العطاء الإنساني
بقلم دكتور أحمد عبد الرحيم السايح
قد يكون واضحاً أنه يمكن النظر إلى العطاء على أنه وعاءٌ لمحتوى إيجابي في التفاعل، يكون أداة للتغيير، وإعادة الإمساك بضوابط الحضور الفاعل، وصولاً إلى إعادة الحياة إلى مشروع نهضوي يداعب آمال المجتمعات في التجديد والانطلاق.
وإذا كانت الأمة تمتلك فلسفة حياتية، وحضوراً مشروعاً في العمل الثقافي يمكّنها من تنمية الوعي الهادف; فإنها ما فتئت تحمل الكثير من نبضها، وتملك كل إمكانات التوافد والنهوض، والقيام والحرقة نحو مستقبل مشرق.
ومما هو مدرك أن الإنسان صاحب العطاء، يحيا في حركة فكرية فاعلة ;لأن الإسلام يبني في الإنسان المعطي الروح الإيجابية التي تؤهله للعطاء، وتنمي فيه القدرة على الإبداع، بما تفتح له من آفاق التفكير والممارسة، وبما تزوّده به من بناء ذاتي، ليصبح الإنسان ناضجاً في ظل عقلانية واعية; لأن الحياة في المنظور الإسلامي عمل وبناء، وعطاء، وتنافس في الخيرات، قال تعالى: [وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ] البقرة 148.
ونحن ندرك أن الإنسان الإيجابي ترى له قوة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وخشوعاً في عبادة، وصبراً في شدة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في عقلانية.
ومما ينبغي أن يشار إليه أن العطاء يتمثل في تصور الإنسان قيمَ الخير، والجمال، والكمال.. والشخصية المعطاءة تنزع دائماً إلى مستقبل، وتبرمج مسيرتها على القيم النبيلة.
وبهذا تصبح الشخصية المعطاءة شخصيةً عقلانية متّزنة، لا يطغي على مواقفها الانفعال، ولا يسيطر عليها التفكير المتأتّي من سيولة العقل، وامتداد اللامعقول.
ومما يحسن أن نقف عليه أن العطاء والعمل حقيقتان متلازمتان في حياة الإنسان الفاعل وهما أبرز مظهر من مظاهر إنسانيته، وأعمق سبب من أسباب الرُقي والسّموّ; لأن الحياة الإنسانية بكل ما فيها من مظاهر الثقافة وحسن العلاقات. ما هي إلا نتيجة عملية للمعرفة القائمة على العطاء والعمل، ولقدرة الإنسان على الإسهام في البناء.
ولولا وجود ظاهرة الارتباط بين العمل والعطاء في حياة الإنسان، لما عرفت المجتمعات الإنسانية: النشاط الإنساني الذي يشكل صيغة المدينة والحضارة. وما هذه المعارف والعلوم والحضارات إلا نتائج ضرورية ملموسة للعطاء والعمل.
والعطاء والعمل يشعران الإنسان دوماً أن على عاتقه مسئولية رسالة كبرى، ودور مهم في الحياة ينبغي أن ينهض به بعيداً عن الجمود والتحجر.
وقد يكون من السهل أن يعيش الإنسان لذاته، وهي أبسط أنواع الحياة، لكن من المجد والرفعة أن يعيش الإنسان لأمته ويعمل في سبيل نهضتها وتقدُّمها; لأن فلسفة وجود الإنسان أن يكون فاعلاً، مبدعاً، مجدداً، مسؤولاً للعطاء، ونشر الوعي.
هذا الإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه، وعلمه الأسماء كلها، وجعله خليفة في الأرض; لكي يحمل الأمانة فيها، ويُعدّ نفسه لتحمّلها : [إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ] (الأحزاب 72)، فما أثقل الأمانة على الإنسان، ولا يستطيع أن يتحملها إلا بالعطاء، إنها أمانة الإنماء والحضارة لهذه الحياة.
لقد تخرج من مدرسة العطاء رجال عظماء، ونساء عظيمات، عملوا من أجل مجتمعاتهم، وأمتهم والإنسانية، فكانت أمتهم والإنسانية قضيتهم ورسالتهم في الحياة، بذلوا من أجل كل ذلك العطاء المفيد.
لهذا كان من واجب الأمة في هيئاتها ونواديها أن تذكر من رجالها من عملوا لأمتهم، وأعطوا المجتمع كل من شأنه أن يأخذ بيد الإنسان.
ومن هؤلاء: أصحاب العطاء الذين أفادوا مجتمعهم، ودعوا إلى التسامح في مواجهة التعصب والجمود، والإقرار بالآخر في مواجهة الغنوصية والإلغاء والإقصاء.
مما هو واضح أنه من خلال التعرف على عطاء المعطين تستطيع الأمة أن تصحح المسيرة، وترقى إلى خير ما قُدّر لها.
وإن مجتمعاً يبحث في معطيات المعطين، ويحاول الكشف عن البُعد الحضاري، فإنه لابد أن يرقي; لأن هذا الكشف يجسد المضمون الحضاري لأمة، ويبلور استراتيجية متكاملة لاستفادة من العطاء.
ومن المعروف أن الشخصية الإنسانية تتحدد هويتها، وتتضح ماهيتها عن طريق الحقائق الداخلية، وعندما تتفاعل الحقائق الداخلية -كالفكر، والثقافة مع العالم الخارجي، مما فيه من مسيرات، ومحفزات -ترتسم أبعاد الذات، وتبرز هوية الإنسان.
ولذلك.. فإن هوية الشخصية وتبعاتها الذاتية هي التي تصنع الحدود والفواصل المميزة للإنسان، والمجتمع، والأمة، وهي التي تجعل هذا معطاءً أكثر من غيره.
فلكل مجتمع سِمَات كلية يصنعها أفراده بشكل يميزه عن غيره.

