عالمية اللغة العربية
د. محمد وليد عبد الله كامل
أنزل القرآن الكريم بلسان نبي الإسلام رحمة مهداة للعالمين، وهو لسان عربي مبين، توحدت فيه اللهجات كي يكون نذيراً وبشيراً للعالمين، واتسم هذا اللسان بكل المقومات التي جعلت انتشاره ميسراً بين الناس، وما جعل القرآن الكريم بلغات أخرى لأنها لا تملك إسعاد الناس، فهو الذي يقر باختلاف ألسن البشر مثل اختلاف ألوانهم فتلك آيات للعالمين.
جذور اللغة البدائية:
لكل عصر ثوابته من المشاهد، وإن الشاهد على تطور اللغة خلال العصور القديمة، هي الأدوات التي كانت تستعمل وبقيت غير متأثرة بالأحداث التي جرت على سطح كوكب الأرض، ومن هذه الأدوات منها ما كان من الحجر ومنها ما كان من الخشب، وهي أدوات استعملت للدفاع عن النفس أو للصيد أو للأشياء أخرى، فلقد استخدمت الميقاتية الجيولوجية لتقدير عمر الأدوات الحجرية كما استخدمت الميقانية الحيوية لتقدير عمر الأدوات الخشبية، ومن الأدوات الحجرية التي عثر عليها في جنوب إفريقيا من العصر الحجري الأدنى سلاح قبضة اليد. وقدر عمر ذلك السلاح بنحو ٦٠٠ ألف سنة، كما عثر في أوروبا المركزية على أسلحة وأدوات حجرية تمثل مراحل انتقالية غير معروفة التاريخ. وعثر أيضاً على أدوات خشبية وعظمية تمثل مراحل متأخرة عن المراحل الانتقالية وقدر عمرها بين ۱5۰۰۰ وبين ١٠٠٠٠ سنة، وهناك أدوات قدر عمرها بنحو ٨٠٠٠ سنة.
لم يكن انتشار تلك الأدوات المصنوعة من مواد مختلفة من حجر وخشب وعظام في مناطق جغرافية واسعة اعتباطياً. بل كان من فعل الإنسان، إلا أن الدراسات التي تناولت الحمض النووي DNA أو الترددات الوراثية لبقايا الإنسان في إفريقيا وأوروبا قد أظهرت أن عمر الإنسان على الأرض بين 100 وبين ٦٠ ألف سنة، ومهما كانت درجة الدقة في تاريخ وجود الإنسان
الدراسات لحمض الـ (DNA) أظهرت أن عمر الإنسان بين ١٠٠ و٦٠ ألف سنة
كبيرة أو ضعيفة، فإنه قد استطاع أن ينشر ثقافته ويحقق تقدماً في انتشار أدوات حضارته البدائية في مواقع مختلفة من أفريقيا إلى أوروبا مروراً بحوض البحر الأبيض المتوسط، وهذا يسمح بافتراض أنه كان يجيد لغة بدائية قادرة على تبادل المعرفة في مواقع جغرافية متباينة، وأن هذه اللغة البدائية كانت معروفة من قبل الإنسان في تلك المواقع المختلفة، أما الحديث عن نوعية هذه اللغة وقواعدها وجذورها فهو محور بحث في علوم الآثار التي تتعلق بعلم اللغات في العالم.
لغة تموت ولهجات تتشكل:
لم تظهر اللغة المكتوبة إلا بعد نشوء اللغة المحكية بألاف السنين، وما قدمته الرقم والألواح من نقوش ما هي إلا صور لما يعرف بالكتابة السومرية حوالي عام ٣٥٠٠ ق. م وبالكتابة الهيروغليفية المصرية حوالي ۳۰۰۰ ق. م وبالكتابة الصينية حوالي ١٥٠٠ ق. م وبالكتابة الإغريقية حوالي ١٤٠٠ ق. م وبالكتابة اللاتينية حوالي ٥٠٠ ق. م، وتشكلت من اللغة اللاتينية Langue parle والمكتوبة المحكية Langue Errite لهجات اقليمية انتشرت مع انتشار الرومان في أوروبا وآسيا .
