من أهم منجزات الأدب المقارن في القرن العشرين.. أسين بالاثيوس يكتشف تأثير الثقافة الإسلامية على أكبر ملحمة أدبية عالمية
أحوال المعرفة – خاص
لم يكن أحد من الباحثين والقراء والدارسين يتصور أن واحدة من أعظم الملاحم الأدبية الإيطالية، بل والعالمية التي كتبها الأديب الإيطالي دانتي أليجييري بعنوان : (الكوميديا الإلهية) ستتأثر إلى حد كبير بالثقافة الإسلامية، بل وتستلهم منظومة كبيرة من عناصر هذه الثقافة في تشكيل هذه الملحمة العالمية، إلى درجة اقتباس جملة من المضامين والدلالات الدينية الإسلامية خاصة في استلهام (قصة الإسراء والمعراج) وكتابات المفكرين والفلاسفة المسلمين كابن سينا والمعري وابن رشد، فكيف حدث ذلك ومن الذي فتح المجال البحثي لإعادة قراءة الكوميديا الإلهية في فضاء الأدب المقارن؟
كوميديا الإبداع:
عاش دانتي إليجييري ( 1265- 1321 م ) حياة حافلة بالصراعات والاضطرابات ، وأيضا بذاكرة الحب المفقود حيث تزوجت حبيبته بياتريس (بياتريتشي بورتيناري) من شخص آخر، وماتت صغيرة، وهي التي استدعاها بطلة لملحمته : ( الكوميديا الإلهية) ، ويعد دانتي واحدا من كبار أدباء العالم، حيث لم يقتصر تأثيره على إيطاليا فحسب بل امتد تأثيره إلى مختلف الثقافات في العالم.
بعد أن كتب دانتي في بدايات حياته كتاب : ( الحياة الجديدة) سنة 1292 الذي يضم (31) قصيدة، كتب : ( البلاغة الحديثة) وهو في علم اللغات الرومانسية الحديثة، ثم (الوجبة) ثم ( الوليمة) ، في العام 1300 بدأ في كتابة ملحمته الضخمة : ( الكوميديا الإلهية) والملحمة هي عمل متخيل يشبه كتاب : ( رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري من حيث توجهه للعالم الآخر، فملحمة دانتي عبارة عن قصة حب وسياسة وعقيدة ووصف شخصيات في أسلوب أدبي مجازي، يصف فيه عالم العصور الوسطى وحروبه وتياراته ويبغض فيه الرذائل الاجتماعية ويؤثر الفضائل وسمو الخلق، فيما يقدم عرضا لعدد من الشخصيات التي اصطحبها معه في رحلته السماوية المتخيلة وأبرزهم الشاعر فيرجيل مؤلف الإنيادة وهو يرمز في الملحمة إلى الحكمة والعقل. وتتشكل أجزاء ملحمة : الكوميديا الإلهية إلى ثلاثة أجزاء: الجحيم، المطهر، الفردوس، وكل جزء مكون من ثلاثة وثلاثين نشيدًا، مع مقدمة في نشيد واحد ، فالملحمة تتكون إذن من (100) نشيد .
مؤثرات عربية إسلامية
انتقلت الثقافة العربية والإسلامية إلى أوروبا التي كانت تعج في الظلام في القرون الوسطى عبر عدة محاور، الأول: الحروب الصليبية، حيث تأثر الأوربيون بالتقدم الحضاري الإسلامي العسكري والمدني، وجزيرة صقلية تحت الحكم الإسلامي، والأندلس التي مكث فيها العرب والمسلمون أكثر من ثمانية قرون، والترجمة في مدينة طليطلة من العربية إلى اللغات الأوروبية بالإضافة إلى أدب الرحلات.
وكان أول من أثار موضوع التأثير العربي الإسلامي في الكوميديا الإلهية لدانتي هو المستشرق الأسباني أسين بالاثيوس في المحاضرة التي ألقاها عام 1919م أمام المجمع اللغوي الملكي في أسبانيا بمناسبة اختياره عضوا فيه والتي لخّص فيها موجزًا لنظريته، ثم نشر بحثه : ( دانتي والإسلام) عام 1927م فلقي أصداء ضخمة في الأوساط العالمية، وترجم إلى عدة لغات عالمية.
