تاريخ كمبريدج للإسلام (العلم)
ترجمة :د. خالد حربي
عرض / علي عفيفي علي غازي *
تعني كلمة العلم Science لغوياً، إدراك الشيء بحقيقته، وهو اليقين والمعرفة، وسمي علمََا لأنه علامة يهتدي بها العالم إلى ما قد جهله الناس، وتعنى اصطلاحاً مجموعة الحقائق والوقائع والنظريات، ومناهج البحث التي تزخر بها المؤلفات العلمية، كما يعرف العلم بأنه "نسق المعارف العلمية المتراكمة أو هو مجموعة المبادئ والقواعد التي تشرح بعض الظواهر والعلاقات القائمة بينها" .
ويضطلع العلم بوظيفة أساسية تتمثل في اكتشاف النظام السائد في هذا الكون، وفهم قوانين الطبيعة والحصول على الطرق اللازمة للسيطرة على قوى الطبيعة والتحكم فيها، وذلك عن طريق زيادة قدرة الإنسان على تفسير الأحداث والظواهر والتنبؤ بها وضبطها.
وقد عني علماء الإسلام بتحديد العلم وصياغة مفهومه، كما عنوا بتعريف النظر والمعرفة والعقل والفكر وما إلى ذلك عناية فائقة في القرنين الرابع والخامس الهجريين خاصة، وذهبوا في ذلك مذاهب متباينة تباين اتجاهاتهم الفكرية ومذاهبهم العقدية والفقهية.
والأبستيمولوجيا الغربية المعاصرة تعالج النشاط العلمي الذي هو أرقى ما وصل إليه الإنسان من معارف من اتجاهين متباينين :اتجاه سمي بالاتجاه العقلي النقدي الذي يتمسك بالنواة الصلبة للنشاط العلمي بعيدًا عن أنواع الخطاب المجاور، مثل الأيديولوجيا، والفلسفة، أو شبه العلم. أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه سوسيولوجي يقوم على قراءة مختلفة تمامًا لقراءة الاتجاه الأول، لأنه يسمح بالأيديولوجيا والمسلمات التي لا برهان عليها بأن تدخل في النظام المعرفي أو الجهاز العلمي.
والاتجاه الفلسفي أو العقلي في تعريف العلم أو تفسيره يعتمد أساساً على مبادئ أربعة:
الصرامة في المنهج، الموضوعية والتعميم، تراكم المعرفة وتقدمها، بحيث تضاف معرفة جديدة إلى معارف قبلها باستمرار، فيكون تاريخ العلوم في تطور مستمر، التحقق والدحض، فكل علم جدير به أن يراقب خطابه بنقده ومناقشته ومواجهته بالوقائع بالبرهنة على نتائجه، ولهذا فإن وظيفة المنهج العلمي هي الكشف عن الأخطاء التي تعاني منها الحقائق العلمية، ولا يتقدم العلم إلا بالنقد والمعارضة إذ إنه لا يقوم على أرض مضمونة دائمًا.
أما الاتجاه التاريخي الاجتماعي في تفسير العلم، فيعتمد على التحليل التاريخي للعلم، تحليلًا قائمًا على علم الاجتماع أو علم النفس، ويرى أصحابه أنه إن كان العلم ثقافة مثل سائر الثقافات، ومع ذلك تختفي وراءه بشعور أو بدونه مسلمات لا برهان عليها، وأيديولوجيات، وأهواء مضمرة.
وإذا كانت جماعة العلماء جماعة إنسانية مثل غيرها من الجماعات بما لها من أهواء، واعتقادات، وسلطة، فإن تاريخ الوقائع العلمية وما يكتنفها من عوامل سوسيولوجية إنما تصف لنا عملًا إنسانيًا ذا صلة بتاريخه وضغوطه الاجتماعية،ومرتبطًا بالعقليات السائدة في المجتمع أو النخبة.
ونحسب أن تطور المفاهيم العلمية حقل خصب في تاريخ العلوم، وقد يستعمل مفهوم في علم ما، ثم يهاجر إلى علم آخر أو علوم،مثل مفهوم الانتخاب والمنافسة اللذين انتقلا من البيولوجيا إلى الاقتصاد، وهكذا يتم التقدم العلمي بطريق آخر غير التراكم المعرفي المتصل، وإنما يتقدم بقطيعة وثورة يظهر إثرها نموذج جديد للعلم مباين لما قبله، فالعلم بهذا المنظار يصبح ذا صلة وثيقة بمنطق التاريخ، وبصيرورة الاجتماع البشري، وهذا لا يحط من قيمة العلم، بل يتيح له ذلك أن يتجاوز نفسه باستمرار، وهو سر ديناميكية العلم وحيويته، فالعلم بهذا يكمن تقدمه في مناقشة أخطائه وتفاديها دون توقف، وفي عدم الرضا الكلي عما نزعم أنه علمي يقيني قطعي، فالمناقشة الحرة والنظر النقدي من الوسائل الفعالة في تقدمه، وفي القرب من الحقيقة، فأخطاؤنا هي التي تعلمنا.
فالمناقشة الحرة تبين أنه عندما يستمع بعض العلماء إلى بعض، وينتقد بعضهم بعضًا، فإن الحظ يسعدهم أن يقتربوا من الحقيقة أكثر، ذلك أن العلم ينبت في أرض ثقافية، والمعارف مرتبط بعضها ببعض، والأفكار ترحل وتسير، والعقول تتلاقح، والنظم النظرية مفتوحة، وهذا ما يكفل لها هذا اللون من الغنى الذي ينشأ عن لقائها وتفاعلها وتقاطعها، وعن انتقالها من حدودها إلى حدود معارف أخرى من علوم الطبيعة إلى علوم الإنسان في نسيج الثقافة العلمية الإنسانية.
فالعلم البشري ليس علمًا مطلقًا، فالذي يشتغل بالعلم لا يشعر بوجود عالم من النظريات المؤكدة تمام التأكيد، ولا بحقائق مؤسسة تأسيسًا نهائيًا ، ولا يرى العلماء أنها تتمتع ببراهين قاطعة مطلقة حتى تبلغ بذلك مبلغ اليقين، فهم يتصورون العلم باعتباره مجموعة من افتراضات لها شيء من الدعائم، قلت أو كثرت في شكل نظريات موضعية لا تتخذ صيغة وحدة كاملة.
وهذا ما جعل المفهوم النسبي للعلم يسود اليوم لدى فلاسفة العلم، وعند العلماء أنفسهم إلى حد أن أدعى أحدهم، أن كل شيء في العلم جائز، وصنع لنفسه نظرية الفوضى في نظرية المعرفة، وأعلن إنكاره لما يسمى بالمنهج في العلم، واعتقد بأنه لا يمكن القول بأن العقل يصل في العلم إلى ما هو كلي، كما لا يمكن أن يستبعد اللامعقول من العلم، ويصل إلى حد الإعجاب بالصين عندما رفضت جماعة ماوتسي تونج العلم الغربي المهيمن في ثورته الثقافية.
يعدّ مفهوم العلم من المفاهيم الرئيسية في الدراسات المعاصرة ; خاصة مع الجدل المتزايد حول حصر مفهوم العلم في الجانب التجريبي، والتساؤل بشأن علمية البحوث الاجتماعية، وإقصاء الدراسات الدينية والشرعية من وصف العلمية باعتبار المعرفة الدينية "ما ورائية" وقضاياها غيبية لا يمكن اختيارها بالتجربة المعملية التي هي مقياس ومعيار العلم التجريبي الحديث. ويلاحظ أن هذا الاتجاه هو وليد التطور التاريخي والخبرة الغربية حول هذا المفهوم، مما يجعله منفصلاً عن الخبرة والمفهوم الإسلامي. وتترجم الكلمة الإنجليزية "Science" إلى لفظة علم، ويقابلها في اللاتينية Scientia وفي الفرنسية Science، وقد دخلت كلمة عالم "Scientist" إلى اللغة الإنجليزية حوالي ١٨٤٠، لتميِّز أولئك الذين يبحثون عن قوانين تجريبية في الطبيعة عن الفلاسفة والمفكرين، وعادة ما ينظر إلى الباحثين في المنطق والرياضيات على أنهم علماء، على الرغم من توقُّف اعتبار الرياضيّات علمََا تجريبيًا في الفترة من سنة ١٨٩٠ إلى سنة ١٩١٠، واسم عالم يُعطى أيضًا للمتخصصين في العلوم الاجتماعية تقريبًا دون تقييد. والعالم في الغرب هو صاحب المعرفة العلمية الذي يضيف إلى ما هو معروف في العلم بالبحث ووضع الاكتشافات أو تدريس العلم في المؤسسات العليا للتربية.
