قلق الهوية في روايات ما بعد الاستعمار في الروايتين العربية والإنجليزية
أحوال المعرفة – خاص
اصطفت الباحثة السعودية هيفاء العصيمي روايتين بارزتين ترصد عبرهما نتائج ما بعد الكولونيالية على الفرد والمجتمع، هما : رواية :" شوق الدرويش" لللروائي السوداني حمّور زيادة، ورواية The Kite Runner للروائي الأفغاني خالد حسيني وهي رواية مكتوبة باللغة الإنجليزية .
وقد انطلقت الباحثة من الإشكالية التساؤلية التالية: كيف يمكن تمثيل القلق في روايات ما بعد الكولونيالية؟ وهل ينتج عن ذلك هوية سردية تاريخية واقعية أم خيالية؟ وكيف تنعكس آثار قلق الهوية على العمل السردي بكل مستوياته؟
إن الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها كتاب هيفاء العصيمي الذي يحمل عنوان:" قلق الهوية في روايات ما بعد الاستعمار في الروايتين العربية والإنجليزية" ( الصادر عن النادي الأدبي بالرياض في 294 صفحة ) تقوم على دراسة التأثير الاستعماري على الهوية في البلاد التي تم استعمارها من قبل الغرب، ودور الآخر في تشويه الهوية، مشيرة في ذلك إلى رؤية إدوارد سعيد في كتابه : الاستشراق الذي دعا فيه إلى تحرير العقل العربي والغربي من وهم الصور المشوهة. ، وإلى كتابات سبيفاك، وهومي بهابها وإعجاز أحمد.
وترى الباحثة أنه عند الحديث عن الأدب في علاقته بالكولونيالية نجد أن المواضيع الإنسانية التي يتناولها الأدب " ليست على اختلافها إلا محاولة للكشف عن الذات الإنسانية واهتماماتها، ومشكلاتها وتناقضاتها، وهذا عائد إلى الحاجة الملحة عند الإنسان لمعرفة نفسه"
وتبين هيفاء العصيمي أن المنتمين إلى أدب " ما بعد الاستعمار" ليسوا بالضرورة من سكان بلدان كانت مستعمرة، حيث تشترك شعوب الأقليات في الغرب ، وبعض شعوب العالم الثالث، في تاريخ من الاستغلال الاستعماري، ما يطرح أزمة الهوية الثقافية في الإبداع بصورة دائمة، فاللغة مكون مهم في الهوية، لكنها ليست المكون الرئيسي في كل الأحوال.
ثيمات رئيسة:
تستهل الكاتبة في التمهيد بعرض الحالة الاستعمارية المسيطرة على الشرق في محورين الأول: الاستعمار/ ما بعد الاستعمار وإشكالية المصطلحات، بينت فيه مفهوم كلمة الاستعمار والكولونيالية، والثاني: الهوية في السرد مقاربة الخطاب، حيث أسهمت الدراسات الإنسانية الغربية الحديثة في تكوين نظريات للهوية متماسكة فلسفيا ونفسيا واجتماعيا وثقافيا، تحاول وضع تصورها الخاص لمعنى الهوية وترابطاتها وتشكلاتها، كما أثبتت هذه الدراسات أن الذات الفردية هي عبارة عن مجموعة من الهويات المتعددة وليست هوية واحدة.
مستشهدة بآراء بيتر بروك وبول ريكور عن الذات والوعي والهوية، وترى أنه إذا كان الأوروبي المستعمر قد اتخذ من الآخر الشرقي المستعمَر مقابلا تخييليا له ليتمكن من خلال هذا المُستعمَر بناء ذاته وفهم تناقضاته هو، فإن الواجب على المُستعمَر ألا يعتمد على الصور المشوهة للآخر ليبني بها ذاته، بل عليه إيجاد ذاته في تاريخه وتراثه بالاعتماد على المقارنة الذاتية ليكشف أوجه ضعفه اليوم.
قلق الهوية
وعبر ثلاثة فصول حملت عناوين: القلق ومكونات الهوية السردية، والقلق أسبابه وآثاره السردية، وقلق الهوية والآخر، تناولت الباحثة جملة من الموضوعات حول الهوية والشبكات الاجتماعية، وآليات التواصل، وبروز الثنائيات الضدية، والمونولوج، والحوار، والتصنيف المكاني، والتغير الزمني وقلق الهوية، والهويات القومية وخلل التواصل، والصراع العرقي في المجتمعات العرقية، والهوية القومية والثقافة الشعبية بالتطبيق على الروايتين المدروستين.
واختتمت الكاتبة بنتائج البحث حيث حاولت الدراسة تقصي قلق الهويات في نموذج روائي سوداني وآخر أفغاني، من خلال ملاحظة العناصر الهوياتية العينية والعناصر الهوياتية الذاتية، وتدرجها في الثبات والتغير والتحول، ورأت أن الضمائر والحوارات تتأثر بتموقع الشخصية في النص، وقوة حضورها الهوياتي فتكشف عن حالات فقدانها بعض سمات هويتها، وأن علاقة الهوية بالحوار هي انعكاسية تبادلية، وأنه لا يمكن التركيز على حالة القلق في حد ذاتها عند رصد العناصر الزمانية المكانية، لأن ذلك يمكن أن يؤثر على هيكلة السرد، ويوقف تسلسل الأحداث فتخرج من مجال الأدب والنقد الخاص به إلى المجال السيكولوجي المهتم بالحالات الشعورية وتفسير أعراضها، وكشفت عن أن تأثر الهوية القومية بمرحلة الكولونيالية وما بعدها وتفكك عناصرها أدى إلى نشوء عناصر جديدة تحمل سمات الكراهية والعنصرية المدمرة لكيان الأمة ذاتها ، وقد أسهمت الكتابة عن الذات بلغة قومية أخرى في كشف جوانب جديدة في الهوية وتطويرها.
وقد دعت الباحثة إلى التركيز على مجالات الدراسات الثقافية وانقد الثقافي ومحاولة توظيفهما في دراسة التشكل الكولونيالي الجديد في كل المجالات.

