تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

من تاريخ صالونات الأدب والثقافة

من تاريخ صالونات الأدب والثقافة

عبدالكريم الخطيب

من نعم هذا الدين السمح، الدين الإسلامي القيم، أنه رفع مكانة العلم وحث على طلب العلم، ثم إن معجزته كتاب الله القرآن الكريم، الدستور السماوي، من اتبعه وتمسك به وعض عليه بالنواجذ لا يضل أبدًا بمشيئة الله، وجاء سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم ليعلم الناس في المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة وفي المسجد الحرام بمكة المكرمة، ومن هنا بدأت مسيرة العلم في الإسلام. 

وحينما نسبر أغوار التاريخ ونسيح في ثناياه نجد الحقيقة والواقع في تاريخ العلم الإسلامي، فهناك مجموعة ضخمة من كتب التراجم التي تركها لنا جدودنا من علماء الإسلام، وهي تمثل جانبا غنيا زاخرا في الحياة الإسلامية، نجدها منظمة ومرتبة ترتيبا دقيقا، فوجدنا للأدباء والأعيان معاجمهم، وللشعراء والعلماء والفقهاء طبقاتهم وسيرهم وللأطباء والفلكيين تراجمهم الحافلة. 

وعقب الرسالة المحمدية والخلافة الراشدة وقبل انتشار المدارس، كانت المساجد وقصور الأمراء ومنازل العلماء تحفل بالصالونات الأدبية والثقافية وربما خصص كثير من العلماء في العصر الأموي والعباسي والفاطمي والمملوكي حجرات في بيوتهم لاستقبال طلاب العلم والأدب وهذا ما تؤكده لنا كتب التاريخ. 

يقول الجوزجاني في كتابه: التربية الإسلامية : كان يجتمع كل ليلة في دار ابن سينا طلبة العلم وكنت أقرأ معه الشفاء وكان يقرئ غيري من القانون نوبة وكان التدريس بالليل لعدم الفراغ بالنهار" ويقول القفطي:" وكثيرا ما كان يجتمع بمنزل أبي سليمان جماعة من سادة العلماء فيأخذون في المناظرة في موضوعات شتى، وممن كانوا يحضرون هذا المجلس العلمي الرائع أبو محمد القدسي، وأبو الفتح النوشجاني وأبو حيان التوحيدي وأبو زكريا الصيرمي وغيرهم، وكان كل واحد من هؤلاء فريدا في علمه، كانوا يناقشون آراء سقراط وأفلاطون.

وقد أثرى العلماء العرب المكتبة العربية بكتب التراجم، ولعلنا نجد تلك الحقيقة في قول المستشرق (فون جوروبناوم) حين يقول:" إن مجموعة كتب التراجم التي أنتجها العلماء المسلمون لشيء يدعو إلى الدهشة والإعجاب لكثرتها ودقتها وما جمعته من مادة رائعة، وإن علماء الغرب في العصور الوسطى ليس لديهم ما يقارن بنتائج معاصريهم من العرب في هذا الميدان" . 

وخير من تحدث عن الصالونات الأدبية تاريخيا ابن عبد ربه والمقري والمقريزي، وندرك من حديثهم أن الصالون الأدبي في ذلك الزمان لا يستقبل كل الراغبين، وإنما كان يسمح لطبقة معينة بالدخول، وإنما كانوا يتواجدون في موعد معين، وينصرفون في موعد معين لهذا ندرك أن تحديد الموعد في الدخول والانصراف إلى تلك الصالونات الأدبية هي لائحة من لوائحها في ذلك الزمان. 

ونقف على حقيقة تاريخية ربما أهملها التاريخ وأصبحت في نطاق : تاريخ ما أهمله التاريخ، عن تلك الصالونات الأدبية إذ كان الأمراء يعتبرون أنفسهم حماة للثقافة والأدب ويرون أن قصورهم يجب أن تكون مركزًا تشع منه الثقافة، فلهذا ذكر أن المعتضد بالله خصص في قصره دورا ومساكن ومقاصير يجتمع فيها الأدباء والشعراء للتداول والمناقشة في كل جديد في دنيا الأدب.

وربما ارتبط تاريخ هذه الصالونات الأدبية بتاريخ القصور وخاصة بقصور الأمراء، وقد بدأت بقصر معاوية الخليفة الأموي وازدهرت في عصر عبدالملك بن مروان والوليد بن عبدالملك في العصر الأموي، أما في عصر الدولة العباسية فقد اتخذت هذه الصالونات الأدبية أهميتها العلمية وتنوعت فكان منها الأدبي ومنها العلمي ومنها الفني، ولعل صاحب الأغاني يشير إلى أن عهد الرشيد كان واسع الثقافة، وأنه في عهد المأمون بلغت الصالونات الأدبية ومجالس العلم الذروة، ويقول المستشرق (أوجز) إن عصر المأمون يعتبر أزهى فترة في تاريخ النهضة بالعالم الإسلامي. 

وما بعد الخلافة العباسية انتشرت الصالونات الأدبية في العواصم المتعددة، وظلت مركزًا للثقافة ، وتعتبر في ذلك الزمان في مكانة الجامعات والجمعيات العلمية في عصرنا الحاضر، وحينما نبحث في ثنايا التاريخ عن تلك الصالونات نجد منها صالون الوزير ابن الفرات أبو الفضل جعفر الذي كان يحفل بكبار العلماء والأدباء، ثم صالون سيف الدولة الذي استطاع أن يجذب نحوه ذوي الرئاسة من أدباء العصر، وصالونا آخر كان يحفل بأمثال البيروني والعتبي والفردوسي، وكان السلطان محمود الغزنوي يحفل بمثل تلك الصالونات فيجمع الأدباء وكان يطالبهم بعقد المناظرات الأدبية بين يديه، وانتشرت الصالونات الأدبية في أرض الكنانة إبان الدولة الطولونية. يشير ابن زلامة إلى ذلك فيقول:" غنه في عهد الطولونيين والإخشيديين لم تكن هناك مدارس، فكانت الدروس تلقى في صالونات قصور الأمراء والوزراء والعلماء) أما في عهد الفاطميين فكانت الصالونات الأدبية لا عدد لها ولا حصر. 

وهكذا يظل للصالونات الأدبية في حياتنا العلمية تاريخ خالد . 

 

من تاريخ صالونات الأدب والثقافة
Ehsan Logo