أدب الطفل المترجم يدفع الطفل العربي إلى الغياب العقلي والحضور الجسدي فقط
نشر الكاتب محمد حمد الصويغ مقال في مجلة "أحوال المعرفة" في شوال من عام 1417هـ، تحدث فيه بالتفصيل عن المجاعة الثقافية التي يعاني منها الطفل العربي وعما يعتور أدب الطفل العربي من ضعف.
فالطفل العربي يعاني من مجاعة ثقافية لا تخفى على أحد، ويكفي أن نزور مكتباتنا العامة لنكتشف الحقيقة المرة. وما نقرؤه من أعمال للطفل العربي لا تعدو عن كونها مجموعة من الاجتهادات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، وأخطرها تلك المنقولة من آداب الغرب أو المترجمة عنها، إذ يعيش الطفل بعد قراءتها والتأثر بها في أجواء غريبة عنه تماماً، حاضراً بجسده وغائباً بعقله.
فأدباؤنا المعنيون بهذا الأدب مخطئون كل الخطأ في النقل أو الترجمة من آداب الآخرين، فنحن العرب لنا تراثنا العريض الذي يمكننا الإستناد إليه في عملية الكتابة للطفل، فيمكن الاعتماد على كتب تراثية كثيرة مثل المقامات للحريري وكتاب الحيوان وكتاب البخلاء للجاحظ وكتاب العقد الفريد لابن عبد ربه وكتاب ألف ليلة وليلة وسواها من كتب التراث.
هذه الكتب وغيرها مليئة بقصص يمكن إعادة صياغتها للطفل بلغة مبسطة وسهلة ومفهومة لتناسب عقل الطفل، ولدينا مخزون آخر من التراث الشعبي الذي يمكننا أن نستخلص منه كثيراً من الأقاصيص والحكايات لأطفالنا، فهو غني بالعظات والعبر والحكم، وجزء من هذا التراث مجموع في كتب يمكن الرجوع إليها والإفادة منها.
الأخوان "جريم" في ألمانيا لهما تجربة شهيرة في التعامل مع الطفل الألماني، إذ قاما بالعودة إلى الحكايات الألمانية التراثية وأخذا منها ما يناسب الطفل الألماني بإعادة صياغتها من جديد وبلغة سلسلة وجذابة، وقُدمت هذه الصياغات فاستساغها الطفل هناك وتجاوب معها وتقبلها بصدر رحب. وفي فرنسا قام الكاتبان شارل بيرو ولافونين بتجربة مماثلة حينما رجعا إلى التراث الأدبي الفرنسي فنهلا منها ما يتناسب مع عقلية الطفل الفرنسي بصياغة جديدة ومبتكرة، وفي إنجلترا قام الكاتب أندور لانج بتجرية جيدة في هذا المجال معتمداً على التراث الإنجليزية، وكذلك فعل الكاتب الروسي كربلوف والنرويجي اسبري نروسون، ولم أسمع من قبل أن أحداً من هؤلاء قام بالاعتماد على كتاب "البخلاء" ليترجم منه شيئاً لأطفال بلادة.
شعوب العالم كلها قامت بنقل حكاياتها الشعبية لأطفالها، أما نحن العرب فيبدو أننا استسغنا عملية الاستهلاك من الغرب، فإذا كنا نستورد من الغرب ما نأكل ونلبس ونركب، فلماذا لا نستورد من حكايات أطفاله أيضاً لنقوم بتشجيع تداولها بين أطفالنا العرب؟
هذه مسألة خاطئة وخطيرة أيضاً، فلابد أن نعتني بصياغة تراثنا الأصيل، لا أن نقوم باستيراد تراث غيرنا ونهديه مع التحية والتقدير لأطفالنا، وهنا محاولات جيدة لجمع تراثنا العربي الجميل، فبالإضافة إلى مراكز التراث المنتشرة في كثير من الأقطار العربية، والتي تعنى بجمع وتدوين وتوثيق التراث، هناك أدباء حرصوا على توثيق كثير من الحكايات والأمثال الشعبية كما فعل أديبنا الكبير الأستاذ عبدالكريم الجهيمان حينما قام بجمع كثير من الحكايات والأمثال السائدة في الجزيرة العربية، وكما فعل الدكتور حسن الشامي في مصر، وكما فعل الأستاذ عبدالرحمن الغول في الأردن، وغيرهم من الأدباء والكتاب العرب في كثير من البلدان العربية.
المجاعة الثقافية التي يعاني منها الطفل العربي لا تنحصر فقط في غياب الكتاب، ولكن في غياب صحافة متخصصة تعني بثقافته، فالمجلات المخصصة للطفل في عالمنا العربي نكاد نعدها على أصابع اليد الواحدة، ورغم ذلك فإننا نعاني من سوء توزيعها، فهي ذات طابع محلي صرف، فمجلة " الصبيان" السودانية على سبيل المثال لا الحصر لا تقرأ في أقطار المغرب العربي، ومجلة "أسامة" السورية لا تقرأ في معظم ديارنا العربية، ومجلة "امقيدش" الجزائرية لا تصل إلى أي بلد عربي، وإذا قسنا هذه الأوضاع المزرية بأوضاع ثقافة الطفل في الدول الأوروبية والأمريكية فسوف نصاب بالدهشة والذهول، فيكفي أن نعلم أن في الولايات الأمريكية المتحدة وحدها أكثر من أربعة آلاف مجلة للطفل، توزع في وقت واحد في الولايات المتحدة كلها، أما الدول الأوروبية فتصدر فيها مجلات للطفل بأعداد مهولة قد لا يصدقها

