{"en": "The Umayyad Library in Cordoba and its role in spreading Islamic culture", "ar": "أشاعت ودَّللت على روح تسامح المسلمين في الأندلس.. مكتبة الأمويين في قرطبة ودورها في نشر الثقافة الإسلامية"}
إعداد: مجاهد حسين نعناع
إن التاريخ للمكتبات الإسلامية تاريخ للفكر الإسلامي طوال حقبه المختلفة، وذلك لأن الدور الذي لعبته المكتبات في تاريخ الحضارة لا سيما في القرن الرابع الهجري جد مهم; فقد قامت هذه المكتبات بنشر الثقافة الإسلامية وتوطيد الصلات العلمية بين المسلمين وغيرهم من شعوب أوروبا، فقد امتدت إشعاعات هذه المكتبات لتبدَد دياجير الجهل التي رانت على عقول أهل هذه القارة خلال القرون الوسطى، مما كان لها أكبر الأثر في بناء الفكر الأوروبي وتوجيهه وجهة حضارية ما زال الأوروبيون إلى اليوم ينعمون بجني ثمارها.
وتشير روايات التاريخ الأندلسي إبان تلك الحقبة التاريخية إلى أن مكتبة كبرى تكوّنت في قرطبة في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر الأموي وعهد ابنه الحكم المستنصر; قد ضارعت في عظمتها وتأثيرها الثقافي أشهر مكتبات ذلك العصر في بغداد والإسكندرية والقيروان وغيرها من المكتبات. وقد حظيت هذه المكتبة باعتناء الأمراء والخلفاء من بني أمية، فكانوا يشجعون العلماء والأدباء وأرباب الفكر في أي مكان ويغدقون عليهم العطايا والهبات حتى تم لهم استقطاب كل حركة علمية أو فكرية بزغت في أي بلد من البلدان وشجعوا أهلها على الهجرة إلى الأندلس حتى غدت قرطبة خلال هذه الفترة مدينة علمية وثقافية تموج بالعلماء والأدباء والمفكرين في شتى المجالات.
نشأة المكتبة وتطورها:
اشتهرت الأسرة الأموية بحبها للعلم وإكبارها للعلماء، ويظهر ذلك واضحاً منذ أن وطئت أقدامهم أرض الأندلس، فكان عبد الرحمن الداخل (۱۳۸ هـ - ٧٥٦م) معروفاً باتساع ثقافته وحسن قريضه للشعر وتقربه من العلماء، وقد اتخذ من قرطبة داراً لإمارته وقام بتجميلها وإحاطتها بسور كبير، وشيد فيها المباني الضخمة والحمامات والفنادق، وبرزت قرطبة بدورها الحضاري وغشيها العلماء والأدباء من كل بلد.
ونهج الأمراء الأمويون من بعده النهج نفسه في عنايتهم بالعلم والأدب ونشر الثقافة الإسلامية بين شعوبهم، فقد أشار ابن سعيد في كتابه (المغرب في حلي المغرب) إلى أن مكتبة كبرى للأمويين أُسست في قرطبة في عهد الأمير عبد الرحمن بن الحكم (٢٠٦هـ - ۸۲۱م) وقد زودها بكتب كثيرة اشتراها من المشرق الإسلامي، وعلى ما يبدو أن هذه المكتبة كانت النواة الأولى لمكتبة الخلافة الأموية الكبرى في قرطبة، والتي تألقت في القرن الرابع الهجري.
ولا غَرّو أن تتألق مكتبة الأمويين في هذه الحقبة التاريخية ويبرز دورها الحضاري واضحاً وقد أولاها الخليفة عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم جل اهتمامهما وعظيم رعايتهما، فإن شغفهما الكبير بجمع الكتب قد طبق الآفاق ووصل إلى مسامع الناس في كل مكان، فها هو الإمبراطور «قسطنطين السابع» حاكم بيزنطة لم يجد شيئاً يتقرب به إلى قلب الناصر حينما عزم على عقد معاهدة معه سوى أن يهديه كتاباً جديداً لم يعرفه من قبل، وهو كتاب «ديوسقوريدس» في الطب.
