الجامعة المستنصرية... أول جامعة في العالم الإسلامي (631 هجري-1234م)
بقلم: د عبدالكريم ابراهيم السمك
بـلاد الرافديـن وبلاد الشـام، كانتا بالنسبة للجزيرة العربيــة توأمها الرئوي، وكلا البلدين كانا أرضا عربيــة، ويعيشان في وضع مدني وحضاري عربي ، وكلا البلدين يعيشان اليوم آلاما واحدة، وفي الحديث عن العراق فقد خلدت في ذاكرة تاريخ الحضارة الإنســانية أروع وأعظم المدنيــات الحضارية في العالــم، ولا يغيب عنا أن العــراق في عهد حمورابي عرفت أول قانون في العالم، فعرف بشريعة حمورابي، وآثار العــراق وكنوزها تملأ متاحف العالم وتشهد بحضارة العراق، وجميع هــذه الحضارات التي عرفها العراق كانت سـامية عربية، وكانت على الشكل التالي: الأكدية والبابلية والآشورية والكلدانية، وتوج هذه الحضارات الأربع الحضارة العربية الإســلامية، وذلك عندما غدت بغداد عاصمة دار الخلافة العباسية – الخلافة الإسلامية الثالثة – وعرفت بغــداد نهضة عملية عظيمة لا تجارى، فغدت مقصدا للعلم والعلماء، ففــي ظل هذه الدولــة تم ترجمة العديد من الكتــب العلمية، رافقها افتتاح العديد من المــدارس والمعاهد وبناء المكتبات، ولا يغيب عنا مكتبة دار الحكمة والمدرسة النظامية في بغداد.
الخليفة المستنصر بالله
هو الخليفة أبوجعفر المنصور المستنصر بالله العباسي ابن الظاهر بأمــر الله، وحفيــد الناصر لدين الله، وكانت ســنة والدته (588هـ ـ 1192م) بويع بالخلافة بعد وفاة أبيــه في (623/7/13هـ ـ 1226م) فنشر العدل بين رعاياه وعمل على رفع مكانة العلم والعلماء واهتم بربــط المســلمين بدينهم فذهب في بناء المساجد وفتح المدارس والخانات للســابلة والبيمار ستانات، وغير ذلك من المرافق العمرانية وقد حفظت ذاكرة التاريخ الإسلامي اسمه بين الخالدين.
وقد امتدت ســنوات حكمه قرابة ســبعة عشــر عاماً حتى وفاته، وقد ذكره ابــن الســاعي المؤرخ البغـدادي الشــهير، في كتــاب خاص في الخليفــة وعنوانه بـ ( اهتبار المستبصر في أخبار المستنصر) وكتب عنه الكثير من المؤرخين من غير ابن الساعي، يذكرونه بخير، فكانت وفاته في العشرين من جمادى الأولى من الســنة (640هـ)، وقد ذكر وجيه الدين بن سويد التكريتي، بأن المستنصر فصد بمبضع مسموم، سبب له الوفاة.
جامعة المستنصرية
وفي عهــد الخليفــة المســتنصر باللــه، بنيــت جامعة المســتنصرية بأمــر من الخليفة نفســه وذلك ســنة (625هـــ - 1227م)، فكانت في مواصفات بنائها ورســالتها أول جامعة في العالم في تاريخها بحســب مفهــوم الجامعة اليوم، ويعود الفضل في التعريف بهذا الأثر المندثر في خبايا الكتب إلى الأســتاذ الدكتور ناجي معروف مشكورا ومرحوما، وذلــك من خلال اهتمامه بها وتتبع آثارها وأخبارها في بطون الكتب، فقدم لمكتبة تاريخ الحضارة الإســلامية عملا عظيما، وذلك هو كتاب (تاريخ علماء المســتنصرية)، من خلال عمليــن علميين، فكان الأول ســنة 1379هـ - 1959م، والثاني 1384هـ - 1965م، وبعد ذلك ذهب إلى جمع العملين في كتاب واحد من مجلدين حمل اســم (تاريخ علماء المســتنصرية)، حيث قامــت جامعة بغداد بطباعته ونشــره لما فيه مــن عظيــم الفائدة في أخبار الجامعة وتراجم مــن عمل بها على مدى سنوات عمرها.
