مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق المملكة العربية السعودية
حجاج سلامة
في كتابه "مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية"، يُسلط الآثاري والباحث المتخصص في أثار شبة الجزيرة العربية "د. ت. بوتس"، الضوء على مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق المملكة العربية السعودية.
وفي كتابه الصادر عن هيئة الشارقة للآثار – ترجمة د. صباح عبود جاسم – يتناول د. ت. بوتس، تاريخ ما عُثر عليه من مسكوكات في مناطق الظهران والدمام والخبر وواحة القطيف والهفوف.
كما يستعرض تاريخ المسكوكات في مناطق أخرى، متنقلا ما بين الشارقة وسلطنة عمان، محاولاً تحديد الفترات الزمنية للطبقات والمواقع الأثرية التي وجدت فيها هذه المسكوكات، وتقنية صنعها ومراحل تطورها، كما يُلقي الضوء على الأنشطة الاقتصادية السائدة آنذاك.
وفي دراسته لمصادر عملات شرق الجزيرة العربية، قال المؤلف أنه يمكن تمييز اثنين من الأقاليم ذات العلاقة بالمسكوكات في شرق المملكة العربية السعودية، والتي تقع فيها مواقع مناطق تاج وعين جوان والظهران الكبرى وجبل بري الشمال القطيف، والشعبة وموقع منجم الملح والهفوف وجبل كنزان، حيث أنتجت هذه المواقع مسكوكات تعود إلى العصور قبل الإسلامية.
ويُحدّثنا مؤلف كتاب "مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية"، عن المرة الأولي التي علم فيها بوجود مجموعة خاصة تحوي عدداً وافراً من مسكوكات ما قبل الإسلام عثر عليها في تاج ومواقع أخرى في المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية، حيث كان ذلك في أثناء زياراته إلى مارتي جولدنج في إحدى أيام الجمع خلال موسم التنقيب في تاج عام 1983.
مسكوكات تاج
ولفت إلى أن اهتمامه بـ "تاج" وصل إلى درجة أنه أصبح متشوقاً لتقصي جميع مظاهر تاريخها وأثارها بما فيها المسكوكات، وأنه شيئاً فشيئاً قام بتطوير مراسلات واسعة مع مستخدمي شركة أرامكو السابقين الذين عثروا على مسكوكات خلال زيارتهم إلى مواقع في المنطقة.
وقد أدت المراسلات – بحسب مقدمة الكتاب - إلى زيارات قام بها في العامين 1987 و 1989 وذلك لتصوير ودراسة مجاميع متنوعة من المسكوكات كانت قد اخذت إلى أمريكا في ذلك الوقت.
الآثاري والباحث المتخصص في أثار شبة الجزيرة العربية، د. ت. بوتس، أشار في كتابه، إلى ما قدّمه من دراسات في مجال مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية، منها تقرير عن مسكوكات ذات تاريخ سلوقي من شمال شرق الجزيرة العربية في مجموعة موريس، وقد تقدّم بهذا التقرير إلى مؤتمر النميات العربية الذي عقد في كامبردج في شهر يوليو من العام 1984.
ودراسة حول "مكتشفات في الظهران وجبل كنزان جدید و قدیم"، وقد القيت في ندوة عن آثار الخليج في كوتنجن ttingen في شهر يونيه عام 1987، وبحث حول "مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية"، وقد تمت مناقشته في مؤتمر عن الجزيرة العربية قبل الإسلام في ستراسبورغ في شهر يونيه 1987. ودراسة حول "مسكوكات ما قبل الإسلام التي وجدت في مواقع في حول المنطقة الشرقية من العربية السعودية"، وقد ألقيت في اجتماع تداول العملة في الخليج خلال الفترة الهلنستية أقيم في ليون خلال شهر أبريل عام (1988).
ويدلنا كتاب "مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية"، لمؤلفه د. ت. بوتس، أن مناطق الظهران، والدمام، والخبر، وواحة القطيف، والهفوف من أهم مناطق الاستيطان الحديث في شرق المملكة العربية السعودية، وأن منطقة الظهران هي أيضاً موقع منطقة استيطانية كبيرة وحقول دفن تحتوي على تلال تضم آلاف القبور.
