عندما تتكلم الأشياء وتصغي القصيدة فوزية أبو خالد في :" شجن الجماد"
عبدالله السمطي
يتشكل ديوان:" شجن الجماد" للشاعرة السعودية فوزية أبو خالد من (106) من النصوص الشعرية القصيرة، وتحتضن الديوان بنية موحدة ترنو إلى معانقة الجماد، تجعل الجماد يتكلم ويحس، تجعله يبوح ويمارس الإفضاء الشعري ، وهو إفضاء يرتبط – على اليقين – بما هو جمالي استعاري، له دلالته القولية التي تتحدث فيها لغة أخرى عبر اللغة ، لغة تحدق في الأشياء وتعيد تكوينها، وخطاب ينزع إلى تجاوز المنطقي والفكري بل والفلسفي إلى التماهي مع الأشياء وصحبتها بوصفها كائنات حية لها تبصرها، ولها حواسها ولها حضورها المتميز بين الأشياء الأخرى.
هنا تنجدل طاقة أخرى في ديوان:" شجن الجماد" ( الأعمال الشعرية الكاملة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ) عبر طاقة الشعر الذي يتفنن ويبدع ويذهب بعيدًا ، وهذا هو قدره الفني التعبيري، أن يُقدمَ على المغامرة والتمرد والضد على مستوى الواقع حينا أو على المستوى الكتابة في أحايين كثيرة، ولولا هذا التمرد الإيجابي الخلاق ما تميز بجدته، وطرافته، وابتكاره.
هكذا تقودنا الشاعرة – وهي رائدة قصيدة النثر في المملكة العربية السعودية، حيث أصدرت أول ديوان نثري لشاعرة سعودية في العام 1972م بعنوان: إلى متى يختطفونك ليلة العرس- تقودنا بدئيًّا إلى تسمية الأشياء من جديد وتغيير النظرة المعهودة لها ، هي أشياء حين تبوح كأنها تولد للمرة الأولى، أو كأنها حين تقول وتنطق يعاد لها اعتبارها بعد سكون وصمت وخضوع.
الشاعرة تنفتح على هذه الطاقة الكثيفة، وتوغلُ في هذا الانفتاح لتستقصي أكثر وتجعل الخيال أكثر شرودًا في مطلق هذه الطاقة ليعبّ من مكامنها وجواهرها، ويقولُ لنا جديده المبتكر الخلاق.
في ظل هذا الوعي نحن حيال عمل شعري مختلف ومائز، مختلف في توجهه لابتكار هذه الأشياء الجامدة والإصغاء لها ، ومائز في طريقة تعبيره عنها بحيث لا يتم الوصف من الخارج أو إدماجها بشكل جزئي في نص، وإنما بجعلها تتكلم عن نفسها، وتقول ما تريد أن تقوله عبر مخيلة الشاعرة الطليقة .
من هنا يتسنى لنا أن نصغي إلى (شجنها) الخاص، واصطفاء كلمة (شجن) من لدن الشاعرة اصطفاء موفق، لأن الشجن فيه إفضاء حزين، وفيه بوح بعد صمت، وهو صوت متهدج يتوارى النحيب في أعماقه.
هل للجماد شجن؟
إن تحويل لجماد إلى متكلم هو تحويل مجازي بالضرورة، يتشخصن فيه الجماد ليتكلم ويبوح، وهنا تتواتر العلاقة الدلالية من جانبين:
- الأول: تحديد نوع الجماد ونمطه والإشارة إلى تفاصيله الكامنة به.
- الثاني: الكلام نيابة عنه عبر التأمل والتخيل الشعري الكثيف.
إن هذه العلاقة سوف تتأطر عبر الدلالة التي يشير إليها كل دال، أو بالأحرى كل جماد على حدة، من جهة، وما تتخيله أو تتوسمه الذات الشاعرة في هذا الدال من جهة ثانية، وعبر ذلك نصل إلى هذا النص الشعري الذي يحتضن الدال ويعبر عنه راسمًا صورته المثلى أو غير المثلى ، ومظهرًا الحالة الشعورية للشاعرة حيال هذا الجماد أو ذاك، وعلى هذا حين نُصغي إلى ما تقوله : الساعة المعلقة، ساعة الحائط، وكأس الماء، وزجاج النافذة، والفراش والشراشف واللحاف والمظلة والقفاز، مثلا، فإننا نصغي إلى دلالات مختلفة لأن التعبير هنا ليس عن الذات الشاعرة بالضرورة، أو عن حدث أو واقعة، بل هو تأمل في الأشياء، لا بوصفها ووصف تفاصيلها وعناصرها وإنما بالاستماع إليها، والإصغاء إلى ما تكتنزه من شجن، وعبر هذه الطريقة في التعبير (عن) يتسنى لنا أن نقع على هوية الشيء وجوهره ومكنونه، فيما نتعرف بشكل ضمني على بعض قسماته وأوصافه وتجلياته، والشاعرة هنا تكسر تقليدية الوصف السطحي من الخارج، وتجعل الشيء يواجه الكلمات وجها لوجه، حيث تقترب المسافة التعبيرية أكثر ، ويُحدث التقمص الشعري لصوت الأشياء عبر الذات الشاعرة نتائجه الثرية المدهشة.
والديوان عبارة عن جملة من النصوص الشعرية القصيرة المكثفة التي تدرج في التحليل الأخير في فضاء الرثاء، فتصور فيها الشاعرة أشياء أخيها وتصفها واسمة إياها بالشجن، كأن هذه الأشياء والجمادات ترثي معها وتشعر بالحزن الشفيف