هذا الكتاب
كتــاب تاريخ علماء المســتنصرية وإن كان معنيــا في عنوانه بتاريخ علمــاء المســتنصرية، والتعريــف بهم وبســمو قدرهــم العلمي، لكن الكتاب من باب آخر قدم لنا وللتاريخ شــهادة مهمة عن هذه المدرســة ورفعة مكانتها، فقدمها لتاريخ الحضارة الإسلامية بما وقف عليه من تحقيق وتدقيق، على أن هذه المدرسة هي الجامعة الأولى في العالم، وذلــك بما اتســمت به من علو في المواصفات وســمو في المقاييس، إذا ما قورنت بجامعات هذه الأيام، ســواء ما ارتبط بشــكلها العمراني أم بالــكادر الإداري والتعليمي، إضافة لتنوع الدراســات العملية فيها، فكان الكتاب كشــفا عظيما في تاريخ هذه المدرسة،و قدم لنا الصورة المثلى عن واقع الحضارة المدنية الإســلامية التــي عرفتها العراق في عهــود الدولة العباســية المتعاقبة في حكم الدولــة، وكان من هؤلاء الخلفاء الخليفة المستنصر بالله العباسي، صاحب بناء المدرسة والتي حملت اسمه ونسبت له رحمه الله سنة 631هـ - 1258م.
وهنــا لا بد من الإشــارة إلى قضايا وأحداث مهمة واكبــت تاريخ مولد المدرسة، وجاءت على الشكل التالي:
جاء افتتاح المدرســة في العام المشار إليه ليكون افتتاحها قبل الغزو المغولي لبغداد بـ (25) سنة، والذي كان سنة 656هـ - 1258م.
من المفارقات العجيبة أن الذي أشــرف على بناء المدرســة ومنح ثقة الخليفة (مؤيد الدين بن العلقمي) صاحب الســمعة والصيت الســيئ في ذاكــرة التاريخ الإســلامي، على أنه هو الذي ســلم بغــداد للمغول، وكأني به بعد الذي أقدم عليه هرب إلى موطنه إيران بسبب تشيعه، حيث لم تذكر كتب الرجال عن النهاية التي انتهى إليها.
تأريخ نازلة بغداد على يد المغول، وما رافق هذه الغزو من تبعات.
هــذه الحــدث المهم ترتب عليــه صورة أخرى غير صــورة الخراب الذي عرفته بغداد، إنها حكاية إســلام هذه الأمة من الغزاة، فكان إسلامهم هذا بمثابة حدث مهم في تاريخ الإسلاام السياسي، ترتب عليه محاربة (هولاكو) من ابن عمه (غازان) الذي اعتنق الإســلام، وأسلم معه جمع كبيــر من قومه التتــر، وغدا في القوة أقوى مــن هولاكو، مما دفع بـ (هولاكــو) بالعودة إلى الشــرق الذي جاء منه، بينمــا مضى غازان في إعــادة الأمــور إلى مــا كانت عليه، وهو الذي أســس دولة تتارســتان، ودانت أواســط روسيا اليوم للسيادة التترية المسلمة على مدى ثلاثة قــرون، وعاصمتها اليوم (قازان)، اســم القائد (غــازان)، وذلك ظهور أســرة آل رومانوف القيصرية التي حكمت روسيا وتتارستان اليوم من دول روسيا الاتحادية.
