تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

قصيدة البيت الواحد.. نماذج أصيلة من الشعر العربي

قصيدة البيت الواحد.. نماذج أصيلة من الشعر العربي

حجاج سلامة

يقول العرب، إن الأصل في الشعر العربي هو البيت الواحد، ثم جاءت القصيدة ، وجاءت معها مشكلاتها التي لم يكن يعانيها الشاعر الأول، شاعر الفطرة والطبع، وظل البيت هو المحور الرئيسي في القصيدة ، وظل الذوق النقدي  يرجع في أحكامه القائمة على المقارنة والموازنة ، إلى هذا البيت الواحد.

وفي كتابه "قصيدة البيت الواحد" يذهب خليفة محمد التليسي، إلى القول بأن البيت الواحد كان هو المسئول عن ميلاد الحركة النقدية حول الشعر، وأن الحركة النقدية الشعرية – إن جاز التعبير - إنما ولدت ونشأت وتطورت بسبب ما فجره البيت الواحد من صراع وخصام ، وأن المفاضلة بين الشعراء في القديم، إنما اعتمدت على البيت الواحد.

وفي هذا الكتاب الصادر عن دار الشروق بالقاهرة، يحاول "التليسي" مراجعة بعض المفاهيم النقدية المتصلة بالشعر العربي، وتقديم قراءة جديدة في التراث الشعرى العربي، ساعياً إلى اثارة العشق وتعميق وتجديد صلة الشباب بهذا التراث الجميل،  وإعادة عرضه في شكل مقبول يسيغه ذوقهم العصرى، لافتاً إلى أهمية أن ينهل هؤلاء الشباب من تلك المنابع بما يسهم في تكوينهم الوجداني، ويُساعدهم على الاستلهام وعلى التعرف على الجواهر النادرة في هذا الديوان الشعري العربي الخالد.

كتاب "قصيدة البيت الواحد"، استطاع مؤلفه أن يوجز لنا تعريفا وافيا بقصيدة البيت الواحد، وأن يجمع لنا آراء القدامي من المُبدعين والنقاد في قصيدة البيت الواحد، وجال في حدائق تراثنا الشعري العربي، وجمع لنا العشرات من قصائد البيت الواحد.

والتنبيه إلى أهمية الاستقاء ، من هذه المنابع ، في تكوينهم الوجداني. واستلهامها والاستفادة منها  في التعرف على الجواهر النادرة في هذا الديوان الشعري الخالد. 

وفي مقدمة كتابه، انتقد خليفة محمد التليسي، ما يتردد من أحكام مرتجلة، تعلو صيحاتها من حين إلى آخر، والتي بدأت حين عاب بعض رواد الحركة الأدبية، على الشعر العربي ما يتصف به من تركيز وتكثيف وتعقيل للتجربة والبيتية المقفلة.

وانتقد "التليسي" كذلك، شعراء بارزين عابوا على الشعر العربي الافاضة والإسهاب والإسراف في استهلاك اللغة والمشاعر ، وعدم الأخذ بمبدأ الإلماعة الخاطفة، والإضاءة السريعة، والتكثيف المركز، وهو الأساس الذي قام عليه جوهر التجربة الشعرية العربية، منذ أن صاغ شاعرهم الأول أبياته الأولى. 

ورأى أن من حق الشعراء أن يمارسوا كافة الصيغ ، وأن يختاروا منها ما يريدون، ولكن ليس من حق هؤلاء الشعراء – وفقا لقوله - أن ينكروا على الشعر العربي خصائصه وميزاته الخاصة، وأن يطمسوها في سبيل أن يظهروا بمظهر الرواد.

ورفض خليفة محمد التليسي – عبر نصوص كتابه – قيام البعض بإنكار ميزات الشعر العربي المتفرّدة، ثم يقومون بعملية استلاب ذاتي في نسبة الإتجاه إلى التكثيف والتركيز إلى التأثر بالاتجاهات الأدبية الغربية الحديثة.

ويُبيّن لنا "التليسي" في كتابه، أنه عندما كان الشاعر العربي القديم، يرسل البيت الواحد، ليعبر به عن لحظته الشعرية، لم يكن يواجه أية مشكلة تعبيرية. فقد كان البيت الواحد  يعبر عن حاجته، ويستوعب اللحظة الشعرية التي يعانيها بكل أبعادها، وربما تناول شاعر آخر، هذا البيت، فأجازه، وأضاف إليه بيتا، وربما كان دوران هذه الأبيات على جملة من الشعراء، هو المسئول الأول عن بعث الشعور بالحاجة إلى الانتقال إلى مرحلة القصيدة.

وبحسب صفحات كتاب "قصيدة البيت الواحد"، فإنه عندما وجه الحاتمي اتهامه الجائر إلى المتنبي بسرقة أقوال الحكماء القدامي من الإغريق وغيرهم، إنما اعتمد على انتزاع أبياته الفريدة في الحكمة والمثل السائر، ولم يعن بعالمه الشعري، ومكان هذه الأبيات من عالمه الواسع الرحيب.

