المسكوكات .. علم وفن وتاريخ
بقلم: يسري عبد الغني عبد الله
يعدّ علم المسكوكات (النوميات) أو دراسة النقود من العلوم التي لا غنى عنها للباحث التاريخي أو الأثري، كذلك من المهم أن يلمّ به المثقف المهتم بالعلوم الإنسانية، لأن النقود هي عماد دراسة الاقتصاد القديم، ومرأة النشاط التجاري والتعاملات بين شعوب العالم.
والمسكوكات دليل تاريخي واضح لما تحمله من تاريخ ضربها، واسم الملك أو الإمبراطور وشعار الدولة سواء كان رمزياً أو دينياً. كما إن الملوك والقادة في العصر القديم استخدموا النقود لنشر أفكار معينة بين الناس، لأنها أسرع تداولاً من أي شيء أخر. ودراسة الشعارات المصورة على العملة لا تزيد معرفتنا بقادة وعادات الشعوب القديمة فحسب، بل تحيطنا علما بالأفكار والإحساسات التي ترمز إليها الشعارات والصور.
والعملة لا تحدد تاريخها فقط، بل العثور عليها في مكان معين يساعدنا أيضاً على تحديد تاريخ المكان، فلو أننا عثرنا على عملة داخل بيت قديم مثلا نستطيع أن نقارن بين عمر الدار وتاريخ العملة، أما إذا عثرنا مثلاً على عملة في أساس بيت فلا بد أن تكون العملة أقدم من البيت نفسه، فهي إذا وسيلة مهمة لتحديد التواريخ.
إن العملة القديمة مرأة الاقتصاد، لأن فكرة العملة ظهرت بهدف تسهيل النشاط التجاري، فالتجار قبل ابتكار العملة كانوا يتعاملون بقطع المعادن الثمينة، مثل: الذهب والفضة، تم لجوّوا إلى وضع أختامهم عليها لضمان نقاوة معادنها ووزنها، وقد ظهر هذا التطور في بلدان آسيا الصغرى خلال القرن التاسع قبل الميلاد.
كان المعدن المفضل لسك العملة آنذاك هو خليط من سبيكة الذهب والفضة بنسب معينة، ويسمى الخليط لإلكترون، وتسمى العملة المسكوكة من الإلكترون بالبيليون.
ولما بدأت فكرة الدولة تزداد وضوحاً وأصبحت أجهزتها تشرف على حركة التجارة وذلك لشدة التنافس عليها بين المدن المختلفة: تدخلت حكومة الدويلات لوضع ضمان على هذه القطع المعدنية بأن الدولة تتعهد بضمان قيمة وزنها ونقاء معدنها.
ويعتقد علماء المسكوكات أن أول دولة توصلت إلى ذلك هي مملكة ليديا في آسيا الصغرى، وسرعان ما أعجب هذا التصرف المدن الإغريقية التجارية التي كانت تنتشر على طول ساحل آسيا الصغرى وفي بحر إيجة. وهي مدن كان عملها الأول بل والوحيد التجارة بين شعوب هذه المنطقة.
وعليه فقد وجدت حكومات المدن الإغريقية أن في ضمان الدولة لقطع المعادن المستخدمة لتبادل قيمة الأشياء المباعة ضمان كبير لاستقرار التجارة الخارجية وضمانها. ولذلك لجؤوا إلى اتباع هذا النظام.
وقد ناسب وضع الشعار الخاص بكل مدينة على قطع المعدن اتجاه دويلات المدن الإغريقية التي كانت تحرص على توكيد شخصيتها واستقلالها.
ومنذ عام ٧٠٠ ق.م بدأت النقود الإغريقية تظهر في مناطق واسعة من حوض البحر الأبيض المتوسط، في مصر وسورية وشمال إفريقيا. مما يعكس حجم التجارة بين مصر والمدن الإغريقية في آسيا الصغرى أو في بحر إيجة، بل إنها الدليل الوحيد على قيام هذه التجارة. والمعروف تاريخها أن مصر كانت بلدا مكتفياً اقتصاديا في العصور القديمة، إلا من خشب الأرز والفضة لأنها كانت معدناً نادراً بعكس الذهب الذي كان متوافراً بشكل كبير في مصر.
ومن أجل هذا حرصت المدن الإغريقية على سك نقودها من الفضة كي تقدمها إلى المصريين مقابل القمح الذي كان فائضا على حاجة مصر، حيث تنتجه حقولها بوفرة، ولهذا يجد الدارس لتاريخ العلاقات التجارية لمصر والبلاد المجاورة لها، يجد أمامه مجموعة كبيرة من النقود الفضية لعدد كبير من المدن الإغريقية. ومن ثم يستطيع أن يحدد نسبة التعامل مع كل منها والتطور الذي يطرأ على هذا التعامل نتيجة لتغيّر الأحوال السياسية في العالم، وتسابق المدن فيما بينها لاحتكار سوق التجارة الدولية مع مصر.