وعلى واقع أسلمة التتر، فقد نهضت بغداد من صدمتها عندما وجدت الأمان، وافتتحت المدرسة المستنصرية أبوابها بعد سنة واحدة، أي سنة (657هـ - 1259م)، وزار المدرسة عند افتتاحها (عماد الدين عمر القزويني) والي (غازان) على ديار بكر والعراق، كما زارها (غازان) نفسه بعد افتتاحها، وعلى ما أصابها من قتل لعلمائها، فقد قدم من خارج بغداد الكثير من العلماء للعمل فيها.
وقد كان كتاب (تاريخ علماء المستنصرية)، كما قال عنه رئيس المجمع العلمي العراقي الأستاذ منير القاضي، بأنه الأول ولم يسبق صاحبه فيه أحد، كما كان بمثابة الكاشف للجامعة المستنصرية، بالدليل القاطع بحيث لم يسبق لغير مدرسة المستنصرية من المعاهد الإسلامية التي سبقتها، أن تحظى بالمكانة التي حظيت بها المستنصرية. فقد استهوت هذه الجامعة الأديب الفاضل والعالم الأستاذ كوركيس عواد أن يكتب بالاشتراك مع مصطفى جواد كتيبا صغير الحجم تم عنونته بـ (مدرسة المستنصرية أول جامعة في العالمين العربي والإسلامي)، منشورات الوراق للنشر، وهذه الدراسة في الكم الذي قدر لي كتابته، تضع القارئ الكريم على العديد من المعلومات التي تفيده في التعرف على قصة وحكاية جامعة المستنصرية، كشاهد من شواهد الحضارة العلمية الإسلامية التي تفاخر فيها الحضارة الإسلامية غيرها من الحضارات في عطائها العلمي.
علمية الكتاب ومكانته
وهنــا البد من التعريــف بمؤلف الكتاب، فهو الدكتــور ناجي معروف العبيــدي، عضــو المجمــع العلمي العراقــي، والمجمع العلمــي العربي بدمشــق، ولــه العديد من الأعمــال العلمية المنشــورة، ولــد في عام 1328 – 1397هـ = 1910 – 1977م، وله ترجمة وإضبارة واسعة في ترجمته في مجمع اللغة العربية بدمشــق، وهو أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب في جامعة بغداد.
وفي العودة للتعريف بالكتاب، فقد ذهب مؤلفه في تقسيمه إلى اثني عشر بابا، وقد جاء الكتاب في مجلدين وقسم أبوابه على الشكل التالي:
الأول كان نظرة تحليلية عامة عن الجامعة وعلمائها، وفي هذا الباب بنــى المؤلــف رأيه على أن المســتنصرية بما قامت عليــه تعتبر أول جامعة إسلامية في العالم الإسلامي وما جاوره.
والثانــي اعتنــى المؤلف في هــذا الباب في رجــال الإدارة، ومن تولى مصالحها، وقد قســم الدراســة في المســتنصرية إلى مدارس كتدريس العلــوم الأصلية والفرعيــة وأهم المدارس فيها، مدرســة الفقه، حيث تناول صاحب الكتاب الحديث عن الطلبة والمدرسين والمواد العلمية التــي يتــم تعليمها، ومثــل ذلك تنــاول المؤلف المــدارس والكليات الأخــرى، كــدار القــرآن، ودار الســنة – مدرســة الحديث ،- ومدرســة الطب ومشــيخة الأدب العربي، وخصص المؤلف بابا لعلم الرياضيات والفرائــض، وعلم المســاحات، ومنافع الحيوان، وقد جاء على أســماء هذه العلوم في مســمياتها، وأســماء مدرسيها ومعيديها وطلابها. كما أفــرد بابا خاصا بجامع المســتنصرية، تكلم فيه عن موقعه وخطبائه وأئمته.