الشعبة وعين جوان
ويُخبرنا الآثاري والباحث د. ت. بوتس، أن موقع عين جوان الذي يتكون من تل استيطاني كبير ويحتوي على حجرة دفن مهمة وسلسلة من المدافن الغنية وعدد من الأضرحة، كان معرفاً منذ تحريات بوین - Le B Bowen، هناك في أواخر الأربعينات، وأن هذا الموقع ربما كان قديماً أحد أهم المستوطنات في منطقة القطيف الكبرى.
وأما موقع الشعبة، كما نطالع على صفحات كتاب "مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية"، فيقع شمال شرق واحة الهفوف على مقربة من جبل بريقة. وقد كان الموقع مصدراً لألفي مسكوكة على الأقل ضمت مسكوكات إسلامية وما قبل الإسلام.
منجم الملح وجبل كنزان
الكتاب يتحدّث كذلك، عن موقع جبل الملح، وهو عبارة عن منطقة واسعة من الحقول القديمة تشمل حصناً، ومنطقة مستوطنة، وقبوراً تم الكشف عنها في منطقة تغطي مساحة 10 كيلو متراً مربعاً، حيث عُثر به على مسكوكات دراخمة الاسكندر، ومسكوكات ترجع لحوالي سنة ( 315-320 ق م)، وأخرى تعود إلى أوائل ومنتصف القرن الرابع، وغير ذلك من المسكوكات.
وأما جبل كنزان، الذي يُحدّثنا عنه الكتاب، فيمثل منطقة واسعة من تلال المدافن والحقول القديمة، ومستوطنة تُحيط بها كثبان رملية، وقاع بُحيرة مُتحجّر، يمتد على مسافة حوالي 23 كم إلى الشمال الشرقي من الهفوف. وقد عثر في تلك المنطقة على مئات المسكوكات، التي تدل على احتمال وجود مكان لسك العملة في المنطقة.
وقد اعتمد الآثاري والباحث المتخصص في أثار شبة الجزيرة العربية، د. ت. بوتس، في إعداد كتابه "مسكوكات ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية"، على ما اطلع عليه من مجاميع المسكوكات الموجودة في الخارج، سواء في المتاحف مثل المتحف البريطاني، أو الجمعيات مثل جمعية النميات الأمريكية وبعض المجموعات الخاصة التي قام بدراستها ونشرها.
وقد أمضى المؤلف سنين عديدة منهمكاً في تصنيف وتحليل وتصوير ودراسة تلك المسكوكات العديدة التي جاءت من مواقع مختلفة من شرق الجزيرة العربية، وقد أجرى دراسة تحليلية لكل مسكوكة من هذه المسكوكات، ذاكراً من تمكن من العثور عليها، ونوع المعدن ووزنه وحجم القطعة وطريقة صنعها ووصف المواضيع الصورية الظاهرة على الوجه والقفا وتحليل نقوشها المكتوبة إن وجدت.
وقد عزز المؤلف هذه المعلومات القيمة بصور إيضاحية مفصلة لجميع المسكوكات التي تناولها في هذا الكتاب.
وهكذا، فقد ساهمت منطقة شرق المملكة العربية السعودية، بتزويد السجل الأثري بمادة وافرة في مجال المسكوكات القديمة.
يُذكر أن المتاحف والمراكز الحضارية في العالم، تولي اهتماماً كبيراً للمسكوكات القديمة، وذلك نظراً لما ينطوي عليه هذا الصنف من اللقى الأثرية من مضامين في غاية الأهمية فيما يتعلق بتحديد الفترات الزمنية للطبقات والمواقع الأثرية التي وجدت فيها، وتقنية صنعها ومراحل تطورها والقاء الضوء على الأنشطة الاقتصادية السائدة آنذاك، وقد تأسست أقسام وجمعيات متخصصة تهتم بجمع ودراسة القطع النقدية ومعالجتها وحفظها وعرضها في معارض ومتاحف خاصة، وإصدار النشرات الدورية والمجلات ذات العلاقة.