والعملة ترتبط بقوة الاقتصاد المحلي، لأن ذلك ينعكس على مركزها الدولي، وقد كانت مدينة قوريني (قوريني) الإغريقية في ليبيا مشهورة بتصدير نبات السلفيوم الطبي الذي كان الطلب عليه شديداً في العالم الخارجي، ولقد وضعت مدينة قورينه رسماً لهذا النبات على عملتها بوصفه رمزاً وشعاراً للمدينة، ومن ثم نجد هذه العملة منتشرة في بقاع واسعة من مصر وبلاد اليونان وإيطاليا وآسيا الصغرى.
ولما حاولت روما أن تفرض سيادتها سياسياً على بلدان البحر المتوسط عقب هزيمة هانيبال في نهاية القرن الثالث قبل الميلاد لجأت إلى دعم الدينار الروماني كي يصبح عملة لها احترامها بين بلدان البحر المتوسط، بل إن مصر البطلمية خفضت عملتها آنذاك حتى تصبح مساوية لقيمة الدينار الروماني، وحذا حذو مصر سائر الممالك الهيلستينية، وكان ذلك بداية السيطرة الفعلية للرومان على اقتصاديات بلدان البحر المتوسط.
وكما أن النقود هي المقياس الدقيق للتجارة والسيطرة، فإن الدولة هي أيضاً مقياس لحالة الاقتصاد الداخلي أو القومي، فقديما كانت الدولة الغنية تحرص على وزن العملة ونقاوة معدنها سواء كان سبكها من الذهب أو الفضة، وفي حالة إفلاس الاقتصاد أو تعرض الدولة لمتاعب اقتصادية فإنها تلجأ إلى تخفيض وزن العملة، أو تقليل نسبة المعادن الثمينة فيها، وتخلطها بمعادن رخيصة، مثل: البرونز أو القصدير.
وقد لجآت الإمبراطورية الرومانية عدة مرات إلى تخفيض عملتها على أمل في إعادة تنشيط اقتصادها.
وفي مصر مثلاً ينعكس الخراب الاقتصادي للبلاد خلال حكم الرومان في القرن الثالث الميلادي بإخفاء العملة الفضية التي كنا نراها في بداية الحكم الروماني وتحولها إلى شبه برونزية أطلق عليها الرومان العملة الأهلية أو المحلية، بينما بقيت العملة الفضية رمزاً غير موجود في الواقع تحسب على أساسه الضرائب المقررة.
ومن مقاييس الازدهار في بلاد العام القديم ننوُع فئات العملة إلى درجات متدرّجة، وكلما كان أصغر فئة موجودة فمعنى هذا أنها مطلوبة في التعامل، ومعنى ذلك أن نجد الفِلس أو المليم أو السنت، متواجدا بكثرة في الأسواق، ومن ثم نعرف أن هناك رواجاً تعاملياً، ورخاء اقتصاديا. أما إذا اختفت هذه الفئات الصغيرة أصبح الثقل مركزاً على العملات الكبيرة، وكان هذا أكبر دليل اقتصادي على ارتفاع الأسعار وازدياد حجم التضخم ويستطيع الباحث في التاريخ أن يدرس ذلك عن طريق دراسة شاملة للعملة. وبالطبع يجب أن يكون لديه خلفية في علم الاقتصاد حتى يستطيع أن يتفهم ويتبيّن مثل هذه الأمور ومن ثم بصبح حكمه سليماً.
إن دراسة العملة علم وفن وتاريخ، علم لأنها أصول وقواعد يجب أن تعرف ونتبع، وفن لأن العملة مجال دراسة فنية وتصويرية، وتاريخ لأنه يسهل تصنيفها زمنياً وحسب الأماكن التي ضربت فيها. فضلاً عن النقوش والتواريخ التي تعملها العملة.
ولهذا ساهم علم دراسة النقود أو العملات مساهمة كبيرة في إثراء المعرفة التاريخية ببلدان العالم القديم والحديث، خصوصاً عندما تصمت الوثائق أو تعجز عن البوح أو التعبير، أو تكون نادرة، فعلى سبيل المثال: خلال القرن الثالث الميلادي، والذي يعد أفقر عصور الإمبراطورية الرومانية تاريخا، لا يوجد كتابات ذات أصالة يمكن أن تفيد الباحث أو الدارس، والنقوش نادرة، ووثائق البردي لا توجد سوى في مصر.
وكلها موضوعات محلية واجتماعية، هنا لا يوجد أمام الباحث سوى دراسة العملة كي يتعرف على شخصيات الأباطرة والحكام. والتطور الاقتصادي والسياسي في تلك الفترة.
فللعملة وجهان: الوجه والظهر، على الوجه نجد عادة صورة الإمبراطور أو الملك وكذلك اسمه ولقبه وتاريخ توليته مقاليد الحكم، وعلى الظهر نشاهد رمز المدينة أو شعارها أو رمز مناسبة تاريخية معينة، مثل: ضم مملكة أو قيام دولة جديدة، وكل ذلك دلائل تاريخية معتمدة يجب أن توضع في الحسبان.