وجاءت رسله إلى قرطبة تحمل ذلك الكتاب مكتوباً باللغة الإغريقية في مجلد جميل قد ذُهَّبت حروفه، وزينت صفحاته بالرسوم الجميلة لبعض النباتات والأشجار التي ورد ذكرها في الكتاب، ولم يكتف إمبراطور بيزنطة بذلك، بل أوفد بعد ذلك «نقولا الراهب» ليقوم بترجمته من اللغة الإغريقية إلى اللغة العربية.
وإذا كان هذا هو شأن الناصر، فإن ابنه الحكم لم يكن أقل شأناً منه في هذا الصدد، فقد بلغ حرصه على اقتناء الكتب أنه كان يبذل جهداً كبيراً في الحصول عليها أو شرائها قبل أن تظهر أو تشيع في مواطنها.
وقد أثمرت جهود الحكم عن تكوين مكتبة كبرى لم يسبق لها مثيل من قبل، حيث غصت خزائنها بالعديد من الكتب النادرة، يقول في وصفها ابن حزم: «أخبرني بكية الخصي – وكان على خزانة العلوم والكتب في دار بني مروان – أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، وفي كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الدواوين فقط، ولم تقتصر همة هذا الخليفة على جمع الكتب فقط، وإنما كان على قدر كبير من الفهم والإدراك لما تحتويه من معلومات وأفكار، وكان يقضي أغلب وقته في القراءة والاطلاع.
والغريب أنه لا يقوم بقراءة هذه الكتب فحسب، وإنما كان يعلّق على كل كتاب يقرؤه بخط يده، ويدلي فيه برأيه، وكان يكتب عليه اسم صاحبه وكنايته وألقابه ونسبه ومولده ووفائه، وما يستتبع ذلك من غرائب وحكايات صادفت المؤلف في حياته.
وهواية جمع الكتب واقتنائها لم تكن وقفاً على الأمراء والخلفاء الأمويين على نحو ما وضحنا، وإنما كانت هواية قد تأصَلت أيضاً في نفس الشعب الأندلسي قبل حكامه، حتى صارت عندهم من علامات الرفعة والسؤدد، لا يستغني الرجل منهم عن تأسيس مكتبة في بيته حتى وإن لم يكن على قدر من المعرفة، فكل همه أن يقال عنه: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس عند أحد غيره، والكتاب الذي يخط فلان قد تحصل عليه وتظفر به عند فلان.
تلك هي هواية جمع الكتب التي تمكّنت في قلوب الأندلسيين، وكان لها أكبر الأثر في نشر الثقافة الإسلامية ومحو أمية الكثيرين منهم، والدليل على ذلك ما قيل بأن أغلب الناس في الأندلس خلال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي أصبحوا قادرين على القراءة والكتابة.
ولكن الأحداث التي توالت على الخلافة الأموية بعد عهد المستنصر قد أثرت على هذه المكتبة تأثيراً بالغاً، حيث قام المنصور بن أبي عامر بحرق كتب الفلسفة والفلك ليرضي فقهاء الأندلس ويكسب تأييدهم له.
وحين قضي على خلافة بني أمية وزال ملكهم وتوزعت الأندلس إلى دويلات، وبدأ ما عرف في التاريخ بعصر الطوائف; بيعت تلك المكتبة وتوزعت كتبها في دويلات الأندلس القائمة آنذاك.
وعلى الرغم من مرارة هذه الأحداث التي أودت بمكتبة الأمويين في قرطبة، فإن هواية جمع الكتب والنهضة العلمية والأدبية التي نمّاها الخليفة الناصر وابنه الحكم لم تتوقف. فقد انتهى الحال بهذه المكتبة إلى أيدي عشاق الكتب، وكذلك إلى أيدي أمراء الطوائف الذين عبّروا عن هويتهم العلمية والأدبية، وكانوا سبباً في تعدد المكتبات الخاصة في بلاد الأندلس، حيث كثر هواة الكتب وراجت تجارة الوراقة، ويكفي أن نضرب لذلك مثلاً واحداً: فقد ذكر المؤرخون أن الوزير أحمد بن عباس جمع في مكتبته في المرية وحدها ما يزيد على الأربعمائة ألف كتاب، فضلاً عن الرسائل والكراسات.
تنظيم المكتبة
كانت مكتبة الأمويين في قرطبة داراً علمية بمعنى الكلمة، فلم تكن مجرد دار لخزن الكتب وفهرستها فقط على نحو ما هو مألوف الآن، وإنما نُظمت تنظيماً دقيقاً لتوفر الغاية المرجوة منها. وقد أقيمت هذه المكتبة في قصر الخلافة في قرطبة، وإن كانت المصادر التي أخذت منها هذه المعلومات لم تمدنا بمعلومات وافية عن وصف بناء المكتبة، إلا أنه من المرجح أن بناءها قد لقي عناية فائقة من الناصر الذي اعتنى بقصر قرطبة عناية عظيمة، حتى قيل: «إنه لم يبق فيه بنية إلا وله فيها أثر محدث إما بتجديد أو بتزييد».
وحسبك ببناء يتسع لأربعمائة ألف كتاب فكيف يكون اتساعه وعدد حجراته؟
ذكرت بعض الروايات أن عدد غرف مكتبة الأمويين فاق الأربعين غرفة، وقد زودت بالبسط والسجاجيد والستائر والمقاعد، ونظمت حجراتها على نحو يكفل الراحة لروادها.
فكانت هناك غرف للمطالعة، وأخرى من أجل المناظرات والاجتماعات والبحث، ومخازن خاصة لخزن الكتب قد أعدت إعداداً خاصاً، ونوع آخر من الغرف يضم الهيئات العاملة في المكتبة من نساخين ورسامين وخطاطين ومترجمين ومدفقين، وغيرهم. وقد زودت هذه الحجرات بما يلزم العاملين من أخبار وأوراق وأدوات كتابية وأصماغ وأصباغ. ولعل في وصف بعض المؤرخين المكتبة الحكم وإن كان مختصراً ما يعضد وصفنا لها: «وقد جمع في قصره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد فأوعى في ذلك كله».
وسوف نقوم الآن بوصف سريع لإدارة المكتبة وأهم أقسامها لنقف على كيفية إعداد الكتب فيها:
أ) إدارة المكتبة:
شملت المكتبة فئات من العاملين، منهم: فئة المؤلفين، وفئة المترجمين، وفئة منتجي الكتب: وتشمل النساخين ومن في حكمهم كالمراجعين والمجلدين والمزخرفين، وفئة المتخصصين في شؤون المكتبات كالقائمين بالأعمال الفنية والخدمات المكتبية، بالإضافة إلى فئة العمال والسعاة الذين يقومون بأعمال الأمن والحراسة وتنظيم الفراش وأثاث المكتبة.
وكان الأفراد في كل فئة يعملون تحت إشراف مسؤول يتولى شؤون العمل من حيث توزيعه عليهم وتجهيز مستلزماته، وكان يشرف على هؤلاء جميعاً من الناحية العلمية والإدارية «خازن» كانت وظيفته تماثل وظيفة رئيس المكتبة أو مدير المكتبة حالياً، وكان يتولى وظيفة الخازن أحد العلماء الأفذاذ أو أحد مشاهير الأدباء بحيث يسمح عمله وتتيح ثقافته وخبرته القيام بهذه المسؤوليات الجسام على أكمل صورة.
ب) قسم الترجمة:
يضم هذا القسم أعداداً كبيرة من المترجمين المجيدين للغات الإغريقية واللاتينية والإسبانية وغيرها، وكان أغلبهم من النصارى والصقالبة واليهود، وقليل من المسلمين، نذكر منهم: عبد الله الصقلي، ومحمد النباتي، والبسياسي، وأبا عثمان الخزار الملقب باليابسة، ومحمد بن سعيد، وعبد الرحمن بن إسحاق بن الهيثم، وحسداي بن شيروط. وكان الخلفاء الأمويون يعننون بهذا القسم أشد الاعتناء، ويجزئون العطاء للعاملين فيه، وهو ما ساعد على ترجمة العديد من الكتب الإغريقية في مجالات الطب والهندسة والفلسفة والفلك وغير ذلك في مجالات العلوم المختلفة.
جـ) قسم التدقيق والمراجعة:
يعمل في هذا القسم نخبة من العلماء المعروفين بغزارة علمهم ودقة استنباطهم وحذقهم في القياس، والضاربين بقسط وافر في اللغة والأدب وعلوم الدين وعلوم الحياة، كل حسب تخصصه ومواهبه. وكانت مهمة هذا القسم مراجعة الكتب وتصحيحها والتعليق عليها بعد نقدها وتفنيدها. نذكر منهم: الرباجي محمد بن يحيى بن عبد السلام الأزدي النحوي، وكان ضليعاً في علم النحو، وقد استأدبه الخليفة الناصر على ابنه المغيرة، وفي عهد الحكم زاول مهنة المراجعة والتدقيق في مكتبته وأوسع له هذا الخليفة في العطاء.
ومن المدققين أيضاً محمد بن أبي الحسين الفهري القرطبي، ومحمد بن معمر الجياني، وكانا خبيرين في النحو وعلم اللغة، وقد كلفهما الحكم بتدقيق وتهذيب ما لم يهذبه أبو علي القالي من كتابه «البارع في اللغة» ، حيث قام المؤلف بتصحيح كتاب الهمزة وكتاب العين، تم توليا الباقي منه بالتصحيح والتهذيب.
د) قسم الورَاقين:
يضم هذا القسم مجموعات كبيرة من الوراقين الذين يقومون بنسخ الكتب وتزيينها بالصور وتجليدها ثم عرضها في المكتبة، نذكر منهم: الأديب اللغوي محمد بن أبي الحسين الفهري، وعباس بن عمرو بن هارون الصقلي الذي عينه الحكم وراقاً في مكتبته، وكان يأنس إليه كثيراً ويوسع له في الرزق.
ومما ساعد على ظهور مهنة الوراقة هذه والتي لعبت دوراً بارزاً في تكوين مكتبة الأمويين ظهور الورق وانتشاره في الأندلس، حيث تأسس أول مصنع لصناعة الورق عام ٩٥٠م في مدينة شاطبة، وكان ينتج جميع أنواع الورق بما فيها الأبيض والملون.
وأعمال النسخ من الأعمال الأساسية للوراقين، وقد أعدت لهم غرف خاصة زودت بمستلزمات النسخ من مقاعد ومحابر وأقلام وأوراق، ويشترط فيمن يمتهن مهنة النسخ جودة الخط ووضوحه وصحته، وأن يكون على حظ كبير من المعرفة والثقافة، حاضر الذهن يقظاً متنبهاً لما يكتب، معروفاً بالأمانة والصدق بين الناس.
هـ) قسم الفهرسة:
يقوم هذا القسم بفهرسة الكتب التي في المخازن وتصنيفها وتنظيمها حتى يسهل تناولها واستعمالها، وقد كانت مكتبة الأمويين مرتبة حسب المواضيع، فقد كان لكل موضوع فهارسه الخاصة، وهو نظام قريب من الفهرسة الموضوعية السائدة الآن في بعض المكتبات، ويتميّز هذا النوع من الفهرسة بالسهولة وسرعة حصر محتويات المكتبة، فهي مكتوبة في مجلدات تستعمل كالكتب يمكن الرجوع إليها بسهولة.
