تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

"مُسْلِيّة الغريب في كل أمر عجيب".. رحلةٌ إلى البرازيل 1865- 1871

"مُسْلِيّة الغريب في كل أمر عجيب".. رحلةٌ إلى البرازيل 1865- 1871

حجاج سلامة

احتل أدب الرحلة مساحة كبيرة في المكتبة العربية، وتعددت المؤلفات في هذا المجال ما بين تحقيق رحلات قديمة للرحّالة العرب، أو رحلات وسرديات أدبية معاصرة.

ويأتي كتاب (مُسليّة الغريب في كل أمر عجيب: رحلة إلى البرازيل 1865 – 1871), لعبدالرحمن بن عبدالله البغدادي الدمشقي، والذي حققته وعلقت عليه الباحثة السورية أحمدية إبراهيم النعسان، والذي صدر عن دار السويدي للنشر والتوزيع بأبوظبي، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، والذي جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة (2023 – 2024 ) عن فئة الرحلة المحقّقة، ضمن قائمة الكتب المُتميزة في مجالها، حيث يضم الكتاب بين صفحاته تفاصيل رحلة تتفرّد عن غيرها من رحلات العرب والمسلمين باتجاه أوروبا، وذلك لكونها بحسب مُحققتها أقل توتراً، إذ كانت وجهتها غرب آخر يختلف عن أوروبا والعلاقة معه أقل احتداماً، وأقرب إلى الصداقة منها إلى العداوة.

وقد نُشرت رحلة عبدالرحمن بن عبدالله البغدادي الدمشقي إلى البرازيل لأول مرة، مترجمة إلى التركية في عام 1871 في إسطنبول، ويمكن اعتبارها وثيقة بالغة الأهمية لما ورد فيها من أخبار ومشاهدات ومعلومات اجتماعية وسياسية تصدر للمرة الأولى عن مسلمي البرازيل وقيادتهم في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. ويُشكّل تحقيق نص تلك الرحلة ودراسته ونشره، إضافة ثمينة لخزانة أدب الرحلة المكتوب بالعربية.

وكما نُطالع في المقدمة التي كتبتها محققة الكتاب، فإن المؤلف عبد الرحمن بن عبدِ اللهِ البغدادي الدمشقي المدني الحسني الحسيني (ت 1298هـ / 1881م) ، فهو قاض وأديب وشاعر، ولد في بغداد، ونشأ في دمشق أولع بالسفر والترحال : وتأثر بفتنة 1860 في دمشق الشام، وعانى من عواقبها، حيث يروى أنه تعرض للسجن إبان تلك الفتنة. وقد أشار عبد الرحمن البغدادي إلى تلك المحنة في مقدمة  "مُسْلِيَّة الغريب"، ولذا فقد ترك دمشق إلى بغداد ثم إلى القسطنطينية المحروسة ليجد عملا هناك، فيجد وظيفة إمام في الأسطول وبالفعل أبحرَ الإمامُ في سنة (1282هـ / 1865م) مع الأسطولِ العثماني، الذي كان يحتل المرتبة الثالثة عالمياً.

وترك دمشق إلى بغداد، ثم إلى القسطنطينية ليجد وظيفة إمام في الأسطول البحري العثماني ليبحر في سنة 1865 مع الأسطول، أيام حكم السلطان عبد العزيز (1861-1876)، حيث انطلق مع سفينتين من اسطنبول جالتا البحر الأبيض المتوسط ومخرتا عباب الأطلسي، وصولا إلى ريو دي جانيرو في البرازيل سنة 1866، فاحتفي بهما من البرازيليين وزارهما في المرسى إمبراطور البلاد دون بيدرو الثاني (1825-1891),.

و بعد إقامة قصيرة غادرت السفينتان وبقى "البغدادي" في الربو دي جانيرو، لينهض بمهمة تعليم جالية من المسلمين الأفارقة قراءة القرآن وأصول الدين في استجابة شخصية منه لطلب قلة منهم أن يكون لهم معلمًا وإماما وسائحاً معاً "متفرجا في منتزهاتها طايفًا في فلواتها" زهاء ثلاث سنوات قضاها متنقلا بين ريو دي جانيرو، وباهيا، وببرنامبوك، وليُغادر بعد ذلك البرازيل في سنة 1869.

وبحسب مقدمة كتاب "مُسْلِيّة الغريب في كل أمر عجيب"، لعبدالرحمن بن عبدالله البغدادي الدمشقي، فقد راجت الرحلات منذ الأزل لتُبحر بقوّة دوافع متنوعة: عملية وعلمية وجاسوسية، وسفاريّة، ورُوحيّة وترويحيّة. ومع أن تجربةَ الرّحلة خاضها كثير من البشرِ إلا أنّ عدم روايتهم لها جعلَها مَنسيّةً، وأما الذين قدموا رواياتهم عنها فقد نقلوا تجربتهم الخاصة إلى حيّز التاريخ العام. 

وتفتح "مُسليّة الغريب في كل أمر عجيب"، التي قدّمها الرحّالة عبدالرحمن البغدادي، جسرًا بين الخاص والعام، بين الذاكرة الفرديّة والذاكرة الجَمعِيّة.