كما أن العملة تكشف عن هوية كثير من الجماعات السياسية التي كان لها كيان خاص مكّنها من سك عملة بوصفها رمز لسيادتها ووجودها السياسي الفاعل.
وعلى ظهر العملة عادة ما يوضع رمز المدينة أو الدولة، وغالباً ما يعبّر عن أسطورة معينة لها علاقة بالدولة أو عن مناسبة معينة مثل النقود التذكارية، وهذا يجعل دراسة النقود مصدراً مهماً لتاريخ الأساطير والتقاليد والفنون بوجه عام.
كما أن دراسة النقود توضح لنا مدى ازدهار التجارة وفتورها وعلاقات الدول والمقاطعات بعضها ببعض مثلما الحال في أوروبا إبان العصور الوسطى. كما أن انتشار العملة في مناطق خارج البلاد التي سكت فيها تبيّن مدى النشاط السياسي والتجاري لبعض الدول.
مثل: العملة الصينية والهندية التي عثر عليها في شرق القارة الإفريقية، وكذلك العملة العربية التي عثر عليها في شمال غرب أوروبا. وأثار العملات الإيطالية في المشرق العربي، والفلورن الفلورنسي في أنحاء أوروبا عند عصر النهضة، ومن كل ذلك نستطيع أن نستخرج الأدلة التاريخية في ميدان دراسة التاريخ رغم صحة الوثائق والنصوص.
إن الأساطير والرموز الدينية والشعارات السياسية والتذكارات التاريخية كانت الدولة تستخدمها تنشر أفكار معينة. وذلك لأن العملة سريعة التنقل بين الناس، خصوصاً أن الصورة كانت أكثر تعبيراً وأثراً من الكتابة إذا وضعنا في الحسبان نسبة الأمية عالية الارتفاع بين الشعوب في تلك الآونة.
وهناك كثير من الشعارات كانت تستخدم لخدمة الجيوش والصراعات الحربية خصوصا، لأنها كانت تسك لدفع رواتب الجند في الدرجة الأولى، فمثلا : الإمبراطور أغسطس في غداة فتحه لمصر سك عملة تذكارية عليها صورة التمساح وهو أحد المعبودات شائعة العبادة في مصر القر عونية، وتعمل عبارة مفتضبة هي: (لقد فتحت مصر)، وكانت أبلغ شعار وأوجز كلمات أراد الإمبراطور نشرها بين الناس، وكان ذلك في زمن لم يعرف وسائل الإعلام بسطوتها الرهيبة والتي حولت عالمنا أجمع إلى قرية صغيرة.
وقد يكون هناك صعوبة في تفسير الرموز الدينية التي نراها على النقود القديمة لقلة معرفتنا بها. ولندرة المصادر التي تستطيع أن تفسر لنا معناها ودلالتها.
ولكن في أوروبا خلال العصور الوسيطة لدينا مصادر أدبية مصورة نشرح لنا معاني هذه الرموز ، فمثلا نقراً: أن رمز القسطنطينية في القرن السادس الميلادي هو رمز ربة الجمال الإغريقية (إفروديت). ولما جاء الإمبراطور طيبرويوس وغير هذا الرمز إلى الصليب عرفنا أن الإمبراطور جيستين الثاني صاحب فكرة إفروديت كان يعتنق الوثنية سرا.
لقد كانت الرسومات التي توضع على ظهر العملة أشبه برسومات طوابع البريد في أيامنا هذه. أي أنها كانت وسيلة للدعاية ولفت النظر إلى الأحداث المهمة التي تحدث في الدولة، أو إلى زعمائها، أو إلى آثارها، أو إلى أعلامها، ولو إلى تفوقها في مضمار معين، كل هذا يكشف لنا بجلاء ووضوح جوانب من تاريخ الدول القومي، في الوقت نفسه الذي بطالب فيه بتحكيم عقلية الحذر لأن المبالغة والتهويل كانت صفة عامة فى الدعاية القديمة، مما يجافي الحقائق التي توضحها الأدلة والبراهين التاريخية.
كما تلقي النقود أحياناً الضوء الساطع على بعض القضايا الدستورية التي تصمت الوثائق وكذلك أهل التاريخ عن الحديث عنها، فمثلاً: تكشف عن مدى استقلال الدويلات والمقاطعات حتى تمتلك عملة خاصة بها أو لنفسها. ولماذا يسمح الأباطرة لبعض الدويلات بسك عملة مستقلة داخل الإمبراطورية، ويرفضون هذا الحق بالنسبة لآخرين؟ وقد يكشف هذا مسائل دستورية وقانونية معقدة تحتاج إلى البحث والدراسة.
وهذا يجعلنا نسأل: هل كان سك العملة حق من حقوق الإمبراطور أو سلطة السيناتور والشعب الروماني، أو من سلطة حكام الولايات؟ ومتى يجوز ومتى لا يجوز سك العملة المحلية؟
والقارئ في تاريخ الاقتصاد والنظم الاقتصادية سوف يجد أدلة أخرى مهمة تساعده في هذا المضمار.
* باحث ومحاضر في الدراسات العربية والإسلامية.