وفي باب آخر تكلم فيه المؤلف عن دار كتب المســتنصرية وخزانتها، وتكلم عن خزانهاها المشــهورين، والمشــرفين عليهــا والمناولين لكتب فيها، وفي الباب الثاني عشــر تكلم فيه على أثر علماء المســتنصرية في الفكر الإســلامي والثقافة العربية، كما بين المؤلف في هذا الباب إلى أســماء رجال الفكر الذين ينتســبون إلى بلاد غيــر عربية، وهم في أصولهم عرب، وقد خدموا التراث الإسلامي.
وقــد اختتم الكتــاب بذيول وملاحــق وثائقية وصور لحــال الجامعة اليوم، وكان منها ملحقا خاصا بندوة علمية عقدت بالمســتنصرية، حضرها مائة وستون عالما من علماء بغداد ومدرســيها في مجالس عشــرة، امتدت لشــهرين ويوميــن آخرها يــوم الثلاثاء 17 جمــادى الآخرة ســنة 676هـ، وختم الذيول والملاحق بملحق عن المستنصرية عبر العصور التي عاشتها.
وقــد راعــى المؤلــف في الكتــاب الذي اســتخرجه من بطــون أمهات الكتب (الضبط بالشــكل) خافا من الخطأ في قراءة الأعلام، والتباسها على القارىء ، و (الشــروح) و (التراجم) و (أســماء المراجع) أكانت كتباً أم مخطوطــات، و (مقابلــة التاريــخ الهجري بالميــلادي)، إضافة إلى (المصورات والمخططات) وانتهى بـ (الفهارس) للكتاب.
وكمــا قال عن الكتاب الأســتاذ الســيد منيــر القاضي رئيــس المجمع العلمــي العراقــي المتوفي في 1969/2/9م، فقد قــال بأن الكتاب لم يســبق لأحد أن كتب في المســتنصرية كما كتبه مؤلف الكتاب، حيث ختــم كلامه بالقول (فالأســتاذ المؤلف) يشــكر على مــا بذله من جهود كبيرة، وصبر جميل في العمل لإخراج كتابه الثمين في إحياء الجامعة المســتنصرية، فقد كان هذا العمل دافعــاً لمديرية الآثار العراقية في العمــل على إحيــاء مبانيها، إضافة لســعي وزارة المعــارف على إحياء (الجامعة المســتنصرية)، فتحــي بذلك ماضيهــا، وتبعثها من جديد عامــرة زاهرة بالعلــوم والآداب، زاخرة بالعلماء والطــاب والكتاب من القطــع الكبيــرة في مجلديــن بلغت عــدد صفحاته في حــدود (698) صفحة، والكتاب بمكانتــه وعمليته المصدر الأول والأخير في جامعة المستنصرية.
أما عن مصادر الكتاب فتنوعت في علومها وفنونها فكان منها المصادر من الكتب القديمة في طبعاتها، والحديثة في تأليفها، فبلغت (117) كتابــا ومصدرا والمخطوطات العربية، التي رجــع إليها المؤلف بلغت ثلاثيــن مخطوطة، ومن الكتب الأعجمية ما بلــغ عددها (24) كتابا، ويعتبر كتاب الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة الســابعة لابن الغوطي من أهم المصادر في تاريخ جامعة المستنصرية وغيرها.
جامعة المستنصرية في مسماها
انتســبت هذه الجامعة في الاسم الــذي حملته إلى الخليفة العباســي (المستنصر بالله أبي جعفر المنصور) الخليفة السابع والثلاثون، والذي امتدت ســنوات خلافته من ســنة (623 ـ 640هـــ ) (1226 ـ 1242م) وقــد عرفت بغداد مدارس منها الســابق عليها ومنها المعاصر لها مثل المدرســة النظامية المنســوبة للوزير نظام الملك الســلجوقي، الذي اغتاله الرافضة الحشاشــون سنة (485هـ) ، والمدرسة الناجية ببغداد، والمدرسة الشــرابية في واسط المبنية سنة (632هـ ـ 1234م)، وغير ذلك من المدارس التي عرفتها العراق.
