تأملات روحية في شعر عبدالعزيز خوجة ورحلة البدء والمنتهى
عبدالله السمطي
يُعنونُ الدكتور عبدالعزيز خوجة ديوانا شاملًا له بعنوان:" رحلة البدء والمنتهى" وهو الديوان الذي نسطّرُ فيه رؤيتنا النقدية القارئة بوصفه نموذجًا في تنوع القصائد، وتعدد دلالاتها ومضامينها ورؤاها الفنية.
إن العنوان يجمع – ضمنيًّا – مسافة تعبيرية زمنية، بين البدء والمنتهى، والبدء يحتاج لمكان انطلاق، أو بالأحرى نقطة انطلاق، فثمة معنى مكاني في الكلمة ذاتها، فيما إن هذا المعنى أيضا يصلنا بنقطة النهاية.
والانطلاق من البداية للنهاية يحتاج قدرًا من الحركة، والحيوية، والتنقل والارتحال عبر المسافة، سواء طالت أم قصرت، فمن المهم أن هناك انتقالا ما، هذا الانتقال هو الذي يحفز وجود الدالة التزمينية في العنوان، وهي رحلة تقوم بها الذات الشاعرة، سواء أكانت رحلة واقعية تسهم فيها الجغرافيا بآليات مكانية، أم رحلة مجازية تسهم فيها الروح بتأملاتها ورؤاها.
هكذا فإن العنوان يقلنا إلى رؤى متمازجة، تختلط فيها دلالات: الذات، والزمان، والمكان، والسفر والارتحال، وهو اختلاط يبقى قيد السؤال القارئ المحفز لمقاربة مختلف قصائد الديوان، من أجل الوصول مع الشاعر إلى غاية المنتهى.
إن متعة القراءة هنا هي أنها تُظلّلُ بهذه الدلالة الكلية الممتزجة، وتحت هذه الظلال ثمة ما يفضي إلى تفسيرات وتأويلات، وإلى تعزيز الوعي القارئ بعمق معرفي يصبو إلى الكشف والاستشفاف والمغامرة.
إننا حالئذ سوف نطرح أسئلة متكثرة، متآلفة متواشجة، أم متنافرة وضدية، لكنها تصب في التحليل الأخير في آليات المتعة القارئة التي تستوفي دلالات مهمة متجاورة ومتعددة .
هل هي رحلة واحدة تقوم بها الذات، أم أنهما رحلتان: رحلة بدء، ورحلة منتهى؟
قد نعطي دلالات كثيرة للعنوان، ذلك لأن الرحلة الشعرية تختلف عن المفهوم الأوليّ للكلمة، رحلة الشعر كشف ذاتي في الداخل، في الروح أولا، ثم تتبعها رحلات أخرى جغرافية أو كونية أو تاريخية.
من هنا سنأخذ العنوان عبر محمله الشعريّ لا محمله الواقعي، وهنا ستتفجر حيالنا دلالات كثيرة ، تتجلى في القصائد التي يضمها الديوان.
إن الشاعر الدكتور عبدالعزيز خوجة يستهل هذا الديوان برحلة إيمانية سماوية، يذكر فيها هذا البدء وهذا المنتهى، وهو ما يقلنا في التو أن نعد هذه الرحلة رحلة ذاتية روحية، لأن الروح هي التي تنبثق هنا وتتأمل في موجودات الكون وآيات الله ، ويتسنى لنا هنا أن ننقل المستهل كاملا كي تنور الأبيات الوعي القارئ، وهو بعنوان:" سبحان من خلق":
سبحان من خلق القلوبَ لكي تؤانسنا بآهْ
وتذوبَ من وجدٍ على ألفٍ ولامٍ، ثم لامٍ، ثم آهْ
سبحان ربي في علاه وفي سناهْ
أسرى بقلبي من ثراه إلى مداه إلى رؤاهْ
وأذابه وجدًا ، فهذا منتهاه لمنتهاهْ
سبحانه نورًا تسربلَ بالحجاب فلا تراهْ
وهدىً تُرجّعُ وحيَه كل الشفاهْ
لكنني شوقٌ يظلُّ مسافرًا
لا ينتهي أبدًا سراهْ / الديوان ص 35
الشوق إلى الله هي رحلة البدء والمنتهى والختام، هكذا تدلنا هذه القصيدة الافتتاحية للديوان، هنا الأجواء بلا حدود، الرؤية كونية، تمتزج بها الرؤيا، الكلمات تتعلق بالخالق، خالق القلوب التي تمارس وجدها عبر الإسراء بأشواقها إلى آيات الله المتعددة التي تؤانس بآه الوجد، والسناء.
