تعد رمزا أصيلا لسكان الجزيرة العربية الإبل حياة موازية على مر العصور لحياة الإنسان العربي
للإبل حضورها الكثيف في التراث العربي، وفي الحياة في جزيرة العرب بشكل عام، فهي تعد رمزاً أصيلاً للحياة في الصحراء، ولها ارتباط ثقافي واجتماعي واقتصادي مؤثر في تاريخ وحياة الإنسان العربي على مر العصور، بها تنقل، وبها عاش، وبها رصد الجوائز في السباقات القديمة، بمكافآت المائة ناقة، وبها تاجر، وبها وصف بالكرم وعنها كتب القصائد والدواوين.
وربط العرب فنهم الإبداعي الأول ( الشعر) بمقولة باقية حين قالوا: " لن يترك العرب الشعر حتى تترك الإبل الحنين" كرمزية على وجودهما الدائم معا في الحياة العربية.
علاقة ومناجاة:
تعتبر الإبل من أكثر الحيوانات التصاقاً بمالكها، خاصةً في جزيرة العرب، حيث نشأت بينهم قصص حب وود ووفاء، وقد وردت العديد من القصص التي تدل على ذلك وتؤكده فالأبل دائمة التعلق بصاحبها وكثيرة التودد إليه، خاصةً إذا كان يعاملها بحب ورحمة، فتراها تحفظ صوته وتعرف مناجاته وتستلذ بحدائه وتستجيب لمطالبه، فتراها كثيرة الاقتراب منه فتشمه وتحك رأسها بجسده في تعبير عن حبها له، واذا افتقدته لعدة أيام وشاهدته من بعيد تجري فرحة بقدومه، وتطلق صوت حنينها فرحة بقدومه، بل وتمسح برأسها عليه تعبيراً عن حبها له.
وعلى عكس علاقة الود التي تربط الإنسان بالإبل، فإنه في المقابل يكون هناك حقد وانتقام منها عندما تتعرض للاعتداء أو الإهانة من أحد، بالقدر الذي تحفظ فيه المحبة والود لمن يحسن إليها، حيث إنها لا تنسى من قام بمعاقبتها أو الاعتداء عليها ولو مرّ على هذه الحادثة سنين، فإنها لابد أن تنتقم ممن فعل بها ذلك، وضرب العرب بها المثل قديماً فقالوا: "أحقد من جمل"، كناية عن الإنسان الذي يحقد على من أساء إليه وكأنه حقد كحقد الجمل الذي لا ينسى.
ألوان ومسميات:
عند الحديث عن الإبل لابد أن نعرج على مسمياتها الكثيرة، والتي منها "الهجن"، "البعارين"، أما ألوانها فمتعددة فمنها "المجاهيم"، وهي الأطيب حليباً والأغزر، وتتميز بأن آذانها مرتفعة وذيلها طويل وعريض وجسمها أعرض وأضخم، ومواطئها أكبر، ومن أنواعها أيضاً "المغاتير" ذات اللون الأبيض والجميل، وتتميز بآذانها المرتخية وذيلها القصير واستجابتها للراعي سريعة فهي سهلة "التطبيع"، ومنها "الصفر" و"الشعل" و"الوضح" و"الملح"، وكل لون من هذه الألوان له محبوه وعشاقه، لذا تجد كل مجموعة من الإبل ذات لون واحد لدى مالكها، أما تسمية مجموعاتها فيتم بحسب أعدادها، فمثلاً إذا كان عددها يقارب العشرين فما فوق تسمى "ذوداً"، وما قل عن العشرين فتسمى "نوق" أو "منايح"، وما زاد عن المئة فتسمى "خابط"، أما تسمية "البعير" فتكون على حسب سنّه، حيث يسمى في صغره وعند ولادته "حوار"، ثم إذا شب وكبر سُمي "حاشي" أو "قعود"، وإذا كبر سمي "بعيراً"، أمّا الأنثى فتسمى "بكرة"، أما إذا كبرت وهرمت فتسمى "فاطر".
مهام متنوعة:
من أشهر مهام الجمال هي ركوبها والحمل عليها في السفر، حيث تقطع الفيافي والقفار عدة أيام دون الحاجة إلى التزود بالماء، فلا عجب إذا ما سُميت ب"سفينة الصحراء"، كما أنها من أفضل المراكب للنساء، حيث يوضع على ظهرها "الهودج" الذي يتسع للمرأة ويسمح لها بالحركة بحرية دون الحاجة إلى استخدام الخمار، وذلك لكبر "الهودج" وتغطية جميع جهاته بالقماش الذي يمنع رؤية من كان داخل "الهودج"، ويسمح للهواء والضوء بالمرور، ومن المهام التي تمتاز بها الإبل أيضاً استخدامها لحمل الأشياء الثقيلة كالحطب والخيام والبضائع أثناء السفر، مما لا يستطيعه أي حيوان آخر، أمّا في الزراعة فلها شأن آخر، حيث إنها من أفضل الحيوانات التي تستخدم في إخراج الماء من الآبار في المزارع، وذلك عن طريق السقيا بالسواني، حيث تدور في "المنحاة" التي بجانب البئر ذهاباً وإيابا دون كلل أو ملل، وتتحمل وتصبر على هذا العمل الشاق الذي قد يستغرق نهارها كله، ولعل من أهم فوائدها هو شرب لبنها وأكل لحمها اللذيذ والانتفاع بوبرها وصوفها.
رمزية الإبل:
وجاء ذكر الإبل في القران الكريم والسنة النبوية، دليلًاً على مكانتها، قال تعالى ( أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ )، وفي هذه الآية الكريمة خص الله سبحانه وتعالى ـ الإبل من بين مخلوقاته الحية، وجعل النظر إلى كيفية خلقها أسبق من التأمل في كيفية رفع السموات ونصب الجبال وتسطيح الأرض، ويدعو إلى أن يكون النظر والتأمل في هذه المخلوقات مدخلاً إلى الإيمان الخالص بقدرة الخالق وبديع صنعه .
وأفاض العرب في ذكر الإبل في كتبهم نثرا وشعراً، حتى أصبحت خصائصها مضرباً للأمثال في النصوص الأدبية، ومن أشهر الأمثال والحكم عند العرب التي ذكرت فيها الإبل : " لا ناقة لي فيها ولا جمل" ويضرب لمن يطلب منه الاشتراك في أمر لا يهمه، و قال العرب " أخف حملاً من بعير" ويضرب للقوي الذي لا يتأثر بالأثقال، وقيل "جاءوا على بكرة ابيهم" ضرب لمن يأتون جميعاً ولم يتخلف منهم أحد،
وقال العرب أيضا " اعقل وتوكل" ويضرب في أخذ الأسباب والاحتياط للمضي قدما فيما يريد ثم الاتكال، إضافة إلى قولهم " ما هكذا تورد الإبل" ويقال لمن قام بعمل شيء ولم يحسنه .
كانت الإبل في زمن مضى من أغلى ما يملك الإنسان على الإطلاق، فقد كانت نعم المعين في التكيف مع ظروف الحياة الشاقة القاسية، فعليها يبلغ حاجته بالسفر من مكان إلى مكان في أوعر الطرق وأشدها قساوة، كقطع مفاوز الصحراء التي لا يستطيع أي حيوان ركوب أن يقطعها، إذ تتحمل الابل غزارة الرمال وحرارتها العالية، وتصبر على شح الماء والكلاء، وتستطيع المشي أياماً دون الحاجة إلى التزود بالماء والعشب، كما أنها تستطيع حمل الثقيل من العتاد كبيوت الشعر من مكان إلى آخر، وهو عادة البدو الرحل طلباً للعشب والماء، أمّا حليبها فله مذاق خاص فهو غذاء متكامل يمنح الجسم طاقة عالية، ومن الأمور التي حببت إنسان هذه البلاد لهذه الإبل هو ذكاؤها وخبرتها في المراعي، فهي تشيم البرق وقت نزول المطر، ولو كانت بينها وبينه مئات الكيلومترات، كما أنها من أندر الحيوانات في حب وطنها الأول الذي لا يمكن أن تنساه، فهي ستعود إليه حتماً مهما طال الزمن على فراقها له، فالناقة تترك القطيع وتعود إلى وطنها ومراتع صباها، وتعرف البئر الذي شربت منه ولو لمرة واحدة، فهي ستعود إليه دون إن تخطئ الطريق ولو بعد سنين.
واتخذ جيل اليوم الابل للزينة والتفاخر، ولم تعد تخدم صاحبها، بل انعكست الآية فصار هو يخدمها ويصرف جل وقته وجهده وماله من أجل العناية بها، فنشأ من ذلك تفاخر أفرز الدخول في منافسات بين ملاكها من أجل اقتناء المتميز منها شكلاً وهيئة، وصارت تباع بأغلى الأثمان وتجاوز سعر بعضها أسعار السيارات الفاخرة الفارهة، وربما في بعض الأحيان اليخوت والطائرات الصغيرة،كما انتشرت بالمملكة والخليج وبعض الدول العربية سباقات الهجن، وأقيمت للإبل مهرجانات متنوعة.
هذا الأمر يجعل الإنسان يتساءل ما هي المميزات التي تجعل من أسعار بعض فصائل الإبل ترتفع ارتفاعاً خيالياً؟، يجعل الملاك يتبارون في المغالاة فيها، ويحاولون الحصول على أجودها، فالشخص العادي يجدها متشابهة إلاّ أن للبعض من المهتمين علامات يستدلون بها على جودتها.