الجامعة وآثارها
تــكاد تكــون معظــم الآثــار العمرانيــة العباســية قد اندثــرت بفعل الحــوادث البشــرية والطبيعيــة التي عرفتهــا العراق كالذي نشــهده اليوم، وتكاد تكون المســتنصرية هي الوحيدة من المدارس الباقية، وهي في الجانب الشرقي من بغداد، على ضفة دجلة اليسرى، قريباً من رأس الجســر الشــمالي المعروف بـ (جســر المأمون) من جهته السفلى، وتمتد جبهة المدرسة على ضفة النهر، مسافة يبلغ طولها اليوم قرابة (105)م، وحدودها الغربية ثابتة، وبســبب بعض المباني فقد ضاعت بعض حدودها الشرقية والجنوبية، وكذلك الشمالية.
تأسيس المدرسة
جاء تأســيس المدرســة هذا من باب اهتمــام المســتنصر بالله بالعلم والنهضــة فيه، وقد ذكر ابــن الغوطي في كتابه الحــوادث الجامعة، بأن الخليفة بدأ بمشــروع المدرسة سنة (625هـ ـ 1227م)، وقد تولى عمارتهــا (مؤيــد الدين أبو طالب محمد بن الحلقمي)، الرجل السيئ الســمعة والصيــت في ذاكرة التاريخ الإســلامي، والذي ارتبط اســمه بتســليم بغداد للمغول سنة (656هـ ـ 1258م) وبعد ست سنوات على بدايــة مشــروعها انتهى العمل في المدرســة، وقد تم افتتاحها ســنة (631هـــ ـ 1233م) وقــد روعي في بناء المدرســة أن تكون مشــتملة على الحجر والغرف والقاعات الدراسية، والأواوين والأروقة، وغير ذلك من المباني التي تحف بها كمباني مســاعدة، يتوسطها صحن فسيح، وبلغت مســاحة الرقعة المغطاة بالبناء، ما يقــارب (2126)م، فهي بذلك تستوعب كل مســتلزمات المدرسة، من حجر نوم وطعام وخزانة كتــب وأدوية ومخــازن أخرى، وهــي في بنائها تتألف مــن طابقين، الطابق العلوي يماثل الطابق السفلي بمكوناته العمرانية.
الخليفة وافتتاح المدرسة
عندمــا تكامل بناء المدرســة في جمــادى الآخرة ســنة (631هـ)، فقد ركــب نصير الدين (أبو الأزهر أحمــد) ابن الناقد، نائب الوزارة، في يوم الاثنين خامس عشــر جمادى الآخــرة، وقصد دار الخلافة، واجتاز دجلة، وكان برفقتــه( مؤيــد الدين أبوطالب محمد بــن العلقمي) وهو الذي أشــرف على بنائها وتولى عمارتها، وخلع نائب الوزير نصير الدين على مؤيــد الدين وأخيه(علــم الدين)(أبي جعفر (أحمد بــن العلقمي) وعلى حاجبيــه، وعــى مقدمي الصناع، وتم نقل الكتب إلى المدرســة، وبعد افتتاح المدرســة زارها الخليفة المستنصربالله، وقد انطلقت المدرسة في رســالتها التعليميــة بعــد افتتاحهــا وزيارتــه لها، ومــا أوقفه لها الخليفــة من أمــوال تنفق عليها، مع تكاليــف العديد من العلماء في العمل فيها، وتم تخصيص مبان لأصحاب المذاهب الأربعة في تعليم طلبتهم.
مرافق المدرسة والأبنية المساندة
تقوم مرافق المدرســة على العديد من المباني المساندة، وقد تنوعت وكانــت على الشــكل التــالي (الصحــن ـ والأواوين، وقــد خصص لكل مذهب من المذاهب الأربعة إيوان يجلس فيه أصحاب المذاهب.