ويكتسب العلم منزلة سامية في الإسلام ; وقد تجلت هذه المنزلة الرفيعة في أول آيات نزلت من القرآن الكريم " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (x) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (x) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (x) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (x) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" (العلق : ١-٥)، ومرورًا بالعديد من الآيات القرآنية يتضح مدى سموّ المكانة التي يتبوَّؤها العلماء، واقتران العلم بالإيمان.
ولذلك اهتمّ المسلمون بمصادر تحصيل العلم والتي تمحورت حول النص بشقيه:
الكتاب والسنة، فقد تكاثرت الشواهد من النص على اعتبار أحكام العقل والحس مصدرين للعلم مع إيضاح حدود كل منهما وضوابطه التي تكفل وصوله للنتائج الصحيحة. ويلاحظ أن النص لم يعارض التجربة العملية كمصدر للعلم، لكنه قوّمها ولم يكتف بها. وقد صاغ العلماء المسلمون العديد من التعريفات لمفهوم العلم، أبرزها التعريف الأصولي أنه "الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل"، ومنهم من عرف العلم بنسبته لصاحبه بأنه "ما يوجب كون من قام به عالمًا"، ويغلب الاتجاه عند تعريفه أنه يعني " صفة ينكشف بها المطلوب انكشافًا تامًا".
ويفرق الباحثون المسلمون بين العلم والمعرفة:
فالعلم لا يسبقه جهل، بينما قد يسبق المعرفة جهل، وعليه يُطلق على الله عالم، ولا يُطلق عليه عارف. وقد شاع أن العلم قد يُستخدم في موضع المعرفة والعكس، فقد يستخدمان ويُراد منهما مطلق الإدراك الشامل للتصور والتصديق، وهذا الاستخدام الأخير هو المراد من العلم والمعرفة في تعريفات العلوم المدوَّنة.
ويطلق أيضًا العلم على الفرع من المعرفة الذي له موضوع ومسائل; مثل علم الفقه وعلم الطب، ثم تطور مع بداية القرن العشرين حيث قصره الأوروبيون فيما كان عن طريق الحس والتجربة فقط. وقد ارتبط مفهوم العلم بإشكالية تصنيف العلوم، ومن الملاحظ أنه نتيجةً لاختلاف مصادر ورؤية العلم في الفكر الغربي عنها في الفكر الإسلامي فقد ظهرت تصنيفات متباينة ومتمايزة لدى الفريقين. فعلى سبيل المثال: قسّم أرسطو العلوم إلى علوم نظرية للاطلاع مثل الرياضيات، وعلوم شعرية للإبداع مثل البلاغة، وعلوم عقلية للانتفاع مثل الاقتصاد والسياسة. كما صنف "أمبر" العلوم طبقًا للموضوعات التي تتناولها، وهي قسمان: العلوم الكونية وموضوعها المادة، والعلوم المعنوية وموضوعها الفكر وآثاره.
والخلاصة: أوجد الإسلام شمولية لمفهوم العلم على عدة مستويات; مستوى الجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، ومستوى الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم غير الشرعية، ومستوى التكامل بين المنهج العلمي التجريبي والمرجعية المطلقة ذات البعد الغيبي.
وجامعة كامبريدج (University of Cambridge) ثاني أقدم جامعة في العالم الناطق باللغة الإنجليزية. تقع في كامبريدج بالمملكة المتحدة، وتعتبر من أميز الجامعات في العالم. تأسست عام ١٢٠٩وهي عضو في مجموعة راسل للجامعات.
حصلت على ۸۱ جائزة نوبل، وذلك أكثر من أية جامعة أخرى في العالم، خرجت الجامعة بعضًا من أهم العلماء في القرون الماضية من بينهم: إسحق نيوتن (نظرية الجاذبية)، تشارلز داروين( نظرية التطور)، ويليام هارفي ،بول ديراك، جوزيف طومسون ( مكتشف الإلكترون)،إرنست رذرفورد، جيمس ماكسويل، جيمس واطسون و فرنسيس كريك ( تركيب الـ DNA)، آلان تورينغ ،جاكوب برونوفسكي وغيرهم.
