الأدب العربي الحديث.. وأزمة النص
عامر ملكاوي – الرياض
يعرف الأدب بأنه ذلك القلق الذي يترجم إلى نص إبداعي يحمل في سطوره هم الإنسان وهواجسه ويعبر عن دهشته من كل ما يحيط به، بالإضافة إلى محاولاته تقديم الحلول الممكنة لكل ما يقع على عاتقه من تداعيات الحياة بشكلها المجرد العام، وبناء على ذلك فإن الأدب العربي شأنه شأن أي أدب آخر في العالم، يحاول التعبير عن هموم ومشكلات وهواجس الإنسان العربي انطلاقا من الثقافة العربية التي تمثل البناء الأساسي للأدب العربي -مجال بحثنا.
والمراقب للأدب العربي الحديث لا بد له أن يتوقف عند مشكلتين أساسيتين يعاني منهما الأدب العربي في عصرنا هذا:
تمكن المشكلة الأولى في وجود أزمة نص عربي تنتحي منحى الانفتاح غير المتزن على النصوص الأخرى في العالم، والذي من شأنه الإتيان بمظاهر أدبية جديدة -وهذا يحسب للأدب العربي الحديث- وفي الوقت نفسه نعاني من تهميش الهوية التاريخية والثقافية للأدب العربي خلال بحثنا عن كل ما هو جديد، وإننا هنا لا نذهب إلى القول: أننا ننظر إلى الأمر من جهة نظرة سلبية، بل على العكس من ذلك فإننا نرى أن من شأن الانفتاح على الحضارات والثقافات الأخرى أن يثري مخزوننا الأدبي ويجعلنا على تواصل دائم مع كل ما هو جديد ومختلف، لكن يجب علينا أن ننتبه إلى أن مهمة الأديب الأولى هي المحافظة على الهوية التي تضمن وتحفظ تكوينه الفكري وبناءه الثقافي، كي يساهم فيه إثراء المشهد الأدبي في العالم ككل.
وما نلاحظه أن ما حصل ويحصل للأدب العربي الحديث هو العكس تماما، وقد أصبحنا نأخذ كل شيء ولا نعطي شيئا، وهذا إنما يعود إلى أسباب كثيرة، ربما نستطيع طرحها في مناسبة أخرى نخصصها لمناقشة هذه الأسباب بشكل نقدي وتحليلي.
ومن هنا فإننا نجد أن المشكلة الحقيقية التي يعاني منها أدبنا المعاصر هي ما تنتج عن تفاعلنا الغير مدروس مع الثقافات الأخرى من تهشيم لهوية الأدب العربي، ومن أهم الأمثلة على ذلك: تراجع إقبال الشعراء على كتابة القصيدة العمودية التي تعد إحدى الركائز الأساسية التي قام عليها هذا الأدب على مدى تاريخه الطويل.
أما المشكلة الثانية التي تواجه الأدب العربي الحديث فهي عدم قدرته على المنافسة والوصول إلى العالمية، وإذا حاولنا التعمق في هذا الشأن في محاولة جادة للبحث عن الأسباب المحتملة لهذا القصور فإننا نجد أن أصل المشكلة يمكن فيه طبيعة الخطاب الأدبي لدينا حيث أن الأديب العربي -بشكل عام- ينشغل بتفاصيل الواقع الذي يعيشه ويطرحها بأسلوب موجه للقارئ العربي على وجه الخصوص، بينما نرى أن ما يصلنا من الأدب العالمي إنما يشتغل على البعد الإنساني وجوهره، بحيث يتسع نطاق التلقي ليشمل أي إنسان في أي مكان في هذا العالم، وهذا هو سبب الانتشار العالمي لكتابات بعض الأدباء العرب الذين انتهجوا هذا الأسلوب في الطرح، ولا أذكر منهم على سبيل المثال: جبران خليل جبران، الذي لاقت أعماله انتشارا عالميا واسع النطاق.
ولا يسعنا في نهاية الحديث إلا التأكيد على قدرة أدبنا العربي على استيعاب كل ما هو جديد من الألوان الأدبية، وهذا ما يجعله أدبا راقيا ملتزما، في طوقه الذي يخاطب أي إنسان في هذا العالم، في حين تظل الثقافة العربية هي الهوية الإنسانية التي يحملها إلى العالم.