البيــوت والغــرف، وقد تجــاوزت الأربعين مــن البيوت، أما بالنســبة للغــرف فقــد كانت مخصصة للطلبــة المقيمين في المدرســة وهناك البيمارســتان الــذي لأحــق بالمدرســة ـ والصيدلية ـ والمخــزن ـ والدار المجاورة ـ ودار الحديث ـ ودار القرآن ـ والمطبخ ـ والبستان.
خزانة الكتب أو مكتبة المدرسة
اهتــم المســتنصربالله بمكتبــة المدرســة، فبعــد الانتهــاء مــن بناء المدرســة، نقل خزانة الكتب الخاصة فيها العديد من الكتب الشريفة والنفيســة، والمحتوية على العلوم الدينيــة والأدبية، ما حمله مائة وســتون حمــالا، وجعلت في خزانــة الكتب، وقد أثبت الكتب الشــيخ عبدالعزيز( بن دلف الخازن) شــيخ رباط الحريم، بعد أن كلفه الخليفة بذلك، وإلى ولده العدل ضياء الدين أحمد، الخازن بخزانة كتب الخليفة التــي داره أيضا، فحضر ورتبها ترتيبا جديدا بحســب علومها وفنونها، وذلــك بقصد ســهولة تناولها، حتى لا يتعب مناولها، وأشــار بن كثير إلى أن المستنصر (وقف فيها كتبا نفيسة ليس لها في الدنيا نظير).
وقد بلغ عدد مجلدات هذه الخزانة الحافلة، كما اشار ابن عنبة العلوي بأن المســتنصر (أودع في خزانة المســتنصرية ثمانين ألف مجلد) ثم زاد عــلى ذلــك قوله (والظاهــر أنه لم يبق منها شــيء والله الباقي)، وهذا حصل قبل عصر ابن عنبة المتوفي سنة 828هـ1424-م.
موظفو الخزانة
وتقوم على ثلاثة أصناف، وهم على التوالي:
الخازن 2- المشرف 3- المناول
وقــد خص المســتنصر لمدرســته أن يكون لخازن الكتــب في كل يوم عشــرة أرطال خبزا، وأربعة لحما وفي كل شــهر عشرة دنانير وأن يكون للمشــرف على هذا الخازن في كل يوم خمســة أرطال خبزا ورطلان لحماً وفي كل شــهر ثلاثة دنانير وأن يكون للمناول في هذه الخزانة في كل يوم أربعة أرطال خبزا وطبيخا ودينارا كل شهر.
من أخبار هذه الخزانة
زار الخليفة المســتعصم المدرسة المســتنصرية في يوم الجمعة سابع شــعبان 640هـ - 1242م وكان برفقته الشــيخ شــمس الدين علي بن النيــار، واعترض على ما شــاهده بهــا وأنكر عدم ترتيبهــا وقد عاقب النواب عليها بأن أوقفهم يومين ثم أفرج عنهم فقد جاءت زيارته لها بعد تبوئه كرسي الخلافة.
وذكر ابن الفوطي في حوادث سنة 696هـ - 1296م أن السلطان غازان دخل المدرســة المســتنصرية من الــدار المجاورة لها وكان المدرســون والفقهاء قد جلسوا على عادتهم والربعات الشريفة في أيديهم ثم دخل خزانة الكتب واطلع على محتوياتها.
أسماء من عرف من العاملين فيها
الشــيخ عبدالعزيــز بن دلف بن أبي طالب أبو محمد البغدادي الناســخ شيخ رباط الحريم أيام المستنصر.
العدل بمن ضياء أحمد بن الشيخ عبدالعزيز المتقدم ذكره.
الشيخ علي بن الكتبي كان أول خازن ثابت في خزانة المستنصرية.
ابن الساعي وهو أبو طالب علي بن أنجب تاج الدين البغدادي المتوفي 674هـ 1275م كان خازن المستنصرية وله العديد من المؤلفات.
وهناك في الخزانة المشرفون عليها، والمناولون فيها.
