تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

قـرطبــة... مدينة العلم والمكتبات

قـرطبــة... مدينة العلم والمكتبات

بقلم: عبد الباقي خلف

 قرطبة درة مدن الأندلس ومقصد العلماء في زمانها وقرارة أولي الفضل والتقى، ووطن أولي العلم والتقى ومفخرة أهل العلم والإسلام، ومقصد الطلاب والفقهاء، أُلفت فيها التأليف العظيمة والكتب الرائقة، وصُنِّفت فيها المصنفات الضخمة، وقد بلغ الاهتمام بالكتب من العناية وبذل المال الكثير لشرائها درجة لم تبلغها مدينة في التاريخ، لهذا كانت أكثر بلاد الأندلسٍ كتباً وكان أهلها أكثر الناس اهتماماً واقتناء للكتب.

 وقد بلغ اهتمام قرطبة بالعلم والكتب والمكتبات حداً جعل أحد المفكرين الغربيين المعاصرين يتمنى لو أن المسلمين فتحوا فرنسا لتغدو باريس مثل قرطبة مركزاً مشاعاً للحضارة والعلوم ; فقد كان الشخص العادي يقرأ ويكتب بينما كان ملوك أوروبا وأمراؤها لا يعرفون كتابة أسمائهم. (1),

 لقد اشتغلت قرطبة بالورّاقين وحوانيت الوراقة التي كانت تقوم بالاهتمام بالكتب والعناية بها، بدءاً من الكتابة وخياطة الكتب وتجليدها، أي أنها كانت تلعب دَورَ دُورِ الطباعة والنشر فقد كان عند كل ورّاق جملةٌ من العاملين الكتبة الذين يقومون بالنسخ، بينما هناك من يُملي عليهم حتى قيل إن ما كان ينسخ في قرطبة وحدها من الكتب ما بين ستين وثمانين ألف كتابا سنويا. (2)

 كما أن قرطبة اشتهرت بالمكتبات العامة والخاصة الضخمة التي كانت تحتوي شتى صنوف في العالم، قد احتوت تلك المكتبات على آلاف المجلدات في مختلف فروع المعارف الإنسانية كالفلسفة والأدب والرياضيات والفلك والطب والصيدلة.

 قرطبة بمقصد البعثات العلمية 

إن ازدهار قرطبة في الآداب والعلوم جعلها مقصداً يشدُّ طلٌاب العلم الرّحال إليها من أوروبا للدراسة في معاهدها ومدارسها والاطلاع على خزائن كتبها والوقوف على أحدث ما أبدعته قرائح العلماء.

وعن طريق قرطبة عرف الأوروبـيـون لأول مرّة كتب اليونان القديمة والكتب الفارسية والهندية والسريانية التي ترجمت إلى اللغات الأوروبية عن العربية ; وذلك بسبب حفظ المكتبات الإسلامية لهذا التراث الإنساني العظيم.

عبد الرحمن الناصر 

إن من أقصر عصور قرطبة ازدهاراً وحضارة عصر الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي تولّى الخلافة سنة 300 هجرية وتوفى عام 350 هجرية، أي أن فترة حكمه استمرت 50 سنة.
  وكان هذا الخليفة مشهوراً بحبه الشديد للكتب حتى وصلت شهرته إلى أنحاء أوروبا حتى بيزنطة، وكذلك اشتهر في معظم أنحاء العالم الإسلامي.

 فهذا هو الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع يهدي الخليفة الناصر كتاباً جديداً غير معروف لديه; وذلك ليضمه إلى مكتبته بقصد استمالته والتقرب منه وكان الكتاب هو كتاب ديوسقوريدس في الطب. (3) 

 وقد اهتم الناصر بالعلم والأدب اهتماماً عظيماً فكان العلماء يقصدونه من كل أطراف البلاد، فأصبح قصره عاصمة للثقافة وقبلة للطلاب، وقد وفد إليه من الشرق الإسلامي العديد من العلماء والأدباء، منهم أبو علي القالي الذي أسند إليه أمر تعليم وتربية ابنه الحكم.

 وكان الناصر قد أسس في قصره مكتبه كبرى لا مثيل له في الأندلس، فقد كانت من أعظم خزائن الكتب، وحينما انقرضت دولة الأمويـيـن واستولى على الأندلس ملوك الطوائف ذهبت كتبها كل مذهب.(4)

المستنصر 

أما الحكم الثاني المستنصر ابن عبد الرحمن والذي تولى الخلافة بعد أبيه سنة 350 فكان محباً للعلم والثقافة وله معرفة بالتاريخ والأنساب، فكان يُحضر العلماء من البلاد البعيدة فيتحاور معهم في مختلف العلوم والمواضيع التي كانت تدرس في ذلك الوقت. (5)

 وكان الحكم يبعث فيه شراء الكتب إلى الأقطار رجالاً من التجار والرسل حاملين الأموال لشرائها حتى يجلب إلى الأندلس ما لم يعهدوه. (6)

 وقد روي عن الحكم أنه حين سمع عن تأليف أبي الفرج الأصفهاني لكتابه الأغاني أرسل ألف دينار من الذهب الذي يرسل له نسخة من كتابه ; وبذلك استطاع الحكم أن يحصل على الكتاب قبل أن ينتشر في العراق.

 كما أن الحاكم جمع بقصره الحذّاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد فاجتمع بالأندلس من الكتب ما لم يجتمع فيه مكان آخر. (7)

 ومن أشهر علماء قرطبة أبو القاسم الزهراوي المعروف في الغرب باسم Abul casis  حيث تعتبر كتاباته في الجراحة والأدوات الجراحية المساهمة العربية البارزة في هذا الميدان الطبي، كما يقول مونت جمري وات. (8) أما في علم فلك فقد صنف في القرن العاشر الميلادي تقويم سُمَّي بتقويم قرطبة شُكّل بطريقة تشتمل على الأحداث الزراعية والجوية والفلكية ذات الأهمية للفلاحين. (9) صنّفه العالم الفلكي ربيع ابن زيد وأهداه إلى الحكم. (10)

 ابن المطرف

 من أشهر الشخصيات الأندلسية التي عشقت الكتب عشقاً لا حدود لها ابن المطرف الذي كان قاضي قضاة قرطبة. هذا الرجل الذي جمع من الكتب في شتى صنوف العلم ما لم يجمعه أحد في عصره بالأندلس، وكان من كبار المحدّثين والعلماء والمتبحِّرين وكانت له مشاركة في سائر العلوم التي كانت في عصره، فقد رُوي أنه كان يستخدم ستة ورّاقين كتٌاباً يكتبون له بالأجرة فيعملون عنده كالعمال الكتبة، وكان قد رتٌب لهم على عملهم راتباً معلوماً، فإذا علم بكتاب قيّم عند أحد من الناس طلبه فإنه باعه اشتراه منه وإلا استنسخه كله. (11), 

وقد رَوَي ابن بشكوال عن أحد أحفاد ابن المطرف أن أهل قرطبة مكثوا عاماً كاملاً وهم يبيعوا كتبه وإن حصيلة ذلك كانت أربعين ألف دينار، وكانت مكتبة ابن المطرف في الدرجة الثانية بعد مكتبة الخليفة.

كما ذكر أن مكتبته كانت قد صُمِّمت بطريقة فنية رائعة، صممها مهندسون زوو خبرة بحيث يستطيع الزائر من زاوية خاصة أن يرى جميع الأرفف.

 وكانت تحتوي على قاعة أنيقة وجدراناً وشرفات جميلة ووسائد غالية كلها باللون الأخضر الذي يرمز إلى شرف وعراقة هذا الرجل الذي ينتمي إلى أسره قرطبية ماجدة. (12)

 ومن بين أهل قرطبة ممن اشتهر بجمع الكتب، جعفر بن مكي القيسي، أحد علماء اللغة، وقد كان عالماً بالآداب واللغات وجمع من ذلك كتباً كثيرة.

 كما أن منهم سلمة بن سعيد الذي سافر من أستجة بالأندلس إلى مصر في الشرق الإسلامي، وأقام فترة يجمع خلالها كتب العلم من كل مكان ليرجع بعدها حاملاً تلك الكتب وقد بذل لها الأموال الكثيرة.

ولم يقتصر جمع الكتب واللي الاهتمام بها على الرجال وحدهم، بل كان لنساء قرطبة أيضاً نصيب، فاشتهرت الكثيرات منهن بحب العلم وفنون المعرفة وجمع الكتب والعناية بها، فقد ذُكر أنه كانت للخليفة الحكم بن عبد الرحمن كاتبة اسمها لبنى وكانت لها موهبة قوية في الكتابة وقرض الشعر واهتمام بالحساب وفنون أخرى من العلم.

 وكذلك منهم عائشة بنت أحمد بن قادم، أشار إليها ابن حيان وذكر أنه كانت ذات علم وأدب، وأنها تميزت بالفصاحة والعفة، وكانت تكتب المصحف الشريف والكتب المتنوعة وتجمع الكتب عندها حيث امتلكت خزانة كتب ضخمة.

 حزم المعلم 

هذا الرجل كان يعيش حياة بسيطة يعلّم الأولاد ويكتسب من مهنته بتواضع شديد، وكان يشغل ساعات فراغه في نسخ الكتب التي يستعيرها من أصحاب خزائن الكتب، وكان الناس يحسدونه على دقة مخطوطاته وجمالها. كان فقيراً يعيش شظف العيش لكن مكتبته الرائعة الضخمة كانت تدل على ولعه الشديد بالعلم والكتب.

 لقد زاحمت قرطبة مدن الشرق كالقاهرة وبغداد ودمشق من فنون العلم والأدب حتى جذبت طلاب العلم من الشرق بسائر بلاده ومن أوروبا من أرجائها ليتزود هؤلاء من مناهل العلم والثقافة الإسلامية.

الهوامش:

  1. الحضارة العربية الإسلامية للأستاذ شوقي أبو خليل، نشر كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس 1987م، صفحة (258) ، والمفكر الغربي المذكور هو الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودى.

  2. التربية الإسلامية في الأندلس، تأليف: خوليان ريبيرا، دار المعارف، القاهرة صفحة (212).

  3. المصدر نفسه صفحة (190).

  4. صبح الأعشى في صناعة الإنشا، للقلقشندي، المؤسسة المصرية العامة للتأليف 1963- ج 1/467.

  5. الأعلام للزركلي، طبعة خامسة، دار العلم للملايين 1980 م، ج 2/267.

  6. نفح الطِيب من غصن الأندلس الرطيب – دار صادر بيروت 1968، ج1/385.

  7. المصدر نفسه صفحة 1/358.

  8. فضل الإسلام على الحضارة الغربية، تأليف: مونت جمري وات، ترجمة حسين أحمد أمين، الطبعة الأولى 1983م، صفحة (57).

  9. العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية، تأليف: دونالد رهيل ، ترجمة الدكتور أحمد باشا ، من منشورات المجلس الوطنى للثقافة والفنون و الآداب ،الكويت العدد (305) يوليو 2004 م صفحة ( 57) .

  10. مجلية الدعوة الإسلامية طرابلس، ليبيا، العدد السابع 1990 م من مقال بعنوان: ازدهار حركة الكتب والمكتبات بالأندلس للأستاذ مفتاح محمد دياب صفحة (260).

  11. كتاب الصلة لابن بشكوال /الدار المصرية 1966م القاهرة صفحة 1/310.

  12. التربية الإسلامية في الأندلس صفحة (196).

  13. مجلة الدعوة الإسلامية صفحة (255).


قـرطبــة... مدينة العلم والمكتبات
Ehsan Logo