وبعد انهيار الإمبراطورية الرومانية Empire Romaine أخذت اللهجات الإقليمية تتطور تدريجياً في مساحات جغرافية متباعدة فتشكلت منها لغات تنتمي إلى مجموعة اللغات الرومانسية التي بدورها تتبع عائلة هند – أوروبية التي تضم ثمانية مجموعات من لغات الشعوب أو القبائل التي عاشت في المنطقة الواقعة شمال البحر الأسود و، ثم هاجرت في اتجاهات مختلفة لتجعل من لغتها الام لغات بنات متعددة منها :
الألبانية
الأرمنية
الإغريقية
الرومانسية: الإيطالية – الفرنسية – البرتغالية – السردينية – الرومانية – الاسبانية .
يوجد ما بين ٤٥٠٠ إلى ٦٠٠٠ لغة محكية بين سكان الأرض
الجرمانية: الانجليزية – الألمانية – الدنماركية – الهولندية – الأيسلندية – الترويجية – السويدية.
السلافية: التشيكية – الروسية – السلوفاكية – البلغارية – الأوكرانية – الصربوكرواتية – السلوفينية – اللتوانية – اللاتفية.
السلتية: الويلزية – الايرلندية – الغيلية – الاسكتلندية – البريتانية .
الهندو ايرانية: الهندية – الأردية – البنغالية – الفارسية – الباشنو.
لغات وعلماء:
لغة الإنسان مفردات وجمل منطوقة، وقد تكون تلك اللغة المحكية مكتوبة أو غير قابلة للكتابة لافتقارها إلى الرموز، وترميز الحروف وجمعها في قوالب ترتكز على قواعد مفهومة تسهل من كتابة اللغة وتمييزها عن اللغات الأخرى، إذ تمكن علماء اللغة من التمييز بين ٤٥٠٠ أو ٦٠٠٠ لغة محكية حالياً بين سكان كوكب الأرض، وأنه من بين تلك اللغات ٢٠٠٠ لغة منطوقة لا تدخل اللهجات فيها.
إن الربط بين اللغة والشعب أو القبيلة هو الذي يحدد أهمية تلك اللغة المحكية وسعة انتشارها، فكثير من اللغات تعتبر ميتة لعدم وجود من ينطق بها، إذ أن اللغات كالبشر تموت وتحيا ثم تموت ثم تحيا من جديد مثل ذلك اللغة العبرانية الحديثة التي أعيد استعمالها بعد أن مضى عليها أكثر من ٢٦٠٠ سنة من اختفائها النسبي، وما أعيد استعمالها من جديد إلا لأسباب سياسية وأيدلوجية. ومن بين هذا العدد الكبير للغات التي كانت معروفة يوجد فقط 100 لغة ينطق بكل منها أكثر من مليون إنسان، ويمكن القول أيضاً أن ١٩ لغة فقط من بين تلك اللغات ينطق بها أكثر من ٥٠ مليون إنسان مثل اللغة العربية والبنغالية والصينية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والهندية والإيطالية واليابانية والكورية والملايوية – الإندونيسية والماراثية والبرتغالية والروسية والإسبانية والتأميلية والثيلوجية والأردية.
إن محاولة الربط بين لغة وأخرى هي من اختصاص علماء اللغة، ومن بين هؤلاء ابن حزم الأندلسي الذي توصل في القرن الحادي عشر الميلادي إلى اعتبار اللغات أسر كالبشر، وأن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مصر لا لغة حمير، لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكنها. وفي عام ١٧٨٦م اعتبر القاضي السير وليام جونس Sir William Jones
اللغات السامية تنتمي إلى عائلة كبرى هي الأفرو – اسيوية