النوازل التي نزلت بخزانة المستنصرية
كانــت المكتبات وخزائن الكتب الإســلامية هي أول ما ينزل فيها من نوازل الغزاة لأراضي المســلمين والمتتبع لتاريخ الإسلام يجد أن الغزاة لأراضي المســلمين أول ما يذهبون إليه هو حرق المكتبات ومخزونها كالذي نزل في الأندلس بعد ســقوط غرناطة سنة 1492م، وعلى واقع الانقلاب على الســلطان عبدالحميد الثاني سنة 1908م وإلغاء الخلافة سنة 1924م وكانت خزانة المستنصرية قد نزل فيها ما نزل في بغداد والخليفة المستعصم في الغزو المغولي لها سنة 656هـ - 1258م فتم تدميــر معالمهــا وعمرانها ورمى كتبها في دجلة حتى اتشــح بالســواد وبعد الغزو المغولي أعيد بناؤها وأحياؤها وامتد بها العمر حتى بداية المائة التاســعة للهجرة فقــد انقطع أخبارها وتبعثــرت كتبها واندثر بنيانها حرقا ونهبا وتمزيقا وإغراقا.
ولكن الحال لم يطل على مدرســة المســتنصرية ولم تتعطل الدراســة فيها ســوى ســنة واحدة حيث اســتؤنفت الدراســة فيها وخاصة بعد انســحاب هولاكو إلى الشــرق ودخول المغول الإسلام وقد زادها القائد المسلم غازان كما ذهب غازان في إعادة بناء الخراب الذي نزل في بغداد وقــد ذكر مؤلف الحــوادث الجامعة أن المغول بعد فتــح بغداد عمروا المســاجد والمآذن ورتبــوا الأعمــال وكان عماد الدين عمــر القزويني متوليــا على العراق وكان نائبا عن الأمير المغولي (قرابغا) منذ ســنة 656هـــ وإلى فضائــل هذا أشــاد بن الفوطــي وقد أثنــى عليه كذلك شــمس الدين أو المناقب الهاشمي الكوفي بقصيدة مطولة في مدحه اقتطعنا منها هذه الأبيات:
لما اصطفاك لهذا الدين منزله جبرت منا ومنه كل منكسر
جمعت عدال ومعروفا ومعرفة والعدل ما زال منسوبا إلى عمر
أحيا المدارس من بعد الدروس بإلـقاء الدروس حياة الأرض بالمطر
وعاد كل رباط بعدما هجرت أرجاؤه عامرا بالذكر والسهر
إذا ما علمنا بأن معظم علماء المدرســة كانوا وغيرهم من علماء الأمة قد لقوا حتفهم على واقع الاستباحة هذه.
ساعة المستنصرية
هذه الســاعة المائية من عجائب المدرســة فجاءت عــلى ما وصفوها في أنهــا مــن طرائــف الآلات الروحانية وقد تكلم الكثير ممن شــاهد هذه الســاعة التي تعين مواقيت الصلاة والزمن والوقت وقد رســمت صورة الســاعة في مخطوطة نادرة في خزانــة متحف الفنون الجميلة بمدينة بوســطن في أمريــكا وعنوان المخطوطة (كتــاب في معرفة الحيل الهندســية) وهو من تأليف بديع الزمان أبي العز إســماعيل بن الرزاز الجزدي صنفه 603هـ - 1206م بأمر الســلطان محمود بن محمد الأزتقي الذي حكم ديار بكر من سنة 597 – 619هـ/ 1200 – 1222م وثمة صورة الساعة على جدار إيوان المدرسة.
العلوم التي يتم تدريسها في المستنصرية
جاء تنوع العلوم التي يتم تدريســها في جامعة المســتنصرية ما كان ســببا في رفــع شــأنها من مدرســة إلى جامعة فقد جمعــت بين العلوم الشــرعية والحســابية والطبية وقد جــاء ترتيب العلوم على الشــكل التالي:

