مستقبل القلم
خلف سرحان القرشي
يقــول الإعلان (خطط نجاحك بقلمك)! وهذا الإعلان ينطوي على مفارقة تستدعي الاهتمام، وتسترعي الانتباه؛ تكمن في أن منتجات هذه الشركة ومثيالتها هي الأكثر تهديدا لـــ (القلــم) - الــذي نعرفه – أيما تهديد! فلماذا - والحالة هذه-تستخدم الشــركة مفردة (القلم)؟ لعــل تلك الشــركة أرادت جعــل دعايتها أكثر تأثيرا في نفوس المستهدفين من خلال استدعاء وتوظيف ما علق بالذاكرة الإنسانية من مشاعر حب وامتنان وتقدير ووفاء لهذه الأداة العظيمة، والنعمة الفريدة التي سخرها الله للإنسان وعلمه إياها.
قــال تعالــى: (اقــرأْ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علــم الإنسان ما لم يعلم).
وقــد أقســم الله عــز وجل بـــ (القلــم) وذلك تعظيما لشأنه. قــال تعالــى: (ن، والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون). لقــد ارتبــط القلــم برقــي الإنســان وترقيــه فــي مسلســل الحضــارة الإنســانية. يقــول الدكتــور خالــد النجــار واصفا القلم: (بســيط في شكله، عظيم في شأنه..... كم عبرنا به عن مكنونات نفوسنا، وخلجات صدورنا، وبه تعلمنا، وأبصرنــا نــور العلم، وبه سطـرت حضارات، وقامت ممالك وإمبراطوريات، وبــه جمع حصاد العلوم والمعارف والأفكار والأشعار)(1),. وعودا على بدء لإعلان تلك الشــركة، نقول إنه في الحقيقة يشير إلى شــيء غير القلم الذي نعرفه؛ إنــه قلم إلكتروني ملحــق بجهاز الهاتف النقال غرضه الرئيس الإشــارة والتأشير والنقر على مفاتيح وكلمات وحروف في شاشة الجوال وفي
لوحة مفاتيحه، وحري به أن يسمى (المؤشر) أو (الناقور) أو شــيء من هذا القبيل؛ لأنه يؤدي وظائف غير وظيفة القلم المعتادة؛ وأعني بها الكتابة اليدوية، وإن كان يتضمنها جزئيـا مــن خـلال إتاحتــه الفرصــة لمســتخدمه لكتابة ورســم بعض الملاحظــات. إن القلــم الــذي عرفتــه معظم - إن لــم تكن كل- الحضــارات الإنســانية منــذ فجــر التاريــخ، وارتبط بهــا ارتباط السوار بالمعصم يواجه اليوم مستقبل مخيفا،ووضعا حزينا يهدده بالفناء، والانتهاء، والذهاب إلى متاحف التاريخ والآثار بعــد أن كان يزيـن جيب كل متعلم، ويتصدر حقيبة كل تلميذ، ويتوج مكتب كل مدير وموظف، ناهيك عن الكاتب والمؤلف الذي كان القلم بمثابة اصبع السادس ليده. قال تعالى (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وماكنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وماكنت لديهم إذ يختصمون).
كان القلــم العلامة الفارقة بين الإنســان المتعلم والأمي، وكنــا ونحــن صغــارا شــأننا شــأن غيرنــا، نفــرح عندمــا ننتقل دراسيا إلى الصفوف الابتدائية العليا التي يسمح لنا فيها المعلمــون باســتخدام القلــم الحبر عوضا عــن قلم الرصاص الــذي يناســب الصغــار أكثــر، لأن ذلــك الحــدث ينطوي على معنى له دلالته في نفوس الصبية.
لقــد حالت التكنولوجيا الحديثــة بتقنياتها المختلفة في مجال الكتابــة والطباعة والنشر- وبالأخص أجهــزة الهاتف الجوال – بيــن الإنســان وبين استخدام القلم، ولم يعد موجودا في جيوب الناس كما كان في الســابق، رغم تشبث بعض ذوي الجــاه واليســار بحمل أنــواع ثمينة وفاخرة مــن الأقلام، ليس للكتابــة بقــدر ما هــي للمباهاة، وإبراز المكانة الاجتماعية، والمنزلية المادية. والتهديد الــذي يتعــرض له القلــم اليوم، ليــس التهديد الوحيد فــي تاريخه؛ فقد هدده من قبل اختراع الآلة الكاتبة (Typewriter )أو (الآلة الطابعة) والتي يعود تاريخ صنعها إلى العام 1714م. ولكن القلم استطاع الصمود أمام ذلك التهديد بفضل مرونته، وسهولة حمله،والتنقل به مــن مــكان الــي آخر بخلاف تلــك الآلة التــي كان حجمها عائقا أمام مستخدميها ليجعــل منهــا قاضيــة علــى القلــم، رغــم تأثيرها الواضح عليه. وليس أدل على حقيقــة التهديد الذي يواجه القلم حاليـــا ومســتقبل مــن أن صناعته تواجــه تراجعا ملحوظا أشارت إليه بعض التقارير المتخصصة؛ ومنها تلك التي نشرها معهد (يورومونيتور) والتي تفيد بأنه منذ عام 2012 ، فإن مبيعات الأقلام آخذة في الانخفاض في معظم البلدان الغربية.
