أخطاء تربوية في حياة الطفل..
بقلم: حسين محي الدين سباهي *
وليس الهدف جعلهم هادئين وديعين ليكونوا أقل ّ إزعاجاً للأهل والمربّين *العدل بين الأبناء من أهم وسائل التربية التي نادت بها تعاليم الإسلام وأثبتها التجربة والعلوم المعاصرة الطابع الأساسي الذي يميّز الأسرة عن غيرها من الجماعات الإنسانية ( الدينية، والمهنيّة.. إلخ ) هو ما تتمتّع به من صلاحية وسلطة، فليس في داخلها قوانين أو دساتير، ولكن سلطة الأب وإرادته هي القانون في الأسرة، ولا تتدخل السلطات العامّة باعتبارها حامية القانون في شؤون الأسرة إلاّ في حالة وقوع جرم ما.
أمّا الإهمال، فأشدّ ما يكون خطراً في أيام الطفولة الأولى، فرضاعة غير منتظمة، أو تغذية ناقصة أو رديئة، أو فطام في غير أوانه يُلْح ِ ق أشد الأذى بنظام الجهاز الهضمي للرضيع، وإنّ جميع الانطباعات التي يشعر بها الطفل في هذه الفترة من حياته، ( لكونها غامضة وقريبة من حالة اللاشعور) تترك في نفسيّته المرنة أثراً بالغاً قد يدوم مدى الحياة ولو أصبح الألم منسيّاً والخطأ مصححاً، ويظل ّ هذا الانطباع على شكل شعور عام بالقلق والخوف والضيق النفسي والحرمان مع رد فعل مؤلم، وقد يكون ظاهراً أو دفيناً عند جميع الذين تألّموا في الأشهر الأولى من حياتهم ( وقد يحدث مرض ما نفس الشعور الذي يحدثه نقص العناية أو خطأ التربية )، وعلى عكس الأحكام القياسية العادلة فقد ثبت، بنتيجة الاختبارات والتجارب، إنّ لين الآباء نحو أبنائهم، وميلهم إلى إعطائهم حرّيات واسعة – إذا كان ذلك لا يتعلّق بالرضيع وتطوّره الهضمي – ليس بحدّ ذاته نتائج مؤسفة ذات تأثير على التكامل النفسي في حياة الشباب المقبلة، بل يعود أثر هذه النتائج على الآباء أنفسهم، أمّا الأطفال فحالما تُؤمّن رغباتهم الصبيانية تهدأ نفوسهم وينتقلون بصورة طبيعية إلى أهداف أكثر فائدة عندما يكبرون، إذ تعلّمهم صعوبة تحقيق المطالب الحاجة إلى بذل الجهود في سبيل نيلها، وتجدر في هذه المناسبة الملاحظة أنّ لين المربين حيال الأطفال ترافق غالباً سلوكاً عاطفياً معيّناً، وحنواً ضاراً سنعود إلى بحثه فيما بعد، وهذا هو العنصر الضار في التربية.
وعلى الغالب فإنّ الأُسر لتخطئ في تشدّدها بالقسوة، سواء أكان بصورة عامّة أو إزاء نقاط معيّنة يهمهم أمرها بصورة خاصّة، ومع الزمن فإنّ كثيراً من المشاغل تتضخم وتزدحم حتى تسيطر على الوجدان وتصبح نقاطاً متبلورة من مختلف أنواع المضايقة والإزعاج، إذ أنّ كثيراً من البالغين في سنّ الأُبوّة أو الأمومة يبدو عليهم نوع من هذه الأشكال المشوّهة التي يحاولون فرضها على أبنائهم كقواعد مألوفة عادية، فإذا اعتاد أحدهم مثلاً الانزعاج من الضحك فلا يستطيع أن يتحمّل هذا الأمر في أحد من أبنائه، وإذا استهوى آخر حب ّ ( الحقيقة ) سحره كل انحراف في التصوّرات الصبيانية، كما لو كانت إجراماً أو اعتداءً على مثاليته، وإلى جانب القسوة المعنوية توجد القسوة العاطفية والمادية، إنّ بعض الآباء يعتقدون أنه من الواجب عليهم أن لا تبدر منهم كلمة عطف نحو أبنائهم، فلا يميلون بطبيعتهم إلى مداعبتهم، ومنهم من يمتنعون عن تقبيلهم خشية الجراثيم مثلاً.
أمّا القسوة المادية فهي أكثر شيوعاً، ففي بعض الأسر تستعمل نوع من أدوات التعذيب أو التأديب كالسياط والعصي وأطواق الجلد، إلخ..
إنّ أكثر الآباء لا يجدون الوسيلة إلى تربية أبنائهم إلاّ الزجر أو التخويف أو التخجيل، هذا إذا لم يلجأوا إلى الضرب أو التهديد بالأشباح المخيفة، والغيلان في الأمكنة المظلمة، والعفاريت، لأنّ الأطفال بطبيعتهم يخشون الظلمة، والأمكنة الخالية والعزلة.
وقد لوحظ بالتجربة، أنّ الأطفال شديدو الخوف من التشويه المتغلغلة جذوره في اللاوعي الجماعي، وكم من أرباب الأسر يرددون بحمق وجهل انّه على كل حال يجب تخويف الأطفال من شيء ما كما لو كان الخوف عاملاً أساسياً في الإصلاح والتقدّم والنجاح ومع ذلك فربّما كان التخجيل أسوأ هذه الأساليب البغيضة لأنّه يجتث ثقة الطفل بنفسه من أصولها، ولأنّه يحط ّ م عنده رغبة الاستحسان والتحبيذ التي هي لديه أكبر عامل في انسجامه مع المجتمع، يعتبر بعض المربّين طموح الولد كمظهر من مظاهر الكبرياء الذي يرون فيه أقبح أنواع العيوب فيعملون جاهدين في سبيل تحطيم هذا الطموح، موحين إليه بشعور الضعة والحقارة والنقص بداعي حب التواضع ونكران الذات، وذلك بأن يؤكّدوا للصبيان أنهم ليسوا بالأقوياء ولا بالأذكياء، وإلى البنات أنّهنّ لسن بالفاتنات ولا بالجميلات، ثم يطلبون منهم، بعد أن يكبّلوهم بهذه القيود الخاطئة، مجابهة بداية الحياة بمصاعبها وأهوالها وكم سببت هذه المعاملات الشاذّة من أمراض عصبية، آلت في النهاية بأصحابها إلى ولوج سبل الإجرام، لأنّ الطفل، إذا ما فقد الأمل بتقدير مزاياه وخلاله، لم يبق أمامه إلاّ الاستهانة بالقيم الأخلاقية، و ولوج أبواب المساوئ والعيوب، ولا يغيب عن البال ما يخلّفه مع الزمن، كالاستهزاء اليومي، والسخرية المتتابعة، من نتائج سيئة الأثر على الأطفال، ولابد بهذه المناسبة من ذكر حالة، الفتى اليافع الذي أصيب بخلل عقلي، تعود بداية عوارضه المرضية إلى استهزاء عمّه منه بصورة دائمة، هذا العم الذي كان يحتل مكانة اجتماعية مرموقة، وكان إلى جانب ذلك كثير اللطف والكياسة.
وكثيراً ما تفرض الأُسر على الأطفال إيحاءات خاطئة جائرة، فلتخفيف التنافس بين شقيقتين مثلاً، تحكم الأسرة أنّ إحداهما جميلة لكنّها بلهاء، والأخرى دميمة ولكنّها ذكية، ثم تستمر الأسرة في تغذية هذه الفكرة سعياً وراء إقرار شبه مساواة بينهما، غير عالمة أنّ ذلك يحطم الاثنتين معاً.
وهناك بعض الأمّهات، حرصاً منهنّ على استبقاء الطفل الوحيد في أحضانهنّ، يردّدن على مسامعه أنّه ضعيف وعاجز عن الحياة لوحده كغيره من الصبيان، ويلقنه منذ نعومة أظفاره أن يسلك سلوك الشيوخ المرضى، ولا يخفى ما يعقب ذلك من نتائج مؤسفة.
وكذلك فقد يسبب الآباء للأبناء أضراراً خطيرة في الإيحاء إليهم الشعور بالعظمة التي لا يجد الأطفال في أنفسهم استعداداً لها، وذلك بقولهم لهم مثلاً: (يجب أن تكون فناناً لامعاً، أو وزيراً بارزاً ، أو رجلاً عظيماً، إلخ.. )، إنّ هذه الإيحاءات المفروضة على الطفل تثبّط همّته أمام جسامة المهمّة الموضوعة نُصب عينيه بدلاً من أن تشجعه على المضي في طريق النجاح والتفوق، فيدفعه القنوط ربما إلى التوقف في منتصف الطريق وأذكر على سبيل المثال فتاة أحرزت نجاحاً باهراً في صفها، وجاءت تبشر أباها فاستقبلها بقوله : ( ليس هذا بالأمر العجيب فإنّ أسرتنا معروفة بمواهبها ) فكانت هذه الكلمات كافية للقضاء على كل نشاط وأمل لدى هذه الطفلة.
