الخطابُ والتواصلُ من المنظورِ الحديثِ
د. مازن موفق صديق الخيرو
إن لفظ (الخطاب) في المفهوم اللغوي مأخوذ من الفعل الثلاثي: خطب، الخطْب : الشأن أو الأمر، صغر أو عظم، وقيل : (هو سبب الأمر) والخطْب : الأمر الذي تقع فيه المخاطبة، والشأن والحال، ومنه قولهم : (جلّ الخطْبُ) أي: عظم الأمر والشأن، والخطاب والمخاطبة : مراجعة الكلام، وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا، وهما يتخاطبان (1), والخطاب " اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام منه، ومتهيئ لفهمه " (2) إذ نجد بأن اللفظ دلّ على عدة معان لغوية منها: الشأن أو الأمر، وسبب الأمر، والأمر الذي تقع فيه المخاطبة ، وعظم الأمر ، مراجعة الكلام، اللفظ المتواضع عليه، المقصود به إفهام منه ومتهيئ لفهمه .
وأما ( الخطاب) اصطلاحًا، قصد به عند العرب قديمًا، عبارة عن عملية توجيه للكلام باتجاه الغير لغرض الإفهام(3) ويعرف حديثًا بعدة تعريفات، فقد عرفه بنفنيست Benveniste بأنه :" قول يفترض متكلمًا ومخاطبًا، ويتضمن رغبة الأول بالتأثير في الثاني بشكل من الأشكال، وهذا يشمل الخطاب الشفهي بكل أنواعه ومستوياته ومدوناته الخطية، ويشمل الخطاب الخطّي الذي يستعير وسائل الخطاب الشفهي وغاياته" (4) وهو : " محادثة خاصة ذات طبيعة شكلية، تعبير شكلي ومنسق عن الأفكار بالكلام أو بالكتابة، يشمل تعبيرًا عن الأفكار في شكل خطبة دينية أو رسالة بحث" (5) وإن استخدام مصطلح (الخطاب) " في الماضي كان المقصود منه الدلالة على الصياغة الشكلية للكلام أو الكتابة، ولكنه اكتسب خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين، ونظرا لاستخدامه في مجالات معرفية مختلفة، عددا من المعاني الجديدة الإضافية التي زاحمت المعنى السابق وطغت عليه، وربما كان السبب الأساسي في تنوع هذه المعاني بروز الدراسات الألسنية الحديثة التي تأثرت بها نظرية الأدب والنقد الأدبي، مع ظهور البنيوية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من ذلك القرن، ذلك بأن مصطلح الخطاب لدى الألسنيين يعني: الوحدة اللغوية المكتملة التي تمتد فتشمل أكثر من جملة، ومن ثم كان تحليل الخطاب عندهم يعني: دراسة العلاقات القائمة بين الوحدات اللغوية في أي لغة " كتابية أو شفاهية" (6) ويقول فان ديك:" إن الخطاب هو في آن واحد فعل الإنتاج اللفظي، ونتيجته الملموسة والمسموعة والمرئية، بينما النص هو مجموع البنيات النسقية التي تتضمن الخطاب وتستوعبه" (7) ويعرف الخطاب أيضا على أنه " وحدة مساوية للجملة أو هي أكبر منها، وتتشكل هذه الوحدة من متتالية تكون رسالة message ذات بداية ونهاية" (8) وكذلك " يعني الخطاب في التصور اللساني المعاصر له كل قول أكبر من الجملة منظورًا إليه من زاوية نظر قواعد تضمين (إدراج) متواليات من الجمل" (9) والجملة " هي الصورة اللفظية الصغرى أو الوحدة الكتابية الدنيا للقول أو للكلام الموضوع للفهم والإفهام" (10) ويمثل الخطاب جملة من المنطوقات أو التشكلات الأدائية التي تنتظم في سلسلة معينة لتنتج – على نحو تاريخي – دلالة ما، وتحقق أثرًا متعينًا، ويخلق الخطاب تفاعلا حواريًّا مع المجال الاجتماعي الذي