أن اللغات المتباعدة ظاهرياً مثل اللغات اللاتينية والسلافية والجرمانية يمكن أن يكون لها أصل مشترك ، وحاول عبثاً هولجير بيدرسين Holger Pedersen عام ١٩٠٥م القول إن عائلة الهندو – أوروبية هي فرع من عائلة أكثر تقدماً تدعى نوستراتيك Nostratique التي تضم مجموعات لغوية بالإضافة إلى مجموعة اللغة السامية Semitique، ألا أن عالم اللغة جوزيف غرينبرغ Joseph Greenberg لم يوافق بيدرسين في انتماء عائلة لغات الهندو – أوروبية إلى نوستراتيك بل قال إنها تنتمي إلى عائلة أخرى تعرف بالأور – آسيوية Eurasiatique واستبعد مجموعة اللغات السامية منها ، وفي عام ١٩١٥م وجد إدوارد سابير Edward Sapir أن اللغات الهندية الأمريكية التي تنتشر في شمال ووسط وجنوب أمريكا تتبع عائلة كبرى تدعى أميريند Amerinde وعائلة أخرى هي ديني – قوكازي – Dene Caucasien ، إذ تضم اللغات الهندية الأمريكية أكثر من ١٠٠٠ لغة ينطق بها أقل من ٢٠ مليون إنسان ، ونظرا لصعوبة تصنيف اللغات في عوائل تشترك بخواص محددة فقد أدخل فيرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure عام ١٩١٣م مفهومي البنية والنظام & Streture Systeme وبذلك استطاع رومان جاکوبسن Roman Jacobson عام ۱۹۷۲م الحديث عن فكرة انتشار اللغات – في قوس قزح – في مجال علم الصوتيات Phonologie
اللغات السامية:
إن كانت اللغات الإندو – أوروبية تنتمي إلى عائلة كبرى هي أور – آسيوية Eurasiatique ( اللون الأزرق ) فإن اللغات السامية تنتمي إلى عائلة كبرى أيضاً تعرف بالأفرو آسيوية Afro -asiatique وتعتبر اللغات السامية أقدم اللغات في العالم ، منها الأكادية والعبرية والآرامية والإيبلاوية ( نسبة إلى مدينة إيبلا التي تقع على بعد ٦٥ كم جنوب غربي مدينة حلب الشهباء ) والعربية واللغات الجنوبية والإثيوبية ، وتعرف الكتابة القديمة للأكادية والبابلية والإيبلاوية بالمسمارية أو الإسفينية ، ويعتقد بعض علماء الأنثروبولوجيا أن الساميين هم شعوب مترحلة في شبه الجزيرة العربية ، ثم رحل السومريون إلى جنوب بلاد الرافدين عام ۲۰۰۰ ق . م. ومن بعدهم الأكاديون الذين أسس لهم سرجون الأول إمبراطورية عام ۲۳۰۰ ق. م انتشرت في بلاد الرافدين، وينتمي إلى السامية أيضاً شعوب سكنت بلاد الرافدين وبلاد الشام وشمال إفريقيا والحبشة مثل الأشوريين والبابليين والإيبلاويين والكنعانيين والفينيقيين (حيث نشروا ثقافتهم السامية في حوض البحر المتوسط – قرطاجنة – تونس) والآراميين والأوغارتيين والسريان والعبرانيين والأنباط والقبائل العربية. فمنهم كان الأنبياء جميعاً وفيهم نزلت الرسالات السماوية: التوراة والإنجيل والقرآن الكريم.
وتشترك اللغات السامية على اختلاف فروعها بسمات تميزها عن اللغات الأخرى التي تنتمي إلى عائلة الهندو= أوروبية، ومن فروع اللغات السامية نذكر ما يلي:
الأكادية: البابلية والأشورية.
الكنعانية: الفينيقية والبونية والعبرية.
الآرامية: السريانية والآرامية العربية
الحامية: الليبية القديمة والبربرية.
العربية: العربية الفصحى والنهجات المحلية والحميرية
الإثيوبية: الجعزية والأمهرية.
الحامية السامية: المصرية القديمة والقبطية.
الكوشية: الجالا والصومالية والبجا.
لغة العرب:
لسان القوم لغتهم، كما أن لسان الشعب لغته، ولغة القوم أو الشعب في موقع ما أداة التفاهم والتعارف مع غيرهم في مواقع أخرى، فإذا كانت اللغة محكية فقط اقتصر ذلك على الرحلات والهجرات، أما إذا كانت اللغة منطوقة ومكتوبة تحقق التواصل من خلال النشرات والرسائل والمخطوطات، فلغة العرب السامية عرفت من خلال النقوش الثمودية واللحيانية والصفوية ما بين ٥٠٠ ق. م و٥٠٠ ب. م ومن ثم استبدل النقش بالخط النبطي، ولم يتخذ الخط العربي أصالته إلا بعد أن تحرر من النبطية وكتب به الحجازيون المواثيق والأحلاف والصكوك والرسائل والمعلقات الشعرية خلال قرنين من الزمان قبل بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام رسولاً إلى العالمين برسالة الإسلام .