وعندما أخذ النقاد القدامى  يؤسسون لقواعد الشعر، وينظرون له، كانت مشكلة البيت الواحد من المحاور الرئيسية التي تناولوها بالنقاش، فتعددت وجهات النظر، واختلفت الآراء تضييقا وتوسيعا، وكان الاستحسان يميل بهم إلى نوازع الفطرة الشعرية العربية، فكان التفضيل في الغالب للبيت الواحد واستقلاليته التامة في صياغة القصيدة ، حتى لو كانت ذات غرض واحد.

وينقل لنا الكتاب، قول ابن قتيبة عندما حاول ابن قتيبة أن يبرر لتعدد الأغراض في القصيدة الواحدة : (إن مقصد القصيدة إنما ابتداً فيها بذكر الديار والدمن والآثار فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر. لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلاً، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء السامع إليه، لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب، لما جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام. فاذا علم أنه استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عقب بايجاب الحقوق فرحل في شعره وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحر الهجير، وإنضاء الراحة والبعير، فاذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، وبدأ في المديح، فبعثه على المكافأة، وهزه للسماح ، وفضله على الأشباه ، وصغر في قدره الجزيل).

ووفقا لخليفة محمد التليسي، في كتابه "قصيدة البيت الواحد"، فإن نظرات ابن قتيبة – هنا - هي نظرات تبريرية توفيقية تتفق مع طبيعة المرحلة الأولى لتطور المفاهيم النقدية، وتتفق مع موقف ابن قتيبة في الدفاع عن التراث العربي والتصدي للشعوبية التي حاولت أن تشكك فيه. وتوضح اختياراته و شواهد نزوعه إلى الإعجاب بالبيت الواحد وما يكمل هذا البيت في شكل قطع قصار.

ويستحضر الكتاب – كذلك –  قول قدامة بن جعفر بأن الشاعر (إذا أتى بالمعنى الذي يريد أو المعنيين في بيت واحد كان في ذلك أشعر منه إذا أتى بذلك في بيتين وكذلك إذا أتى شاعران بذلك فالذي يجمع المعنيين في بيت أشعر من الذي يجمعهما في بيتين).

ويورد لنا خليفة محمد التليسي، في كتابه رأي ابن رشيق الواضح في الوقوف إلى جانب البيت الواحد أو بتعبير أدق إلى جانب استقلالية البيت الواحد عما جاوره من الأبيات فيقول : (ومن الناس من يستحسن الشعر مبنيا بعضه على بعض، وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائما بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله ولا ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة مثل الحكايات وما شاكلها فإن بناء اللفظ على اللفظ أجود هنالك من جهة السرد).

ويؤكد لنا الكتاب، أن ابن خلدون في مقدمته، وقف إلى جانب البيت المستقل، فيقول ضمن تعريفه للشعر، إنه الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به.. (إذ هو كلام مفصل قطعا قطعا، متساوية في الوزن، متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة، وتسمى كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا، ويسمى الحرف الأخير الذي يتفق معه رويا وقافية، ويسمى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة. ويتفرد كل بيت منه بافادته في تراكيبه حتى كأنه كلام وحده، مستقل عما قبله وما بعده، وإذا أفرد كان تاما في بابه في مدح أو نسيب أو رثاء، فيحرص الشاعر على إعطاء ذلك البيت ما يستقل في إفادته ثم يستأنف في البيت الآخر كلاما آخر كذلك ويستطرد للخروج من فن إلى فن، ومن مقصود إلى مقصود بأن يوطىء المقصود الأول ومعانيه إلى أن يناسب المقصود الثاني، ويبعد الكلام عن التنافر كما يستطرد من النسيب إلى المدح، ومن وصف البيداء والطلول ، إلى وصف الركاب أو الخيل أو الطيف، ومن وصف الممدوح إلى وصف قومه وعساكره ومن التفجع والعزاء في البقاء إلى التأبين وأمثال ذلك.

ونبقى في ماجاء بالكتاب من قول ابن خلدون، الذي يعتبر أن من مظاهر صعوبة الشعر وممارسته استقلال كل بيت منه بأنه كلام تام في مقصوده ويقول في ذلك: (والشعر من بين فنون الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخرين الاستقلال كل بيت منه بأنه كلام تام في مقصوده ويصلح أن ينفرد دون سواه، فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطف في تلك الملكة، حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب، ويبرزه مستقلا بنفسه، ثم يأتي ببيت آخر كذلك تم ببيت آخر، ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده، ثم يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعضها بحسب اختلاف الفنون التي في القصيدة).

وهكذا يعرض لنا كتاب "قصيدة البيت الواحد"، لخليفة محمد التليسي، نظرة القدماء إلى مشكلة البيت الواحد أو الوحدة الفنية للقصيدة، كما يعرض لبروز مشكلة القصيدة العربية مع انبعاث فجر النهضة الأدبية العربية الحديثة، وما دار من حوار بشأنها خاصة بعد الانفتاح على المذاهب الأدبية الغربية والتفاعل معها والتأثر بها.

وما كُنّا مُحيطين، ولكن نضرب الأمثلة.

 


قصيدة البيت الواحد.. نماذج أصيلة من الشعر العربي
Ehsan Logo