وفي الظرف الذي تتفتّح فيه غرائز الطفل الاجتماعية، واستعداده للانسجام مع الوسط الإنساني، يشعر بحاجة ملحة إلى العدالة، وخاصّة إلى عدالة تتلاءم مع شعوره وإحساسه، إنّ كل ما يظهر له غير منسجم مع الواقع سواء في تقدير مزاياه أو نقد أخطائه، يثبط همته، بل ربّما دفعه إلى الانحراف عن النظام الاجتماعي، بحيث يصبح تائهاً حائراً ضالاً، فَلأَج ْ ل ِ معرفة هذه الحاجة الشرعية للطفل ( العدالة في الحكم على أعماله ) ولتأمينها، لا بدّ من خبرة واسعة في معرفة النفس البشرية وأسرارها التي قلّما تتمتّع بها الأُسر، ويكاد الناس جميعاً يكونون متّفقين على الصفات التي يجب أن يخضع لها : من إطاعة ونظام، ولطف وكياسة واجتهاد وغير ذلك، ولكن لم يسبق لأحد تقريباً أن حدّد صفات المربّي المثالية.
ولهذا يجدر ألا نتجاهل أهداف التربية الحقيقية، كما يجب أن نعلم قبل كل شيء فيما إذا كان هدف التربية تهيئة الأطفال إلى حياة الرجولة المقبلة، كي يكونوا أفضل إنتاجاً، أم إذا كانت تهدف إلى جعلهم هادئين وديعين ليكونوا أقل إزعاجاً للأهل والمربّين، ومن الشائع المعلوم أنّ المقياس المتعارف عليه بين تقاليد الأُسر عن الطفل المثالي لا يهدف إلاّ إلى الطفل باعتباره طفلاً فحسب، إذ قلّما تُبذل العناية لمتابعة مقدّرات الأطفال الهادئين في مستقبل حياتهم لأجل الحكم على النتائج السيئة التي يؤول إليها هذا الهدوء، أمّا إذا كان هدف التربية تهيئة رجال عاملين، ذوي حيوية ونشاط، يجب أن لا يغرب عن البال، أنّ القسوة والتخويف والتخجيل ليست إلاّ وسائل واهية، لا تقتصر على كونها عديمة الجدوى في حقل التربية، بل هي أيضاً كثيرة المساوئ والأضرار.
وهناك نقطة أخرى جديرة بالبحث، وهي : هل تهدف التربية إلى تهيئة الأطفال للحياة كما هي ؟ أم لدفعهم نحو مثالية لم يبلغها أحد بعد؟
وفي النهاية فإنّ كل ما يمس عواطف الطفل قد يضعه أمام قضية تتطلّب منه حلاًّ، وهناك مسائل لا يستطيع حلّها، فتسبب اضطرابات عميقة في كيانه النفسي، أمّا التي يتوصّل إلى حلّها بصورة ملائمة وبوسائله الممكنة فلا تزيده إلاّ قوة على الحياة، لأنّ الحياة عبارة عن مران مستمر، ومع ذلك فقد يحدث ألا تكون الحلول التي يرتئيها الطفل تامّة الملاءمة، بل ناقصة أو رديئة، وبهذه الحالة يكون مبدأ انطلاقه فاسداً ويصعب عليه أن يصلحه فيما بعد، لأنّ التراجع عن حل مشى به خطوات واسعة لَمِن الأمور التي تكلّفه جهداً كبيراً قد يعجز عنه، وليست المثالية في تجنّب حل القضايا، لأنّ الحياة بكاملها ليست سوى سلسلة من القضايا، ويتحتّم على الطفل أن يتمرّن على حلّها : فإذا ما حرِم من هذه الرياضة المعنوية حرم في الوقت نفسه من القدرة على تحمّل محن الحياة التي لا مفرّ منها، إنّما يجب ألا يعرض على الطفل إلاّ المسائل المنسجمة مع طاقته بعد تعليمه وإرشاده إلى كيفية حلّها بأسهل الطرق وأنجعها، وهنا تظهر براعة المربين إذ يجب عليهم أن يفهموا واجبهم بوضوح، ويسعوا بكل ّ ما أوتوا من نشاط وحسن نيّة إلى تطبيقه.

