تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

رحّالة ومُستكشف إنجليزي يبحث عن الطّوارق المُلثّمين

رحّالة ومُستكشف إنجليزي يبحث عن الطّوارق المُلثّمين

حجاج سلامة

ينتمي كتاب "بحثاً عن الطّوارق المُلثّمين"، لمؤلفه الرحّالة والمُستكشف الإنجليزي ويليام جوزيف هاردينغ كينغ، في موضوعه إلى أدب الرحلات الأوروبية، حيث جرت تلك الرحلة عام 1900 ميلادية.

وبحسب مقدمة الكتاب الذي ترجمه لنا أحسين حمد أحسين محمود - والصادر عن دار السويدي للنشر والتوزيع بأبوظبي، ومنشورات المتوسط في إيطاليا، والفائز بجائزة ابن بطوطة للترجمة فرع الرحلة المترجمة 2024 – فإن تلك الرحلة لويليام جوزيف هاردينغ كينغ، جرت في في منتصف الفترة التي كانت الجزائر تمرّ فيها بظروف سياسية مُزرية نتيجة للاحتلال الفرنسي الذي بالغ في تطبيق سياسة السيطرة والقمع.

 ووفقاً للمترجم، فإنه لا يمكن أن نعتبر الرحلات الأوروبية كلّها التي اتجهت إلى شمال القارة الإفريقية والمغرب العربي والجزائر خصوصاً؛ هي مجرّد رحلات للمغامرة أو الترفيه، بل هي ذات طابع أيديولوجي استعماري وديني واقتصادي، ومن ثم فإن الرحلة من أوروبا باتّجاه بلدان شمال إفريقيا تحمل مقصداً في ظاهره التعرف على الشعوب الأخرى، وفي باطنه يخدم الإدارات الاستعمارية الأوروبية في دراسة مواطن الضعف في هذه البلدان، واستطلاع أهميتها الاقتصادية من حيث جودة ثرواتها وأهميتها التجارية وكذلك استراتيجية موقعها الجيوبوليتيكي.

هذا وقد اعتمد المُترجم في ترجمة هذا الكتاب على النسخة الأولى والوحيدة التي طبعت عام 1908، وصدرت في لندن عن شركة سميث إيلدر وشركاؤه، للنشر. 

هدف اقتصادي

وقد جرت تلك الرحلة تحت رعاية مجلة الجمعية الجغرافية المَلَكِيَّة، وهي جمعية علمية ذات طابع استعماري، تأسست في لندن عام 1830.م، وتضمّ عدداً من المستكشفين والمهتمين بالدراسات الجغرافية من الأوروبيّين. وكانت المهمة التي تمّ تكليف هذا المستكشف بها؛ هي التركيز على الأهمية الاقتصادية للمنطقة، حيث قام بدراسة أهم مواقع الزراعة في الصحراء وما تقدّمه من إنتاج، ومواقع المياه ومدى جودتها وملاءمتها للزراعة. ووضع في مدوّنته أهم الطرق للحركة التجارية بين الصحراء الجزائرية ومُدن الساحل. بالإضافة إلى دراسته لجغرافية وتضاريس ومناخ الرقعة الصحراوية التي زارها وارتحل عبرها.

وقد قام ويليام جوزيف هاردينغ كينغ في هذا الكتاب، بالكتابة عن المنطقة، سواء من الجانب التاريخي أو الثقافي المتمثل في الدراسات الأنتروبولوجية أو الإثنولوجية لسكان الصحراء، واتّجه إلى الدراسات الإثنولوجية وجمع التراث الشعبي للطوارق، وخصص أبحاثاً أخرى عن قبائلها ولهجاتها المحلية، ويضع دراسة نحوية خصوصاً في مجال اللغة الطارقية المعروفة باسم التِّيفيناغ، حيث وضع في نهاية مدوّنته دراسة لأبجدية التِّيفِيْنَاغ، ومقارنتها بالأبجدية اليونانية، محاولاً إثبات أن الطوارق اقتبسوا حروفها من اليونانية، واعتمد في ذلك على كتابات من سبقوه من المستكشفين فى هذا المجال. وهي محاولة لتحديد أسرار الشخصيّة الطارقية والتعرّف على سماتها وسبر أغوارها.

كذلك دون في سجل هذه الرحلة دراسة عن الطابع المعماري للمدن والقرى والحصون والفنادق الصحراوية وأساليب البناء فيها، واختلاف سماتها العمرانية من منطقة إلى أخرى.

نزعة مُتعالية

ولا تخلو كتابات هذا الرَّحَالَة من النزعة الكولونيالية، والتي تميز بها عن من سبقه أو جاء بعده من الرَّحالة الأوروبيين؛ حيث نلاحظ نزعته المتعالية في كتاباته معتبراً شعوب قارة إفريقيا، سواء كانوا من الأفارقة الزنوج أو العرب أو البربر لا يرتقون إلى مستوى شعوب أوروبا، معتبراً إياهم مجرد جماعات متوحشة تعيش في صحراء لا يحكمها عُرف ولا قانون.

ويتميّز الكتاب في محتواه بأنه من كُتُب أدب الرحلات الأوروبية، وخاصّة أن المؤلّف يمزج في أسلوبه بين السرد الأدبي والوصف الميداني، إضافة إلى احتوائه على دراسات أثرية قيّمة وملاحظات علمية مهمة عن المواقع الأثرية في الجزائر. وهو يُعتبر سجلاً مخصصاً لدراسة الثقافات والأحوال الاجتماعية للطوارق.

وعبر فصول وصفحات هذا الكتاب، يجول بنا ويليام جوزيف هاردينغ كينغ، بعيداً في جنوب الجزائر، في قفار الصحراء التي لم تُطرق من قبل، حيث يعيش البدو الرٌحّل الذين يُطلق عليهم الطوارق، محاولاً حل اللغز الذي يُحيط بهؤلاء الرٌحّل الذين كانوا أكثر الأعراق إثارة في القارة الإفريقية، حيث تتبّع المؤلف بصمة آثار أقدامهم على الأرض في أنحاء الصحراء، وتتبّع كذلك تاريخهم، وتناول جغرافيّة مناطقهم في قلب الصحراء الكُبرى، حيث قطع ويليام جوزيف هاردينغ كينغ، في رحلته تلك مسافة مسافة أكثر من ألف ميل من التّرحال في قلب الصحراء، لزيارة مخيمات الطوارق الواقعة على القرب من الحافة الشمالية للصحراء.

وكما يقول ويليام جوزيف هاردينغ كينغ، فإن من بين الأهداف المُعلنة لرحلته تلك، هو محاولة الحصول على بعض الصور لوجوه الطوارق، والتي كانت مطلوبة بشدة - بحسب قوله - من قبل العلماء، والتي قد تقدم شيئاً ما لإزالة الجدل حول أصل تلك القبائل.

لكن الصعوبة في الحصول على هذه الصور لم يكن فقط في صعوبة العثور على الطوارق الذين ينتشرون بشكل ضئيل في مساحة شاسعة من الصحراء، ولكن – أيضاً – في حقيقة أن هذا العرق وفقا لأعرافهم يخفون وجوههم بشكل صارم عن الأنظار حتى عن أفراد عائلاتهم المُقربين من خلال اللثام الذي اشتهروا به.

أسواقٌ وتُجّار

ولا تخلوا مدونات ويليام جوزيف هاردينغ كينغ، خلال تلك الرحلة في بحثه عن الطوارق، من الحديث عن الأسواق التي قابلها والتي دخلها لتوفير متطلبات رحلته، مثل سوق بسكرة التي تلتقي فيه القوافل المُحمّلة بالحبوب القادمة من الشمال، حيث يتم مُبادلتها بالتمر والضروريات الأخرى، كما يصف المتاجر التي تُحيط بالسوق، وحياة التجار وتعاملاتهم.

كما يتحدث عن المساحة الشاسعة التي يشغلها الطوارق، حيث يمتدون بحسب الكتاب، على الصحراء بأكملها، من تمبكتو في الجنوب، حتى الحدود الجنوبية للجزائر، ويمتدون شرقا حتى الحدود مع طرابلس وفران.

ويُعد كتاب "بحثاً عن الطّوارق المُلثّمين"، أحد المصادر التاريخية المهمة عن الطوارق، وقد تجاوزت صفحات الكتاب الـ 350 صفحة، حفلت بالكثير من الحكايات والمشاهدات التي دوّنها ويليام جوزيف هاردينغ كينغ، على مدار رحلة بحثه عن الطوارق.

