الحمد والمدح والشكر
إعداد: زهير محمد النجار
كثيرا ما نقرا نسمع كلمة (الحمد) و (الشكر) و (المدح)، وأنا أتساءل عن معانيها وهل هي من المترادفات؟ أم هناك اختلاف بينها؟
معنى الحمد الثناء على الجميل من النعم أو غيرها مع المحبة والإجلال، فالحمد أن تذكر محاسن الآخر، سواء كان الثناء على صفة من صفاته الذاتية كالعلم والصبر والرحمة، أو على عطائه وتفضله على الآخرين، ولا يكون الحمد إلا للحي العاقل.
وهذا أشهر ما فرق بينه وبين المدح، فقد تمدح جمادا ولكن لا تحمده، وقد ثبت أن المدح أعم من الحمد، فالمدح قد يكون قبل الإحسان وبعده، أما الحمد فلا يكون إلا بعده، فالحمد يكون لما هو حاصل من المحاسن في الصفات أو الفعل، فلا يحمد من ليس في صفاته ما يستحق الحمد، أما المدح فقد يكون قبل ذلك، فقد تمدح إنسانا ولم يفعل شيئا من المحاسن والجميل، ولذلك كان المدح منهيا عن لمن ليس لديه من الصفات الحسنة ما يؤهله له، قال رسول الله صلى الله علي وسلم: (احفظ تراب في وجه المداحين)، وهذا بخلاف الحمد فأنه مأمور به، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم يا أحمد الناس لم يحمد الله)، وهنا علمنا قوله (الحمد لله) أن الله حي لا هو الصفات الحسنى والفعل الجميل، وحمدنا على صفاته وعلى فعله و أنعامه، ولو قال (المدح لله) لم يفد شيئا من ذلك، فكان اختيار الحمد أولا من اختيار المدح.
أما الشكر فلا يكون إلا على النعمة، ولا يكون على الصفات الذاتية، فإنك لا تشكر الشخص على علمه أو قدرته، وقد تحمده وعلى ذلك، وقد جاء في (لسان العرب): والحمد والشكر متقاربان، والحمد أعمهما، لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه، ولا تشكره على صفاته، فكان اختيار الحمد أولا أيضا من الشكر لأنه أعم، بأنك تصنيع ليه بنعمة الواصلة إليك وإلى الخلق جميعا، وجفني عليه بصفاته الحسنى الذاتية، وإن لم يتعلق شيء منها بك، فكان اختيار الحمد أولى من المدح والشكر.
ولننتقل إلى ناحية أخرى تتعلق بأسلوب وردود لفظية (الحمد) بصيغة الاسم المعرف، وليس بصيغة الفعل، أي: أحمد الله أو نحمد الله؟
ومقاله تعالى هو أولى، لعدة وجوه: إن القول (أحمد الله) أو (نحمد الله) مختص بفاعل معين، ففاعل أحمد هو المتكلم، وفاعل الحمد هو المتكلمون، في حين أن عبارة (الحمد لله) مطلقة لا تختص بفاعل معين، وهذا أولى، فإنك إذا قلت: (احمد الله) أو (نحمد الله) أخبرت عن المتكلم أو المتكلمين ولم تفد أن غيركم حمدة، هذا في حين أن عبارة (الحمد لله) بلا تختص بفاعل معين، فهو المحمود على وجه الإطلاق منك ومن غيرك، وقول (احمد الله) تخبر عن فعلك أنت، ولا تعني ذلك أن من تحمده يستحق الحمد، في حين اذا قلت (الحمد لله) أفدت ذلك استحقاق الحمد لله، وليس مرتبطا بفاعل معين.
وصيغة الفعل مرتبطة بزمن معين ودلالة زمنية معينة، الفعل المضارع يدل على الحال أو الاستقبال، ومعنى ذلك حنا الحمد لا يحدث في غير الزمان الذي تحمده فيه، ولا شك عن الزمن الذي يستطيع الشخص أو لأشخاص الحمد فيه محدود، ولكن حمد الله ينبغي ألا ينقطع ولا يحد بفاعل أو بزمان، ولذا فإن عبارة (الحمد لله) مطلقة غير مقيدة بزمن معين ولا بفاعل معين، فالحمل فيها مستمر وغير منقطع.
جاء في تفسير الرازي أنه لو قال (احمد الله) أفاد ذلك أن القائل قادر على حمده، أما لما قال (الحمد لله) فقد أفاد ذلك أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين هؤلاء سواء حمدوا أم لم يحمدوا فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم.
وقول (أحمد الله) جملة فعلية، و (الحمد لله) جملة اسمية، والجملة الفعلية تدل على الحدوث واتجدد، في الحين أنا الجملة الاسمية دالة على الثبوت، وهي أقوى وأدوم من الجملة الفعلية، اختيار الجملة الاسمية أولى من اختيار الجملة الفعلية هنا، إذ هو أدل على ثبات الحمد واستمراره.
وهناك أوجه أخرى في سبب اختيار لفظة (الحمد) بهذه الصيغة، بدلا من الصيغ الأخرى، نتناولها في عدد قادم بإذن الله.
(*) بتصرف من موقع وكتاب (لمسات بيانية في نصوص من التنزيل) للأستاذ الدكتور فاضل صلاح السامرائي.