وفي هذا الإطار يواصل الدكتور خالد حربي اهتماماته بالتراث العربي وبعلوم الحضارة الإسلامية، فقام بترجمة القسم الخاص بالعلوم عند المسلمين من كتاب تاريخ كيمبردج للإسلام المجتمع والحضارة الإسلامية للمؤلف جورج قنواتي في محاولة الإلقاء الضوء على الإنجازات العلمية المدهشة التي ميزت العصور الوسطى الإسلامية في كافة فروع العلوم.
ويأتي هذا الكتاب في إطار الإهتمام الغربي بتاريخ العلم العربي والإسلامي منذ بداية حركة الترجمة في صقلية بالأندلس وحتى العصر الحديث، فصدرت الدراسات الموسوعية المتخصصة في تاريخ العلم العربي الإسلامي منها على سبيل المثال:"العلوم عند العرب" للإيطالي ألدومييلي، والمؤلف الموسوعي "تراث الإسلام" الذي ألفه أكثر من عشرة مستشرقين غربيين، و" تاريخ الفلسفة الإسلامية" للمستشرق الفرنسي مونك، و"تأريخ لعلم الفلك العربي الإسلامي" للمستشرق الإيطالي كارلو الفونسو نللينو، وما زالت الدراسات والأبحاث تصدر في علوم الحضارة العربية الإسلامية وآدابها.
والبحث المترجم مأخوذ من موسوعة كبيرة عني بإخراجها الأساتذة : لامبتون، وبرنارد لويس، وهلوت بعنوان "تاريخ كيمبردج للإسلام" وصدرت طبعتها الأولى عام ۱۹۷۰ في مجلدين كبيرين واشترك في تألأيفها عشرات المستشرقين من جامعات: كامبردج ولندن ونيويورك وكاليفورنيا وكولومبيا وباريس وتورنتو و تولوز و استانبول وغيرها.
وقد عنيت الموسوعة بكل ما يتعلق بالإسلام كدين ومجتمع وأمة وحضارة أنتجت من العلوم والآداب ما أفادت منه الإنسانية على مدار تاريخها الطويل، والجزء المترجم من المجلد الثاني الذي يحتوي على ثلاث عشر مقالاً ويحثاً وتضمنت الترجمة الفصل العاشر بعنوان "العلم" في إطار الاهتمامات من جانب الدكتور خالد حربي بإعادة كتابة تاريخ العلم العربي الإسلامي، ومعرفة وفهم كل ما يكتبه الغرب عن الإسلام والمسلمين.
والنص المترجم يحتوي على مقدمة وعشرة مباحث وخاتمة، في المقدمة أوضح المؤلف (جورج قنواتي) حالة العلوم في الإسلام; فأكد على أن الإسلام قد مدح العلم وحث على طلبه، مشيرًا إلى أن العلم المقصود هو العلم الشرعي الذي يجعل الإنسان قادرًا على فهم واستيعاب أفضل لكتاب الله وسنة نبيه "صلى الله عليه وسلم"، فالعلماء المسلمون سواء كانوا فلكيين أو رياضياتية أو فيزيائية أو كيميائية لم ينشدوا إلا العمل من أجل تعظيم الله وخدمة الدين.
وقد نظر الأوروبيون إلى العلوم الإسلامية كعلوم لها تأثير هام في التطور العام للثقافة الإنسانية، وكحلقة مهمة من حلقات تطور الحضارة الإنسانية، واعتبر كلمة "عربي" مرادفة لكلمة "مسلم" فاستخدم المستشرقون الغربيون المصطلحات إبان العصور الوسطى بصورة مترادفة دون التمييز بين العرب والشعوب غير العربية التي دخلت تحت مظلة الإسلام; كالفرس والأتراك، والبربر، والأندلسيين، والمصريين.
وقد حاول المؤلف ( جورج قنواتي) التدليل على تأثير الحضارة الإسلامية في العلوم الإنسانية الغربية فأشار إلى أن الألفاظ العربية التي انتقلت إلى اللغات الغربية خير دليل على تأثر هذه البلدان بالحضارة العربية الإسلامية ونقلهم عنها، الأمر الذي يؤكد على المكانة الرفيعة للعلوم الإسلامية في تاريخ الثقافة الغربية والعالمية المعاصرة.