و) قسم التأليف:
مهمة هذا القسم الإشراف على تأليف الكتب الحساب المكتبة الأموية، وينحصر عمله في اتجاهين: تلقي المؤلفات من خارج الأندلس. ومن أمثلة الاتجاه الأول: مراسلة أبي الفرج الأصفهاني صاحب كتاب «الأغاني» للحصول منه على أول نسخة من هذا الكتاب، بل في بعض الأحيان كانت تتم مراسلة المؤلف وإغراؤه بالهجرة أو الرحيل إلى الأندلس كما حدث مع أبي علي القالي صاحب كتاب «الأمالي» الذي ترك العراق ورحل إلى الناصر الأموي واستقبله استقبالاً طيباً في قرطبة، وكان يتم الاتصال بين المؤلفين في المشرق الإسلامي عن طريق بعض الرسل المبعوثين على نفقة الخلافة الأموية، وكان أغلبهم ممن بمتهن الوراقة وله دراية بصناعة الكتب، فينتشرون في البلدان الانتخاب غرائب التواليف والبحث عنها، ومن جملة هؤلاء الرسل: محمد بن طرخان في بغداد: وأبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان، وأبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي في مصر، وهما من أكبر فقهاء المالكية، وكان الحكم يدر عليهما أموالاً كثيرة لاقتناء الكتب النادرة التي تظهر لدى علماء مصر، ومن أمثلة الاتجاه الثاني: وهو تكليف بعض علماء الأندلس بالتأليف في تخصصات معينة، أبو عبد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى الذي ألف للحكم كتباً في الفقه; ومحمد بن الحارث الخشني الذي ألف لمكتبة الأمويين مجموعة ضخمة من الكتب، منها: تاريخ قضاة قرطبة، فضائل الإمام مالك، كتاب الرواة عن مالك، كتاب المولد والوفاة، كتاب النسب، كتاب الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك، كتاب الفتيا، وكتاب التحاصر والمغالاة.
أثر المكتبة الفكري في شعوب أوروبا
قبل الحديث عن الأثر الحضاري الذي تركته مكتبة الأمويين في شعوب غرب أوروبا، يجب إثارة نقطة هامة كان لها الفضل الأكبر في هذا التأثير الحضاري، وقد أشار إليها كثير من المؤرخين المنصفين من الغرب، وهي سياسة التسامح الحكيمة والهادفة التي سار عليها الأمويون في الأندلس مع رعاياهم من النصارى واليهود( أهل الذمة)، حيث لم يستثنوهم من تولي الوظائف العامة بما فيها العمل في قصر الخلافة ومكتبته الكبرى، فقد كانت تعيش طوائف نصرانية ويهودية كثيرة العدد في عاصمة الخلافة، تمارس طقوسها الدينية في حرية تامة، وتنعم بالأمن والرخاء في ظل حماية الدولة الإسلامية لهم، وتشارك المسلمين في حياتهم العامة، فسرت إليهم العادات الإسلامية، وأقبلوا على تعلم اللغة العربية وآدابها، وكتبوا بها مؤلفاتهم العلمية، وشاركوا مشاركة فاعلة في خدمة الكتب والحركة العلمية في الأندلس، فقد كان منهم مترجمون ونساخون ومجلدون، واقتنى الكثيرون منهم مكتبات كبرى أغلب كتبها باللغة العربية، مما دعا المطران« ألفيرو القرطبي» عندما أصبح مطران العاصمة، وكان متعصباً لبني جلدته، أن يقول: «من الذي يعكف اليوم بين أتباعنا من المؤمنين بديننا على دراسة الكتب المقدسة؟ أو يرجع إلى كتاب أي عالم من علمائها ممن كتبوا في اللغة اللاتينية؟ من منهم يدرس الإنجيل أو الأنبياء أو الرسل؟ إننا لا نرى غير شبان مسيحيين هاموا حباً باللغة العربية، يبحثون عن كتبها ويقتنونها، ويدرسونها في شغف، ويعلقون عليها، ويتحدثون بها في طلاقة، ويكتبون بها في جمال وبلاغة، ويقولون فيها الشعر في رقة وأناقة. يا للحزن! مسيحيون يجهلون كتابهم وقانونهم ولاتينيتهم، وينسون لغتهم نفسها: لأن الفصاحة العربية تسكرهم...».
