وعدوها وعظامها كألواح التابوت العظيم ضربتها بالمنسأة على طريق واضح كأنه كساء مخطط في عرضه. مقدما بذلك لوحة شعرية تشكيلية، ومؤسسا لجماليات شعرية رائدة لمن جاء بعده من الشعراء في وصف أحد الحيوانات التي صاحبت الإنسان العربي منذ القدم حتى اليوم، رفيقة للسفر ومؤنسة للوحدة، وملهمة للشعر والغناء وصانعة للجمال.