عرفت جزيرة العرب لهجات محلية عديدة منها : لهجة كنانة وهذيل وثقيف وخزاعة وأسد وعرب الحجاز – ولهجة تميم وقيس في وسط الجزيرة العربية، ولهجة ربيعة في الشمال ولهجة قريش، إلا أن القرآن الكريم وحد هذه اللهجات في لغة فصيحة واحدة قائمة في الأساس على لهجة قريش بسبب وجود الكعبة وتأثر اللهجات الأخرى بلهجة قريش ، فحلت اللغة العربية مع انتشار الإسلام محل اللغة الحميرية في جنوبي الجزيرة العربية، ومحل اللغة الآرامية في فلسطين وسوريا والعراق، ومحل القبطية في مصر ، وخلفت لهجات البربر في شمال إفريقيا ، ومن ثم أثرت في الفارسية والأردية والتركية والبشتو ولغة الملايو واللغات واللهجات الإفريقية ، ولم يكن أمام بعض لغات عائلة الهندو – أوروبية مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية إلا أن تحتفظ لنفسها ببعض الألفاظ العربية كونها مصطلحات علمية لا بديل لها في لغاتها.
لم نكن اللغة العربية الفصحى كسائر اللغات العالمية، بل هي لغة القرآن الكريم الكتاب المقدس للمسلمين جميعاً. فيه كتب قيمة رسالات الأنبياء ما قبل رسالة الإسلام التي بعث بها النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، فيه تفصيلات لكل شيء من خلق آدم عليه السلام إلى ما بعد قيام الساعة. فيه أسباب الشفاء من الأمراض النفسية التي تعاني منها شعوب وقبائل الأرض، فيه آيات محكمات من أم الكتاب.
تختلف الكلمات من لغة الأخرى، أما الكلمات العربية فقد بقيت محور اهتمام علماء اللغة العربية لكونها مفردات القرآن الكريم، فوضع أبو الأسود الدؤلي طريقة لضبط حركات الكلمات، كما وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي طريقة أخرى، أما تنقيط الكلمات فقام بها نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر العدواني وكذلك ترتيب الحروف هجائياً على النحو التالي:
ب – ت – ث – ج – ح – خ – د – ذ – ر – ز – س – ش – ص – ض– ط – ظ – ع – غ – ف – ق – ك – ل – م – ن – و– ه – ي.
إذا كانت تلك الحروف ترتب أبجدياً في القديم على النحو التالي: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت تحذ ضظغ ،وبعد ذلك أخذ الحرف العربي دوره كحرف عالمي استعملته اللغات الأخرى كالفارسية والأردية والبشتو والملايو والهوسا والفلانية والكانوري، كما أنه كان إلى عهد قريب مكتوباً في اللغة التركية والسواحلية والصومالية ، إذ كان الحرف العربي جميلاً في كتابته وهذا الجمال استرعى اهتمام نخبة من الخطاطين زينوا به جدران المساجد وسقوفها وواجهات الدور والأسواق والخانات والسبل بأشكاله المختلفة : النسخ والرقعة والثلث والفارسي والديواني والكوفي والمغربي .
لا يمكن أن يحل محل اللغة العربية لغة أخرى أو لهجة أخرى مهما حاول أعداء الفصحى. فيدونها يفقد العرب لغتهم القومية، وبدونها يفقد الإنسان علاقته مع رب السماوات والأرض، فمهما حاول الإنسان التعبد بلغته أو بلهجته فلن
العربية الفصحى واللهجات المحلية والحميرية من فروع اللغات السامية القرآن الكريم وحد اللهجات العربية في لغة واحدة هي لغة قريش.
يستطيع تحقيق الراحة النفسية والاطمئنان القلبي إلا بترديد كلمات القرآن الكريم وآياته، وستبقى اللغة العربية هي اللغة المرشحة كي تكون لغة عالمية لأنها لغة القرآن الكريم، ولأن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ القرآن الكريم من التحريف والتزييف والفساد والضباع بقوله تعالى ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) الآية9 من سورة الحجر.
ولا يفهم من ذلك أن انتشار اللغة العربية عالمياً سوق يكون على حساب اللغات الأخرى، بل إن انتشارها عالمياً سيحفظ للغات والشعوب الأخرى وجودها، لأن اختلاف الناس في لغاتهم مثل اختلاف الناس في ألوانهم، وما هذا الاختلاف في اللسان واللون إلا آية من آيات الله تعالى في هذا الكون.
ولا يمكن لأي إنسان مهما ملك من القوة والقدرة أن يتجاهل هذا الاختلاف وأن يحاول فرض لغته ولونه على الناس جميعاً، لأن ذلك يخالف حكمة الله تعالى في خلقه ومخلوقاته، وما ذلك الإنسان إلا مخلوق وعليه أن يقرّ بالاختلاف