يعد مهادًا لتلقي موضوعه، فيتجادل مع غيره من الخطابات ويشتبك مع وعي المخاطبين في محاولة لدفعهم إلى حقل قناعاته، ويضع الخطاب في اعتباره الواقع والسياق وحالة المخاطب (11), وإن هذه الحالة التي تخص المتلقي بدورها تؤثر في عملية تشكيل وبناء الخطاب، لذا نجد بأن المنتج يعمل باستمرار على تنويع بنيات خطابه بما يمتلكه من ثروة لغوية وأدوات معرفية، فمصطلح الخطاب متعدد الدلالات فهو يعد وحدة تواصلية تبليغية ناتجة عن مخاطب معين موجهة إلى مخاطب معين، في سياق معين ، وهو مجموعة النوايا التي تتحقق بوساطة اللغة ومن أهم وظائف اللغة وظيفة التواصل التي تتيح للإنسان الاتصال بغيره من بني جنسه، إلا أن هذه الوظيفة طابعها تعددي يكمن في وجود أشكال من التواصل: التواصل الشفوي والتواصل الكتابي والتواصل الإشاري ، والتواصل الشفوي يكون بالوسائل اللفظية ، وهو يشمل عمليتي : بث واستقبال مرسلة لها مدلولات معينة يمكن تحديدها بالتواضع المسبق بين المرسل والمرسل إليه، أما بالنسبة للتواصل الكتابي فهو تعبير عن اللغة الشفوية بوساطة إشارات كتابية خطية مكتوبة، فالكتابة نظام سيميائي مرئي ودلالي ، ألفاظ ومقاطع تعمل كدالات عن الوحدات المطابقة لها في الخطاب الشفاهي (12)
مفهوم التواصل:
إن لفظ (التواصل) مأخوذ من الفعل الثلاثي (وصل) الواو والصاد واللام: أصل واحد يدل على ضم شيء إلى شيء حتى يعلقه، ووصلته به وصلا، والوصل : ضد الهجران (13)
وعند الرجوع إلى مفهوم التواصل في المرجعية الاصطلاحية الحديثة نجده يقابل المصطلح الأجنبي continutie وهو يعني فيما يعني (الاستمرارية) (14) " ويعني اشتراك في شيء ، تبادل، قول، إبلاغ" (15) والتواصل " حوار متبادل بين متكلم ينتج ملفوظا موجها إلى متكلم آخر ، ومخاطب يتوخى منه الاستماع أو الإجابة الصريحة أو الضمنية ( بحسب طبيعة الملفوظ) ( 16) وقد ظهر مفهوم التواصل في العصر الحديث بشكل غير مباشر في طروحات دي سوسير فقد رأى بأن المفردة اللغوية ليست معادلا بسيطا ومباشرا بل العلاقة تجرى وفقا لعملية معقدة، وإن لهذه العملية أكثر من مستوى، إذ يقول : " إن التلفظ الصائت يرسل صورة سمعية Imageacoustique هذه الصورة السمعية تصل إلى الأذن ، تنطبع على الحواس حيث تنتقل أو تتحول إلى مفهوم Concept السامع هو الذي يقوم بعملية معاكسة ينقل المفهوم إلى صورة سمعية يتلفظ بها تلفظا صائتا ويرسلها إلى سامع ، وهذه العملية تشكل وظائف لدى المتلقي أو السامع منها الوظيفة الانفعالية التي تعد محورا تواصليا (17) ويعني " من منظور منظري الاتصالات واللسانيين، نقل أخبار من نقطة إلى أخرى ( مكانا أو شخصا) ويتم نقل هذا الإخبار عن طريق رسالة تأخذ صيغة مسننة " (18) وهو " نقل الأخبار بواسطة العلامات والإشارات من مرسل إلى متلق، عبر قناة ما" (19) " والتواصل يدل على معان ثلاثة متمايزة فيما بينها (20) :
1- نقل الخبر ، ولنصطلح على تسمية هذا النقل (الوصل)
2- نقل الخبر مع اعتبار مصدر الخبر الذي هو المتكلم، ولنطلق على هذا الضرب من النقل اسم (الإيصال) .
3- نقل الخبر مع اعتبار مصدر الخبر الذي هو المتكلم، ومقصده الذي هو المستمع معا، ولندع هذا النوع من النقل باسم ( الاتصال) .