وفي كتابه : ( تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي) يبرز الدكتور صلاح فضل أصداء القضية التي فجرها أسين بالاثيوس حيث أصبحت القضية من أهم منجزات الأدب المقارن في القرن العشرين، حيث عارضها بشدة بعض الدارسين الأوربيين والإيطاليين، لكن بالاثيوس قدم دراسات أخرى تبين تأثر دانتي بالتراث المتصل بالحياة الآخرة في الإسلام عن طريق الترجمات الشفوية والكتابية، حتى تبين بعد ذلك وجود مخطوطات لترجمة أكمل قصة عن المعراج النبوي في مكتبات ( بودليانا) في أكسفورد والمكتبة الوطنية في باريس ومكتبة الفاتيكان بإيطاليا وغيرها من دور الكتب الأوروبية.
عندئذ قام كل من الباحث الإسباني ( مونيوث سندينو) والباحث الإيطالي ( إنريكو تشيرولي) بنشر الترجمات اللاتينية والفرنسية لوثيقة ( معراج محمد) في الوقت نفسه دون اتفاق مسبق سنة 1949م واعتبرت هذه الوثيقة هي الدليل الحاسم الذي كان ينقص نظرية أسين بالاثيوس في تأثير التراث الإسلامي على دانتي.
وعرف العالم من هذه الوثيقة أن ملك أسبانيا ألفونسو العاشر قد أمر طبيبا يعمل في بلاطه ويدعى ( إبراهام الحكيم) بترجمة قصة المعراج الإسلامية من العربية إلى الأسبانية القشتالية عام 1263 ، وأن هذه الترجمة كانت أصلا لترجمة أخرى إلى اللاتينية والفرنسية قام بها مترجم إيطالي كان يعمل في نفس البلاط وهو (بوينا فينتورا دي سينا) في العام التالي أي عام 1264م قبل أن يولد دانتي بسنة واحدة، وقد انتشرت هذه الترجمات والمخطوطات في إيطاليا وأوربا وأدت إلى شيوع قصة الإسراء والمعراج في جميع الأوساط الثقافية الأوروبية في عهد دانتي واطلاع دانتي عليها.
وكان أول مصدر عربي مبكر عرض لتأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية عقب نشر الترجمة الإنجليزية لكتاب أسين بالاثيوس عام 1926م كان كتاب عبداللطيف الطيباوي الذي صدر في القاهرة عام 1928م بعنوان: " بحث في تطور الفكر العربي" مقارنا فيه بين أفكار المعري وابن عربي ودانتي وتناول فيها روايات الإسراء والمعراج كمصدر للكوميديا والتراث الأدبي عند المعري وابن عربي، وكان دانتي معجبا بالثقافة الإسلامية ومتأثرا بها.
ثم تم طرح قضية التأثير عند عدد كبير من الكتاب الغربيين والباحثين العرب منهم: أنريكو تشيرولي، وأرنولد نيكلسون، ومونيوث سندينو، وبدرو باسكوال ، محمد غنيمي هلال، وعبدالرحمن بدوي، وإبراهيم عبدالرحمن، ورجاء جبر ، ركزت في مجملها على تأثر دانتي بالإسراء والمعراج ورسالة الغفران وكتابات ابن عربي وابن رشد واستلهام الرموز الدينية والاجتماعية في القصص الإسلامي، خاصة الجنة والنار والأعراف ، ومشاهد العذاب وأوصاف الجنة التي استلهمها دانتي في ملحمته من الثقافة الإسلامية.
تعد الكوميديا الإلهية العمل الرئيسي لدانتي، وهي من أهم وأبرز الملحمات الشعرية في الأدب الإيطالي. وتعد ترجمة حسن عثمان لها أهم وأوسع ترجمة للعربية، و يرى الكثيرون بأنها من أفضل الأعمال الأدبية في الأدب على المستوى العالمي، وقد ترجمت إلى مختلف اللغات العالمية، كما تم استلهامها في الشعر والسينما والتليفزيون والمسرح والفن التشكيلي.
هوامش:
- د. صلاح فضل: تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي، دار الشروق، القاهرة، ط 3 - 1986
https://www.arabicmagazine.net/arabic/ArticleDetails.aspx?id=6930
https://thakafamag.com


