تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الإرث العربي.. تزاوج القيم السياسية بالرؤى الثقافية

الإرث العربي.. تزاوج القيم السياسية بالرؤى الثقافية

تقرير: سالم اليامي

لطالما كان الإرث الحضاري العربي عنوانا معبرا عن تاريخ المنطقة وكنزا يختزل قيمها وأصالتها، والأمم التي لا تستند إلى هوية حضارية وماض عريق، فهي بلا شك تفتقد إلى الأسس المعينة لها في حاضرها ومستقبلها، وفي عالمنا العربي بواعث كثر على التأمل في هذا الجانب، تنطلق حينا من إحساسنا الدائم بالاعتزاز بحضارتنا والخوف حينا على معالم هذه الحضارة من الدمار والاندثار بفعل الأحداث السياسية المتلاحقة التي قد تفرز نوعا من عدم الاستقرار في بعض الأقطار مما ينعكس سلبا على واقع مكتسباتها وكنوزها الثقافية، والشواهد هنا كثيرة ومنها ما حدث في العراق إبان الغزو الأمريكي، وما حدث أخيرا من محاولة لسرقة المتحف المصري وتعرضه لخطر الحريق.
 العامل السياسي ودوره في الحفاظ على الإرث الحضاري، محور عريض لتسليط الضوء على ما قد يشغل بال الكثيرين تجاه تراثهم الإنساني.
 


تشكل الوعي الثقافي

واقع الوعي الثقافي لا يستقيم بمعزل عن المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ إن المسألة بأكملها تتكئ على جملة من الأدوار التكاملية التي تشكل قاعدة الانسجام بين المجالات المختلفة، وإن كان عنصر الاستقرار هنا هو الرابط الرئيس بين تلك الأدوار مجتمعة، حيث لا يمكن المجتمع مدني أن يعي مدى أهمية الإرث الثقافي في ظل غياب سياسات سليمة تراعي الأسس المنهجية للتعليم والصحة والنماء الاقتصادي والترابط الاجتماعي، ولنأخذ قضايا تهريب الآثار مثالا حيا على غياب المنهجية السليمة ،فدوافع مثل هذه الأعمال قد تكون كثيرة، ولكنها بلا شك نتيجة طبيعية لغياب الوعي الثقافية أو عدم تشكله وفق أطر سليمة نظرا لغياب التأهيل العلمي المبرمج، وقد تكون دوافع ذات أبعاد اقتصادية بحتة جراء إغفال الجوانب التنموية، أو تغلغل الفساد المالي والإداري في النسيج المجتمعي، مما يولد حالة من الانسلاخ الحسي الجماعي والميل إلى الشعور الفردي، وعندها يغيب الوعي بأهمية الموروث كمكتسب مشترك. 


المشهد العراقي
تقف المعالم الأثرية في العراق والتي نشأت منذ العصر الحجري وحتى مراحل الفتح الإسلامي، شاهدة على مرحلة تشكل الحياة الإنسانية في مهدها كقلعة أربيل والمنارة المظفرية وحدائق بابل المعلقة، فمن منا لا يدرك الأهمية الثقافية التي يمثلها العراق، باعتباره أيقونة تراكمات إنسانية على مدى آلاف السنين، حضارات قامت وتدويل إنسان عاش بظروفه وطبيعته، وانتهج نظاما خاصا بمرحلته التاريخية، كانت الآثار والمواقع التراثية أكبر شاهد عليها، هذه الآثار تعرضت لعمليات سرقة ونهب إبان الغزو الأمريكي، ما ضاعف حجم المأساة الإنسانية التي عاشها ويعيشها أبناء الشعب العراقي، فحضارة أمة تستباح وتنتهك، تباع وتشترى كسلعة رخيصة لا قيمة لها.