وتركز ثلاثة أبيات في القصيدة الرحلة الرائية :
سبحان ربي في علاه وفي سناهْ
أسرى بقلبي من ثراه إلى مداه إلى رؤاهْ
وأذابه وجدًا ، فهذا منتهاه لمنتهاهْ
هناك إسراء قلبي من الثرى، من بداية الخلق ثم المدى، ثم الرؤى . وقد درّجها الشاعر ورتبها بفعل إبداعي دال، حيث بداية الخلق من التراب، ثم الحياة وممارستها الواقعية، والبحث عن أمداء مخلوقات الله في الكون، ثم الرؤى التي لا تنتهي . وهنا نستشف أن رحلة البدء والمنتهى لا نهاية لها، لأنها تتعلق بالرؤيا ، وتتعلق بالبحث في آيات الكون الربانية.، وهو الأمر الذي يؤكده البيت الأخير في القصيدة:
لكنني شوقٌ يظلُّ مسافرًا
لا ينتهي أبدًا سراهْ
ثمة شوق لا ينتهي ولا ينقطع، لأن آيات الله لا نهاية لها، ولأن الله لا يمكن إدراكه بعين البصر عبر الرؤية، ولكن يمكن إدراك آياته بعين البصيرة عبر الرؤيا، والشاعر هنا يعمق دلالة الوجد، والرؤيا، والذكر، والشوق، كأنه يلامس الأفق الصوفي في تتبع الدلالات وإشراقاتها. الشاعر ينطلق ويصل عبر رحلة إيمانية أولا تظلل الآفاق البعيدة لقصائد الديوان .
تتوهج بشكل كثيف الرؤى الروحية في شعر الدكتور عبدالعزيز خوجة، إنه شاعر روحي متأمل من الطراز الأول، تمتزج لديه الرؤى الشعرية فتحول الحسي إلى روحي، وتحول الأشياء إلى جذورها الأولى التي تخلقت بها، وهي جذور تعود بالضرورة إلى الخلق الأول، والخلق الأول مهاده وجوهره هو : الروحي.
لذلك فإن الشاعر يحول كل ما هو مادي حسي إلى جوهر الروح، ويعبر بأبياته وأسطره الشعرية عن هذا التحويل الذي يجعل الشيء ذا بعدين دلاليين في القصيدة، البعد الأول: مادي بحيث يتحرك حسيا، باعتبار شكله وحضوره، وروحي، حيث يتجلى أبعد وكثف كأنه لا مرئي. هنا يحتفظ الروحي بماديته ليُعرف، ولكنه يتلون بمختلف جواهر الروح التي تتحرك في كل الأشياء وقد تتلبسها وتتقمصها شعريًّا.
إن قراءة جملة من النماذج الشعرية لدى الدكتور عبدالعزيز خوجة ستقفنا بجلاء على هذا الأفق الروحي الذي ينبثق من قصائده،
حيث تتجلى الأيقونات الروحية في شعر عبدالعزيز خوجة بشكل متتالٍ، عبر رحلة البدء والمنتهى ، ففضلا على القصيدة الاستهلالية التي عرضنا لها سابقا، بما تنطوي عليه من أجواء روحية، تأتي القصيدة التي تؤسس لبداية الرحلة بعنوان:" الموعد الأول" ( ص.ص 39-40) وهي قصيدة حب، توجز البدايات الأولى للحب، وتقدم في سياقات رومانتيكية مجموعة من الصور والمشاهد التي تعبر عن هذا الحب. إن قلبًا يمتلئ أولا بالحب، هو قلب فرح بالحياة، وفرح بالجمال، مترصد له، ومتابع لحضوره، وذاهبٌ إليه شعريًّا من أجل استنطاقه والتعبير عنه.
من هنا فإن قصيدة الحب الأولى بالديوان، أو لنقل: إن أجواء الحب التي يبثها الشاعر في مستهل ديوانه، تجعلنا نقرر منذ البدء: إن الدخول إلى عالم الحب هو دخول إلى عالم الروح، ذلك لأن ما هو عاطفي سينتمنتالي يتوغل في ما وراء الأشياء، في ما رواء المادة، ويذهب إلى الروح لتتفجر أحاسيسها وطاقاتها الرومانتيكية، فتنعكس على رؤية الشاعر للحياة والوجود.