وقد سعى المُترجم أحسين حمد أحسين محمود، في تقديم عمل أقرب ما يكون إلى أسلوب المؤلف، ودون أي حذف أو اختصار للنص، كما عمل على تقديم تحقيق لأسماء بعض الشخصيات، وتعليقات عن القُرى والأماكن التي وردت في الكتاب، ورتُب الصور بذات الترتيب الذي جاءت به في الكتاب الأصلي.

أوّل وصف للطوارق

يُذكر أن ویلیام جوزيف هاردينج كينغ (1933 – 1886)، رحّالة ومُستكشف إنجليزي، وهو زميل الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية، قد سافر كثيراً في صحراء شمال إفريقيا. وقُدِّمَت نتائج رحلته الأولى للاستكشاف في الصحراء الغربية عام 1900م للعالم في كتابه الذي بين أيدينا: "بحثاً عن الطوارق المُلَثَّمين" الذي نُشر عام 1908م. وكان هذا أوّل وصف للطوارق باللغة الإنجليزية منذ ظهور أعمال الرَّحَالَة الألماني "هنريخ بارث". وقبل أكثر من نصف قرن، كانت قيمة هذا الكتاب كبيرة، في وقت كانت فيه الأدبيات المتعلّقة بهؤلاء الأشخاص غير المعروفين، والقائمة على المعرفة المباشرة، شبه معدومة.

في الأعوام 1900 و 1908م كان السيّد ويليام في الصحراء الغربية، وفي الأعوام 1909-1912م استكشف الأجزاء الوسطى من الصحراء الليبية. تبع ذلك المزيد من الاستكشافات في الأجزاء الوسطى من الصحراء الليبية. قام السيّد ويليام بعدّة رحلات على ظهور الجمال من واحة "الداخلة"، حيث وصل إلى قمة التلّ على بعد 200 كلم إلى الجنوب الغربي من واحة الداخلة في عام 1909م. وفي عام 1911م، حاول التوغل إلى الجنوب أكثر، لكنه لم يصل إلا إلى ما بعد مرتفع الذروتَين". تمّ إحباطه من قبل مرشد محلي موال لجماعة السَّنُوْسِيِّين، حيث كان يعبث بإمدادات المياه الخاصة به.

قام السيّد ويليام بصنع خريطة دقيقة بشكل ملحوظ للصحراء الليبية بناءً على المعلومات التي تم جمعها من السكان المحليين، بما في ذلك "واحة العوينات". كما توقع الواحات في مكان ما على بُعد 400 كيلومتر إلى الجنوب الغربي من الداخلة بناءً على محتوى المُعَدَّة للطيور المهاجرة. شارك في عام 1913م مع المستكشف "أوريك بيتس" في البعثة الأثرية إلى منطقة هضبة "مارماريكا" في شمال ليبيا. ساهم السيد ويليام بعدد كبير من الأوراق والبحوث في الدوريات العلمية، حيث نشر مقالات في المجلة الجغرافية، وحصل على "وسام جيل التذكاري من قبل الجمعية الجغرافية الملكية في عام 1919م. وألف كتاباً بعنوان: "عبر الصحراء الليبية" عام 1923م. 

ظهر كتابه الأكثر أهمية بعنوان: ألغاز" الصحراء الليبية"، في عام 1925م ، وقدّم فيه سرداً لاختراقه للمنطقة الوسطى من الصحراء الليبية - على الرغم من معارضة الطائفة السَّنُوْسِيَّة - وتكمن أهميته في المواد القيمة الجغرافية والإثنولوجية والأنثروبولوجية التي قدّمها في ذلك الوقت. في عام 1933م تُوفي السيّد ويليام في هونيتون عن عمر يناهز أربعة وستين عاماً. وبعد وفاته تمت إزالة مجموعة الصور من الصناديق الموجودة في الطابق السفلي لمبنى روبورو الذي يحتوي على "مجموعة الصحراء". وهي سلسلة متنوّعة من المصنوعات اليدوية، بما في ذلك الأواني والأزياء وما إلى ذلك، التي قام بجمعها في أثناء رحلاته المتعدّدة في شمال إفريقيا والصحراء. ويبدو أنها قد ورثتها عنه الكلية الجامعية.


رحّالة ومُستكشف إنجليزي يبحث عن الطّوارق المُلثّمين
Ehsan Logo