ولعل في شهادة هذا المطران ما يقيم دليلاً قوياً على ما تتميز به الحضارة الإسلامية من طابع إنساني رفيع، فهي تكفل للإنسان إنسانيته مهما كان جنسه ودينه، ولا تسلبه حقوقه الإنسانية في طلب العلم والتعلم، وفي الوقت الذي فتح فيه الأمويون أبواب مكتباتهم وجامعاتهم العلمية أمام كل طالب علم، يستوي في ذلك المسلم وغير المسلم، نرى أبناء المسلمين اليوم يعانون كثيراً من الأزمات في طلب العلم وتحصيله، حيث تقوم بعض المؤسسات العلمية في الغرب بحبس الكثير من النتائج العلمية ولا سيما في مجالات العلم والتكنولوجيا، وتناسى هؤلاء القوم أنهم أخذوا أصول هذه العلوم عن علماء بررة لا يكتمون علماً ولا يحبسون أسراره عن أحد عملاً بقول نبي الإسلام محمد r: « من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» ، أخرجه أبو داود والترمذي. فشتان إذن بين حضارتين: حضارة ترى العلم فرض كفاية إن لم يوجد في الأمة من يقوم به أثمت الأمة جميعها فلا تحول بينه وبين طلابه من أجل إسعاد البشرية، وحضارة تضن به وتقصره على أبنائها من أجل السيطرة والاستعلاء.
ولم يقتصر التأثير الفكري على نصارى أهل الأندلس، بل امتد ليعم أثره شعوب أوروبا قاطبة، وهذه حقيقة لا مراء فيها، فتشير الروايات إلى تأثر الإيطاليين والألمان والفرنسيين بمؤثرات الفكر الإسلامي عن طريق صقلية والأندلس. وهناك كثير من المدن الأندلسية التي تعد مراكز علمية كبرى ساهمت في نقل الفكر الإسلامي إلى أوروبا، مثل: قرطبة، إشبيلية، بطليوس بلنسية، سرقسطة، وطليطلة. وقد شهدت الأخيرة أكبر حركة لتأثر الأوربيين بالفكر الإسلامي; فقد غصت مكتباتها وجوامعها بالكتب العربية في شتى العلوم المختلفة، ولا سيما العلمية، وأنشئت فيها مدرسة للترجمة من العربية إلى اللاتينية أغلبها من اليهود والنصارى الذين يجيدون اللغتين، وقاموا بنقل العديد من المؤلفات العربية ولا سيما بعد سقوط هذه المدينة في أيدي ألفونسو السادس الذي شجع حركة الترجمة هذه، ولم يأت القرن الثالث عشر إلا وكانت معظم المؤلفات العربية تدرّس في أوروبا.
ويكفينا في هذا المقام شهادة «أنجل حنثالث بالنسيا» مؤلف تاريخ الفكر الأندلسي والذي نقله عن الإسبانية الدكتور حسين مؤنس حيث قال: «إن الفضل في قيام الدراسات الطبية في أوروبا يرجع إلى ما كتبه العرب... العرب الذين كانوا يبعثون بالسفراء لاستجلاب الكتب القيمة ما بين إغريقية ولاتينية، ويقيمون المراصد لدراسة الفلك، ويقومون بالرحلات ليستزيدوا من العلم بالتاريخ الطبيعي، وينشئون المدارس لتدرس فيها العلوم بشتى صنوفها».
وبعد، فهذه مكتبة الأمويين في قرطبة وقد نظمت تنظيماً علمياً على نحو ما رأينا، فكانت لؤلؤة زمانها، وسراج العلم في عصرها، ولا عجب في ذلك، فإن دورها في توطيد الصلات العلمية بين