في دراسة بريطانية أجريت بتكليف من قبل شركة (دوكمايل) المتخصصة فــي البريــد الإلكترونـي، والطباعــة في شــهر يونيــو عــام 2014م، شملت 2000 شــخص، أفــاد ثلث هذا العــدد بأنهــم لــم يســتخدموا القلم بتاتا خلال الســتة أشــهر الماضية وأن المعدل الوسطي لعدم اسـتخدام المشاركين القلم بلغ 41 يوما.
يقول أحد الصحفيين الغربيين واصفا الحالة: (إننا حاليـا نكتب أكثــر ممــا كنا نكتب سابقا، لكننا نكتب أقل بالقلم والورق)(2). لعله من نافلة القول الإشارة إلى أن مســتقبل القلم - الــذي هو الآن على (كف عفريت) كما يقال- ينعكس تلقائيا على مخرجاته من أنواع وأشكال الكتابة اليدوية فقل أن تجد اليــوم في معظم أنحاء المعمورة من يدبج رســالة شــخصية قريــب عبــر البريد ٍ بيـده، و يرسلها لصديــق أو التقليدي. فــي العالــم الغربــي شــرعت بعــض المــدارس فــي التخلي شــيئا فشيئا عن اعتبار القلم أداة رئيســة للكتابة، ومنها مدرسة خاصة لتعليم اللغة الإنجليزيــة فــي جنيف، حيــث أنفقت ما يناهز ثمانمائة ألف يــورو على مــدى ثلاث سـنوات، لتجهيز كل قاعات الدروس بلوحــات رقميـة حيــث يستخدم كل طالــب لوحــة مفاتيحه - الخاصــة والمجهزة ببرامــج تربوية محددة - لكل ما تستلزمه الكتابــة (3) إن جـدوى تعليــم التلاميذ في سني دراستهم الأولــى مهــارات الكتابـة بخط اليــد قضية بدأت تأخــذ مجالها مــن النقــاش فــي الأوســاط التربوية بيــن مؤيد ومعارض، وأتوقع أن يكســب المعارضون المعركة عطفا على حجتهم القوية من وجهة نظري والتي تقول إن تعليم الكتابة اليدوية يستغرق وقتا وجهدا ومالا دونما جدوى، وأنه لا يتناســب مــع ســوق العمل الذي يتطلب إتقان مهارات الطباعة على لوحات المفاتيح وليــس الكتابة باليد. ومهمة التوقيع بالقلم علــى الأوراق المهمــة والمســتندات كالحــوالات المالية والــ(الشــيكات) بــدأت تفقــد حضورها فــي عصر التقنيــة وحلت محلها البصمة الإلكترونية بالأسبوع أو بالعين، زد على ذلك أن المعاملات البنكية والمصرفية تتم في الغالب إلكترونيا، ممــا يزيــد مــن تواريــخ حضــور القلم. أهــل القلم وعشــاقه، الســيما من كبار السـن يبقــى لهم التشبث بالأمل في أن يظل صامدا أمام هذه التحديــات، مثلما صمد أمام تحدي الآلة الكاتبة. ويعزز تفاؤلهم هذا أن دراســـات علمية خلصت إلــى أن تدريــب التلاميذ على مهارة الخط اليدوي يترتب على تنشيط وتحفيز ملحوظ لأذهانهم؛ ففي مقــال كتبته (ماريا كونيكوفــا) فــي صحيفــة (نيويــورك تايمز) الأميركية، ذكرت فيــه أدلة توصل إليها بعض علماء النفس والأعصاب تشــير إلــى العلاقــة العميقة بين الكتابــة باليد والتطور التعليمي الواســع؛ فتعلــم الأطفــال الكتابة بأيديهم أول، لا يعلمهم فقــط كيفية القراءة بســرعة أكبر، لكــن أيضا يجعلهم أكثــر قــدرة علــى توليــد الأفــكار والاحتفاظ بالمعلومــات، مما يعنــي بكلمات أخرى أن الأهمية لا تقتصر على ما نكتبه، ولكن أيضا على كيفية كتابتنا. (4).
وقــال العالــم النفســي فــي مؤسسة (كوليج دي فرانس) فــي العاصمــة الفرنســية باريــس، ستانيســاس ديهــان: (عندمــا نكتــب، تنشــط آليـــا دائــرة عصبيــة فريدة)،مشيرا إلى وجود تمييز جوهري للحركة في الكلمة المكتوبة، وهو ما يتم بواسطة المحاكاة الذهنية في العقل. وأضاف:
(يبــدو أن هــذه الدائــرة تســهم بطــرق ٍ فريــدة مــن نوعها لم ندركها، الأمر الذي يجعل التعليم أسهل)(5) وإلى أن تحسم المعركة وتضع الحرب أوزارها بين الكتابة اليدوية وبين الكتابة مــن خلال لوحــات المفاتيــح المختلفــة، يبقى ويظل محبي القلــم ومناصريه يرددون مــع الشـاعر أبــي الفتح البستي قولته الحق الشهيرة :
إذا افتخر الأبطال يوما بسيفهم
وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة
مدى الدهر أن الله أقسم بالقـــــــلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1), موقع / http//:www.net.saaid
(2) موقــع / /2014com.euronews.www://http-/27/05/the-writing
pen-the-replace-tablet-the-will-future
(3) المرجع السابق.
(4) موقع Http//: emaratalyoum. com /technology/ electronic
/2014equipment1.682865-07-06-
(5) المرجع السابق.