ثم سلك في تقسيم العلوم عند العرب نهج الكثير من المؤرخين المفكرين المسلمين في تصنيفهم للعلوم إلى علوم دينية، وعلوم دنيوية عقلية، ثم أوضح أن بحثه منصب على سبر أغوار العلوم العقلية والبحث فيها.
وفي المبحث الأول تناول علم الحساب عند المسلمين كأول العلوم الرياضية التي استخدمها المسلمون فقسموا الأعداد إلى أعداد كلية، وكسور، وأعداد غير عقلية، واستخدموا الأس واستخراج المربع والمكعب والجذور التقريبية وعرفوا القواعد الأساسية للتلاعب العددي والمعادلة المتطابقة والتباديل والتوافيق والتكامل والجمع والقسمة، واكتشفوا خواص الأعداد المتحابة.
وخصص المؤلف المبحث الثاني لعلم الهندسة الذي تأسس بناء على المعرفة العميقة بالأعمال اليونانية والسريانية السابقة; فاستخدم العلماء المسلمون الأجزاء المخروطية المتقاطعة في بناء المضلعات المنتظمة، والتي ظهرت في تصميم الأرابيسك، بالإضافة إلى جانبها الآخر المتمثل في العمليات الحسابية، وفي رسم الأشكال الهندسية منتظمة الأضلاع، كما وظفها العرب في التطبيقات مثل مشكلات المساحة، والميكانيكا، وتشيد الطواحين والنواعير، والمجاديف والمنجنيق.
أما المبحث الثالث فقد تناول فيه علم الجبر فأوضح أن المصطلح مستمد من المسمى العربي الذي يشير إلى إعادة شيء محطم إلى وضعه الطبيعي، أو تكبير شيء غير مكتمل، ثم أكد على أن المؤسس الحقيقي لهذا العلم هو محمد بن موسى الخوارزمي (القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي)،
ثم حقق عمر الخيام تقدمًا آخر في هذا العلم، حيث قدم حلولًا لمعادلات الدرجة الثالثة وقسمها إلى خمس عشرين فئة طبقًا للعدد وطبيعة العلاقات على طرفي المعادلة.
وفي المبحث الرابع، الذي تناول علم حساب المثلثات، أشار إلى أن العرب هم مخترعوا حساب المثلثات الكروية والسطحية، والتي لم تكن معروفة لدى اليونانيين، فكان للبتاني الفضل في نهوض العلم، ثم حقق أبو الوفاء المزيد من التقدم في هذا العلم، فكان أول من وضع نظرية جيب الزاوية للمثلث الكروي العام، مؤكدًا أن أبا الوفاء هو من اخترع القاطع وأسماء "قطر الظل" وليس "كوبرنيكس" كما هو معروف لدى الغرب الأوروبي.
أما علم البصريات فقد أفرد له المبحث الخامس موضحًا براعة المسلمين في تصنيع المرايا والعدسات، مؤكدا على أن أهم المتميزين في هذا العلم هو الحسن بن الهيثم الذي ناقش طبيعة الضوء، وصرح بأن الضوء يصدر من الجسم الباعث، كما درس العدسات مختبرًا إياها بمرايا مختلفة مسطحة وكروية ومضلعة وأسطوانية ومقعرة ومحدبة، ثم تبعه كمال الدين الفارسي في نفس المجال ونجح في تفسير تكون أقواس الفرح الأولية والثانوية.
وخصص المؤلف المبحث السادس العلوم الميكانيكا والهيدروليات والتكنولوجيا، فأوضح أن كتاب "الحيل" لبني موسى بن شاكر يعد أول كتاب دراسي عن الآلات، ويرجع تاريخه العام ٢٤٦هـ / ٨٦٠م. وأكمل مسيرتهم الجزري مؤلف كتاب" في معرفة الحيل الهندسية"، أما عن أجهزة القياس فقد استخدم " الخازن" أعمال القدماء في تقديم نظرية تفصيلية عن التوازن بتعريف مركز الجاذبية للجسم في كتابه "ميزان الحكمة"، كما أثبت البيروني . أحد أعظم علماء الإسلام. من خلال التجربة عددًا محددًا من الجاذبات الخاصة عن طريق" آلة مخروطية" تعد أول مثقلة عرفتها حضارة الإنسانية.