ويمكن تمثل المجتمع من زاوية مفهوم التواصل من وجهة نظر كشفية كنظام معقد من أنظمة التواصل تتميز عن بعضها بعضا بحسب بنية أنساق التواصل التي تجري فيها وحسب وظيفتها، وبشكل آخر يعد التواصل واسطة لنقل المعلومات أو الأخبار في وضعيات متنوعة، ويفترض ذلك وجود متلق، فالتواصل بعبارة أخرى مجموعة من الأفعال تستند إلى طرائق متعددة بحسب مقام المتلقين (21), " والمقام – بلاغيا- يرتبط بالسياق الخارجي، ومجموع الشروط التي تتحكم في عملية إنتاج وتلقي الخطاب، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الحضارية والثقافية المحيطة بهذه العملية، إضافة إلى مستويات متلقي الخطاب، حتى يتوصل إلى الغاية من بثه" (22) ويشترط في عملية التواصل أن يكون المنتج للخطاب (المرسل إليه) عالما بثقافة المتلقي للخطاب الاجتماعية والنفسية واللغوية وغيرها ليكون تواصله بناء معه، وللتواصل وظيفة تسمى (الوظيفة التواصلية) وهي تتصل بالبعد الاجتماعي بين أفراد المجتمع وتلقيهم للغة التعبير، وفيها يتم تحديد زاوية المتكلم، وأساليبه وعلاقة هذه الأساليب بالمقام وحوافز قوله لشيء ما في علاقته بمخاطبه .
المصادر والمراجع:
1- لسان العرب، محمد بن مكرم بن علي ، ابو الفضل جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (ت 711هـ ) دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1414هـ : 1/360 – 361 مادة (خطب)
2- الكليات، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، تحقيق: عدنا درويش ومحمد المصري، دار مؤسسة الرسالة، بيروت 1419هـ - 1998م : 1/419
3- كشاف اصطلاحات الفنون ، محمد علي الفار وقلت هانوي ( ت 1158هـ ) تحقيق لطفي عبدالبديع، المؤسسة المصرية، القاهرة، 1963م : 1/403
4- معجم مصطلحات نقد الرواية، عربي، إنجليزي، فرنسي، د. لطيف زيتوني، مكتبة لبنان، ناشرون، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2002م
5- معجم السيميائيات، فيصل الأحمر ، منشورات الاختلاف، الجزائر، الطبعة الأولى 2010م – 1431هـ : 158
6- مقدمة في نظريات الخطاب، ديان مكدونيل، ترجمة وتقديم د. عز الدين إسماعيل، المكتبة الأكاديمية، القاهرةن الطبعة الأولى 2001م : 27
7- إنتاج النص الروائي، سعيد يقطين: 16
8- المصطلحات الأساسية في لسانيات النص وتحليل الخطاب، دراسة معجمية، د. نعمان بو قرة، عالم الكتاب الحديث، إربد، الأردن، الطبعة الثانية 2010م : 139
9- مسارات المعرفة والدلالة، صابر الحباشة، دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، الأردن، عمان 2020م : 83
10- الألسنية العربية، ريمون طحان، تصدر بإشراف د. أنيس فريحة، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الثانية 1981: 44
11- النص القرآني من الجملة إلى العالم، وليد منير، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، الطبعة الأولى 418هـ - 1997م : 17
12- المصطلحات الأساسية في لسانيات النص وتحليل الخطاب: 14-15
13- مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، أبو الحسين (ت 395) تحقيق عبدالسلام محمد هارون، دار الفكر 1399هـ - 1979م : 6/15
14- إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة، عمر مهيبل، منشورات الاختلاف، الجزائر، الطبعة الأولى 1426هـ - 2005م : 15
15- معجم تحليل الخطاب، باتريك شارودو ودومينيك منغو ، ترجمة: عبدالقاهر الفهري وحمادي صمود، دار سيناترا، تونس، 2008م : 190
16- في معرفة النص: دراسات في النقد الأدبي، يمنى العيد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1985م : 29
17- النص والتواصل ملامح من تداولية الخطاب، جبار سويس الذهبي، مجلة الأقلام، العدد (5) بغداد، 2008م : 49
18- معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة تقديم وترجمة د. سعيد علوش، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى 1405هـ - 1985م : 229
19- التواصل والحجاج ، عبدالرحمن طه، مطبعة المعارف، المغرب، الرباط 1994م : 5
20- التواصل الأدبي، زيك فريدج. سميث، مجلة الفكر العربي المعاصر، بيروت، باريس العدد (46) 1987م : 52-53
21- نظرية النص من بنية المعنى إلى سيميائية الدال ، د. حسن خمري، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت ط1 – 1428هـ - 2007م : 184
22- انفتاح النص الروائي : 17

