تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الصورة الشعرية وموازنات الخيال في الشعر السعودي

الصورة الشعرية وموازنات الخيال في الشعر السعودي

د. عماد الخطيب


تناول الشعراءُ السعوديون موضوعات شعرية شتى يشتركون في بعضها ويختلفون في بعضها الآخر، وأظهرت صورهم الشعرية موازنات في الخيال عندهم بين الطبع والصنعة، ولنا أن ننظر في نماذج منها ، قول الشاعر أحمد الغزاوي ( ت 1401هـ ) واصفًا نجد:

أجل .. هذه نجدٌ ، فهل شاقك الرّندُ

وهبّتْ صباها فاستقرّ بك الوجدُ


فصور الشاعر شوقه إلى نجد من خلال شوقه لهبوب صباها، ووجده إليها ، وهو تصوير مطبوع عليه الشعراء، فصورة نجد طيبة الرائحة التي تهب ريحها ويستقر بالشاعر وجده بها لم تختلف عن صور كثيرة. 

وكذلك نجد في الصورة التقليدية المطبوعة للشاعر محمد سرور الصبان ( ت 1391هـ) الذي يصور وطنه قائلًا:

أنا لا أزال شقيَّ حبكَ هائما في كل وادِ

فالحب والشقاء من أجله والهيام، كلها صور تقليدية الطابع والبيت لا يستقل في معناه لتصوير حب الشاعر للوطن، فلا يوجد فيه قرينة دالة على تلك الصورة دون غيرها، بل إنه يصلح للمناسبات. 

ولا ترتبط الصورة التقليدية بخيال تقليدي فقد حملت صورة الشاعر عبدالله بن خميس ( ت 1432هـ) لجبل طويق ( جبل اليمامة) خيالا شابته عظمة جبل طويق، وأظهر الشاعر خيالا غير مسبوق ووظف أدوات فنية عليا حين استذكر تاريخ العرب من خلال تصويره للجبل، وأراد الشاعر أن نعلي من همتنا كما هو هذا الجبل الشاعر على علو الهمة، ووما قاله في القصيدة البارعة: 

يا جاثما بالكبرياء تسربلا

هلا ابتغيت مدى الزمان تحولا

شاب الغرابُ وأنت جلْلدٌ يافعٌ

ما ضعضعتْ منك الحوادث كاهلا

فمنذ مطلع القصيدة نلحظ تطورا في الصورة وإحساسا غير تقليدي وألفاظا تنتمي إلى حقل التراث، وتصنع صورة رغم نمطيتها إلا أنها تنتمي إلى حقل التجديد في الكل المتشكل فيها وفي تراسل المعنى وانحدار صوت الشاعر الأخاذ لتصوير الجبل . 

ومن ذلك صورة الشاعر الأمير عبدالله الفيصل ( ت1428هـ ) لليلة التي مرت بدهره وكانت غريبة عنه فجعلها خارج خيط عمره، وكأن عمره خيط تتعلق به الليالي والأيام وتلك الليلة خرجت منه لغرابتها، وعلل الشاعر خروجها لغرابتها ومرورها سريعًا وجعلها ملتصقة بفكره لما لها من خصوصية، إما لحبيب أو لقريب بينهما مودة، فقال من قصيدته (ليلة العمر) مصورا حال تلك الليلة:

ليلة مرت بدهري

لم تكن من خيط عمري

إن تكن مرت سريعًا

فهي ما زالت بفكري


ولليل شاعر آخر هو محمد الرميح الذي يصور في قصيدته ( مع الليل) الليل هو ذات الليل، وهو كاتم الأسرار، وساتر الأفعال، ومنهي اللذات إلى حيث تسير، ومنذ " ألا أيها الليل الطويل" ونحن نعرف قيمة الليل، ونعرف منهانا إليه وحاجتنا إلى دفن أسرارنا حيث هو، فالصورة تقليدية المعنى ولكنها حداثية التشكيل من حيث ترتيبها العمودي: نفترق ، يصحو، نكشف، نحتار، وحداثية من حيث سردية الصورة واتكاؤها على عنصري الزمان والمكان، ثم اعتماد الصورة على مشهد بؤرة، وهو قوله: نفترق، لأنه يشكل جزءا من مقصد الشاعر في تصويره، فلم يعد الفراق صعبا بل غاية في عدم كشف الأسرار ولذة في " الآن- من قبل" فتبقى الأسرار بينهما فقط ولا يعرفها إلا .. هما: 

لنفترق الآن كل إلى غاية ننطلق

لنفترق الآن من قبل أن يضمحل الظلام

ويصحو الأنام

ونكشف أسرارنا

ونحتار من أي درب نعود 


أما الشاعر عبدالله بن إدريس فصور الشعر الذي لا يكاد يخلو ديوان شاعر من تصويره، فهاجس معنى الشعر يقلق الشعراء ويجعلهم راغبين في إفهام المتلقي وما يحسونه تجاهه وذلك يجعل فكرة تصوير الشاعر لمفهوم الشعر فكرة مكرورة على الصعيد الظاهري من حيث المعنى، ولكنها على صعيد اختيار الألفاظ لن تعدم وجود تجديد في ترتيبها، فنجده يقول:

الشعرُ تبعثه العواطف والعواطف لن تغلّْ

الشعرُ أغنية الحياة وصدحها منذ الأزلْ 


ومن مصوري الشعر الشاعر سعد البواردي إذ يصوره في قصيدة تامة وهذا من قبيل : القصيدة/ الصورة التي تحوي صورة واحدة كلية، وصورا جزئية تلتف حولها:

اصدح بشعرك لا تسل

وانثر قصيدك كالأسلْ

ما الشعر إن تصف الهوى 

أو أن تغرد للقبل

الشعرُ خاطر دمعة

هزمت ولوعها الخطل

الشعرُ صيحة تائه

ضلت بزورقه السبل

الشعرُ أن نبني الحياة وصوت عزتها الأجل 


الصورة الشعرية وموازنات الخيال في الشعر السعودي
Ehsan Logo