وفي المبحث السابع تناول علم الفلك فأوضح أن العلماء المسلمين قد صنفوا هذا العلم من العلوم الرياضية، واعتبروا الهدف الوحيد له هو دراسة الحركات الظاهرة في السماء وعرضها في مصطلحات رياضية، وعرف هذا العلم عند العرب باسم "علم الميقات".
أما كيف ومتى بدأت دراسة الفلك عند العرب باعتباره علمًا فيذكر المؤلف رواية ابن سعيد في كتابه "طبقات العلوم" عن الخليفة المنصور العباسي الذي قابل أحد مواطني الهند ممن كان على دراية كبيرة بالحساب الذي يتعلق بحركات النجوم، ليتعرف منه على حساب الأزياج الفلكية المرتبطة بالسنة القمرية، وتوالت المؤلفات العربية معتمدة على المصادر الهندية فظهرت العديد من المؤلفات للخوارزمي والبلخي والفزاري ويعقوب بن طارق.
ثم كانت النقلة الكبرى في علم الفلك العربي بترجمة أعمال المؤلفين اليونانيين في الفلك فأحدثت طفرة كبيرة في الفلك على يدي خالد البرمكي، وثابت بن قره، والفرجاني.
وعن خصائص علم الفلك الإسلامي يذكر أن علماء الفلك المسلمين قد درسوا المركزية الأرضية ومركزية الشمس والكواكب وحركاتها، وعددوها في سبعة أفلاك (زحل، المشترى، المريخ، الشمس الزهرة، عطارد، القمر)،ودرسوا ميل الدائرة الظاهرية للشمس مقارنة بخط الاستواء الأرضي، وامتنع علماء الفلك المسلمون عن تعريف طبيعة الأفلاك السماوية، واعتبروها مكونة من مادة واحدة هي العنصر الخامس الذي يختلف اختلافًا جوهريًا عن العناصر الأرضية الأربعة.
وفي المبحث الثامن يتناول علم الجغرافيا فيوضح أنه يفضل جهود علماء الفلك والجغرافيا المسلمين في القرن الثالث الهجري /التاسع الميلادي استطاع علم الجغرافيا أن يتطور في مجال الجغرافيا الأدبية حول الإمبراطورية الإسلامية الشاسعة، ثم تطور إلى علم الرحلات الجغرافية لوصف المدن والطرق التي تربط بينها إلى أن ظهرت القواميس الجغرافية الكونية والتاريخية والخرائط، ويدين علم الجغرافيا الحديث لجهود العلماء المسلمين في هذا التطور.
وأفرد المبحث التاسع لعلم التنجيم، الذي شهد مكانة وأهمية كبيرة في حقبة العصور الوسطى رغم ما واجهه من مناهضات كبيرة من جانب معظم الفلاسفة والمتكلمين والمفكرين الدينيين باعتباره علمًا متناقضًا مع نفسه، وقد أتاحت ملاحظة النجوم الفرصة لأولئك الذين عرفوا كيف يقرؤون هذه الإشارات وما تحمله من دلالات على الحاضر والمستقبل، وتكوينات هذه العوامل المختلفة تمكن المنجمون من التنبأ ببعض المسائل من قبيل: كيف يسافر بعض الأشخاص الغائبين، ومن كان مسؤولًا عن السرقة، وأين يمكن العثور على شيء ضائع، وحساب اللحظات المناسبة للقيام ببعض الأعمال، وميلاد فرد ما، أو بداية حكم طائفة أو دين والتنبوء بما سيحدث لهم في المستقبل، ويرجع هذا التطور في علم التنجيم إلى مصادره الهندسية والفارسية واليونانية ودور العرب قبل الإسلام إلى جانب تفوق العرب في مسائل حساب المثلثات.
وفي المبحث العاشر والأخير تناول العلوم الطبيعية كالطب والصيدلة والكيمياء، فأوضح أن الأطباء المسلمين قد بنوا على ما حققه الطب الإنساني من تقدم بفضل جهود أبقراط وجالينوس وأطباء مدرسة الإسكندرية، واستفادوا من الوصفات الطبية التي كانت معروفة لدى العرب قبل الإسلام وطوروا كل هذا فحققوا نهضة طبية غير مسبوقة على يد عدد كبير من البارعين في هذا المجال المهم والحيوي لصحة الإنسان.