المشهد المصري

شكل المتحف المصري المحور الأبرز في الأحداث التي شهدتها مصر أخيرا، لما له من قيمة ثقافية بالغة الأهمية محليا وإقليميا ودوليا باعتباره مستودعا لمعالم الحضارة الإنسانية، وقد ألقت الأحداث التي عاشتها مصر بظلالها على جوانب عدة في الحراك المجتمعي، وهنا تصدر الواقع السياسي المحتقن والاضطراب الأمني واجهة المشهد المصري، وحبس العالم بأسره أنفاسه، خوفا من تأثر الكنوز الحضارية والتاريخية بأعمال السلب والنهب التي سيطرت على الحياة العامة، إلا أن حالة الخوف والرهبة على هذه الآثار تقلصت تدريجيا بعد تدخل الجيش المصري لحماية هذه الكنوز.

 المتحف الذي بدأ تأسيسه مع الاهتمام العالمي الكبير بالآثار المصرية بعد فك رموز حجر رشيد على يد العالم الفرنسي شاميليون، كانت النواة الأولي له في بيت صغير عند بركة الأزبكية القديمة، حيث أمر محمد علي باشا بتسجيل الآثار المصرية الثابتة ونقل الآثار القيمة لمتحف الأزبكية وذلك عام ١٨٤٨، وبعد وفاة محمد علي عادت سرقة الآثار مرة أخرى وسار خلفاؤه على نهج الإهداءات فتضاءلت مقتنيات المتحف، إلا أنه في عام ۱۸۹۱ م تزايدت مجموعات متحف بولاق وتم نقلها إلى سراي الجيزة، وقد كان للمتحف دليل موجز يرجع إلى عام ۱۸۸3م وتم عمل دليل كبير للمتحف الجديد ظل يطبع ويكرر من عام ١٩١٥م وحتى الآن.

اليمن .. عمق الحضارة العربية
لا شك بأن اليمن بما يزخر به من إرث ثقافة متراكم يمثل عمقا للحضارة العربية المعاصرة، لا سيما في مواقعه التراثية، إلا أن الواقع الذي يعيشه، واحتدام الأزمة السياسية، تهدد استقراره ومعالمه الأثرية والحضارية بشكل عام، وتمتد الحضارة اليمنية منذ القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن السادس بعد الميلاد حين أوجدت ممالك سبأ وقتبان وحمير المنحوتات الهندسية، ومنها تماثيل ملوك أوسان الثلاثة التي تعبر عن ثلاثة أجيال من ملوك أوسان وتحافظ على الأسلوب الهندسي في التشكيل والذي بدأه السبئيون في القرن الثامن قبل الميلاد، أما المرمر شبه الشفاف الذي نُحتت عليه صور الملوك فقد تم فيه التركيز على التفاصيل السطحية لهم بينما تبدو مشرقة من الداخل. وبنى الفنانون المعماريون السبئيون معبد "أوام" وهو الأقدم والأكبر في اليمن بالقرب من عاصمتهم العظيمة مأرب. وقد خُصص المعبد لإله المملكة السبئية، الإله "ألمقة."

و" تمثال معد يكرب" وارتفاعه ثلاثة أقدام ومحفوظ بشكل جيد، وهو من المنحوتات المتموجة المأرب، حيث قام الناحتون وبدقة برسم الإزار الذي يكسوه وجلد أسد ملفوف حوله في البرونز بدى وكأنه يحيط به بنعومة. وقد تم العثور في مقبرة أوام على أكثر من ٤٠٠ قطعة أثرية منقوشة مثل هذه من بينها تماثيل بشرية وحيوانات بحجم أصغر، إضافة إلى احتوائها على ٢٠ ألف مدفن يعود تاريخها إلى الفترة من القرن التاسع إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وتؤكد القبور المنقوشة بدقة ومتعددة الصفوف على معتقد ثابت وحي في الحياة الآخرة والدفن المحترم للأموات. أما المملكة الأخيرة التي ظهرت خلال الـ ١٤٠٠ عام وهي فترة امتداد سيطرة الممالك اليمنية فكانت مملكة حمير. والتي حلت تجارتها البحرية محل التجارة

الإرث العربي.. تزاوج القيم السياسية بالرؤى الثقافية
Ehsan Logo