 ويرصد الكتاب "حضورٌ للغائب الماضي في الحاضر"، وكيف أن ذلك مثّل "صورةً مُلْغِزَةً وسِرِّيَّة". 

وبيّن لنا أنه بين الماضي و"مُسليّة الغريب" مستويان هما: التذكر والنسيان، مع ما لهما من مسارب إلى الخيال والمعرفة، فضلا عن أن "مُسليّة الغريب" – بحسب نص الكتاب -  تفتح جسرا بين عالمين مختلفين لكنهما في الوقت ذاته متصلان ولعل ما يربط بينهما أكثر مما يفرقهما.

ويدلنا الكتاب، على أنه "في الرحلات تتجلى مسارب وصلات متنوّعة بين الأديان والثقافات والأعراق والأفكار؛ فالبشر يعبرون الحدود دائمًا ويتجاوزونها متحدين كل الافتراضات المسبقة التي تحدّ تشوقهم إلى بعضهم".

 وقد نُشر نص "مُسْلِيَّة الغريب" أوّل مرة في عام 1871م في الأستانة، وترجمه إلى اللغة العثمانية بتصرف محمد شريف عنتبلي، وصدر عن المطبعة الـ "عامره"،  ثم ترجمه إلى التركية المعاصرة سنة 1987م رضا أكديمير ونشرته مطبعة "يلديز" في أنقرة، ثم قامت دار نشر "كنابفي" بنشره وترجمه "ن. أحمد أزالب"، وصدرت الطبعة الأولي عام 1995، ثم توالت الطبعات لدى دور نشر مختلفة.

أما الرواية الثانية نشرًا والأولى وجوداً عن هذه الرحلة فهي نص المؤلف بالعربية؛ والتي حققها البرازيلي اللبناني الأصل باولو فرح، وقد جاء ذلك تنفيذاً لمقررات القمة الأولى بين قادة الدول العربية وأمريكا الجنوبية التي انعقدت في عام 2005 ببرازيليا.

وقد أشار إعلان الدوحة بين قادة الدول العربية وأمريكا الجنوبية في عام 2009، إشارة صريحة إلى نشر هذا الكتاب كخطوة عملية لتعزيز العلاقات الثقافية بين مجموعة هذه الدول. 

وقد أصبحت "مُسليّة الغريب في كل أمر عجيب" مرجعا للباحثين في تاريخ البرازيل وحركات تمرد العبيد المبكرة – هناك -  في القرن التاسع عشر .

ويروي لنا الكتاب، كيف التقى "البغدادي" بالبرازيليين، وكيف استجاب لمطلبهم بأن يكون معلّمًا ،وإمامًا لهم، ويعبّر عن رغبته بالبقاء لدى السلطات البرازيلية "متفرجًا في متنزهاتها طائفًا في فلواتها، إذ بقى هناك زهاء ثلاث سنين متنقلاً بين مدنها، ثم يشتاقُ لسماع الأذان ولأهله وأصدقائه، ا فيقرِّرُ العودة إلى بلادِه ، ويَعِدُ مستضيفيه المسلمين بالعودة إليهم إن أرسلته الدولةُ العثمانيةُ،  حيث غادر البرازيل في سنة 1869م على الأرجح.

وفي رحلة العودة، يمر صاحب (مُسليّة الغريب في كل أمر عجيب: رحلة إلى البرازيل ( 1865 – 1871),، على مدن إسبانيا، وشمال أفريقيا، وجدة ومكة ،حيث أدى فريضة الحج وزار المسجد النبوي في المدينة المنوّرة، ثم عاد إلى دمشق "لرؤية الأهل والأولاد فيعدم صحة المزاج ويقع في مرض شديد يعزّ له العلاج"، وأخيرًا يصل إلى القسطنطينية، فيدوّن مشاهداته بالعربية في "مُسليّة الغريب"، وفوراً يترجمها محمد شريف عنتابي إلى اللغة التركية، وينشرها في عام 1871م بالمطبعة الحجرية العامرة في إسطنبول.

وكما أسلفنا، فإن هذه الرحلة تتميّز عن رحلات الغربيين إلى العالمين العربي والإسلامي باتجاهها المعاكس؛ فهي رحلة عربي مسلم إلى بلد غربي أجنبي، فيغدو "غريباً" كما في عنوانه "مُسليّة الغريب". كما أن العلاقة مع البرازيل هي علاقةً فقدان؛ فالانتماء إلى الثقافة الخاصة وعدم العيش في محيطها يسبب تجربة الفقدان هذه، والفقدان يستتبعه تغييرانِ: الأول داخلى يرتبط بتغـيـيـر الإنسان سلوكه وأفكاره ليتلاءم مع المحيط الخارجي، والآخرُ خارجي يقوم فيه الإنسان بإعادة ترتيب محيطه ليتلاءم مع ذاته وأفكاره.

وفي ترحاله المعتاد، والذي تواصل بعد رحلته إلى البرازيل، غادر عبد الرحمن البغدادي إلى المدينة المنورة وهناك استعمل لقب الحسني عوضا عن الحسيني، ، ثم غادر إلى الهند بين سنتي 1876-1877م ليؤرخ ديوانا في رحلته إليها.


"مُسْلِيّة الغريب في كل أمر عجيب"..  رحلةٌ إلى البرازيل 1865- 1871
Ehsan Logo