وقد بدأ علم الطب يحقق نهضة وتقدماً سريعاً إبان القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي في بغداد حينما استقدم الخليفة العباسي المنصور أفضل أطباء مدينة جنديسابور وهو جورجيس بن بختشيوع الذي أصبح الطبيب الخاص للخليفة. وكانت رغبة الخليفة المأمون في ترجمة ونقل علوم الأمم الأخرى إلى العربية سببًا في تحقيق نهضة أخرى في علم الطب، عندما وظف للترجمة رجلًا عبقريًا من مدينة الحيرة هو حنين بن إسحق; فترجم عدداً كبيراً من الكتب، وألف الكثير في مجال الطب.
وأبرز الأطباء المسلمون هو أبو بكر الرازي صاحب كتاب الحاوي الموسوعة الطبية العربية الشهيرة التي لا تزال لم تحظ بالتحقيق التام والنشر المحقق المفصل رغم كونها أهم مؤلفات الطب العربي الإسلامي، وأضخمها حجمًا، فهو موسوعة طبية لكافة المعلومات والعلوم الطبية المعروفة حتى وفاة الرازي في بداية القرن العاشر الميلادي.
ونبع من بعده ابن سينا الذي حقق كتابه "القانون" شهرة واسعة وذاع صيته في كافة أرجاء العالم الإسلامي وأوربا في العصور الوسطى وعصر النهضة الأوروبية،وإسحاق بن سليمان الإسرائيلي، وابن الجزار، وفي الأندلى نبغ ابن زهر وابن رشد، وأبو القاسم الزهرواي، ووصل الطب الإسلامي على يدي هؤلاء العلماء إلى أوج ازدهاره، فحقق نهضة غير مسبوقة.
وارتبط بعلم الطب علم الصيدلة فتطور بتطور الطب على يدي نفس الأطباء الذين أضافوا للمادة الصيدلانية الموروثة من اليونان علاجات ذات قيمة، وحقق المسلمين إنجازات عظيمة في كافة العلوم الطبية والطبيعية والصيدلانية.
أما علم السيمياء (الكيمياء) فطبقًا لكتاب الفهرست لابن النديم، فإن الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان هو أول أمير عربي يهتم بهذا العلم، وأصبح لهذا العلم أسس مع جابر بن حيان، واتخذت الكيمياء جانباً أكثر عملية وصف الأدوات والتجارب بدقة على يدي أبي بكر الرازي وبفضل مناقشاته وكيميائيته العملية ورفضه الممارسات السحرية عرف علم الكيمياء العمليات الكيميائية المتعددة كالتقطير والتبخير والذوبان والبلورة والتصعيد والتنقية والمدمج والتشميع، وهو لذلك قد بذل جهدًا كبيرًا لتأسيس علم الكيمياء، يستحق امتنان الأجيال القادمة.
وفي الخاتمة أشار المؤلف إلى أن هذه الدراسة ليست إلا" محاولة لإلقاء الضوء على الإنجازات العلمية المدهشة التي ميزت العصور الوسطى الإسلامية"، موضحًا أن المجتمع العلمي العربي لم يعرف ظاهرة الجنسية أو القومية، فقد استظلت الجنسيات المتعددة كالفرس والأتراك والبرير بظل الدولة الإسلامية، ووجدت تربة أو بيئة صالحة لنموها، فأظهرت نبوغًا غير مسبوق.
كما أكد على أن الإسلام لم يبد أي معارضة للبحث العلمي ولكنه على العكس من ذلك حث القرآن الكريم على طلب العلم، وعلى توفير المناخ المناسب للبحث العلمي وتشجيعه من قبل ولي الأمر، ولهذا حقق العلماء المسلمون في العصور الوسطى من التقدم والفضول والعلمي والبحث ما يتوجب على العلماء الغربيين المعاصرين أن يضعوا في نصوصهم التاريخية هؤلاء الذين كانوا معلمين لأجدادهم، في محاولة لربط الحاضر بالماضي العظيم.
* صحفي وأكاديمي مصري.

