بعثة إلى نجد.. لـ سانت جون فيلبي رحلة أول أوروبي يقطع صحراء الربع الخالي
حجاج سلامة
كانت المملكة العربية السعودية وما تزال، محط انظار واهتمام الرحّالة والمؤرخين والكُتّاب والباحثين، ومن قبلهم ساسة الدول الكبرى في العالم الذين حرصوا على بناء علاقات قويّة مع حُكّام المملكة.
وتذخر المكتبة العربية والأجنبية بالكثير والكثير من المؤلفات التي كتبها رحّالة وساسة ورجال استخبارات ومؤرخين وجغرافيين وكُتّاب ممن زاروا المملكة وأقاموا فيها وتقربوا لحكامها، وجالوا بين ربوعها.
ولعل كتاب "بعثة إلى نجد".. لـ سانت جون فيلبي، والذي قدّمه وترجمه وعلّق عليه الدكتور عبدالله الصالح العثيمين، هو أحد أهم الكتب التي تناولت جوانب شتى من التاريخ السعودي.
ولعل تلك الأهمية هي التي دعت خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، لأن يوجه بترجمة هذا الكتاب سنة 1417 هجرية تقريبا، حيث رأت الترجمة العربية لهذا الكتاب النور في عام 1419 هجرية – 1998 ميلادية.
وقد سلّطت التعليقات التي كتبها مترجم الكتاب، الدكتور عبدالله الصالح العثيمين، على ماجاء بالتقرير الذي كتبه سانت جون فيلبي عن البعثة التي رأسها إلى نجد عامي ١٣٣٦ - ١٣٣٧ هـ / ۱۹۱۸-۱۹۱۷م، سلّطت تلك التعليقات الكثير من الضوء على جوانب ربما كانت غير واضحة وتحتاج لإيضاح من نصوص وفقرات التقرير الذي نقرأ ترجمة كاملة له في هذا الكتاب.
و هاري سانت جون بريدجر فيلبي، مؤلف كتاب "بعثة إلى نجد"، هو شخص مُتعدد المواهب، فهو مستكشف وكاتب وضابط مخابرات، دخل الإسلام وعُرف بإسم "الشيخ عبدالله"، وقد عاش لعقود بالمملكة العربية السعودية، وتزوج وأنجب فيها.
وتحدثناالمقدمة التي كتبها مُترجم الكتاب، عن المكانة الرفيعة لجزيرة العرب قديماً وحديثاً لدى أهلها، بجانب أهميتها لدى العالم أجمع، فهي مهد العرب، وموطن حضارتهم الأولى. وفيها بيت الله المحرم، الذي كانت له منزلته السامية في نفوسهم قبل ظهور الإسلام إليه يحجون، وله يعظمون ويقدسون.
إضافة إلى الموقع الجغرافي المتميز لجزيرة العرب، والذي جعل منها في القرون الغابرة، حلقة وصل تجاري مهمة بين قارات العالم القديم. وكانت جهود سكانها في ذلك الميدان واضحة المعالم، قوية الأثر.
وقد ازدادت مكانة الجزيرة العربية رفعة وأهمية، وازدادت منزلة بيت الله المحرم عظمة وجلالا، حيث أصبحت مهبط خاتم الرسالات، ومنطلق أعظم دولة، شرعاً ونظاماً وعدلاً، وقد جعل الله الحج إلى بيته أحد أركان الدين القيم لمن استطاع إليه سبيلاً.
وبحسب صفحات الكتاب، فقد ظل لموقع الجزيرة العربية المتميز أهميته وحيويته بين قارات
العالم. وكان هذا واحداً من أسباب عدة جعلت بعض الدول الأوربية ذات الأطماع الاستعمارية تتنافس على مد نفوذ لها على أجزاء منها، خاصة في سواحلها، لتؤمن طرق مواصلاتها إلى مستعمراتها في شرق آسيا وجنوبها. وقد بدأ ذلك التنافس في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي. وكان لبريطانيا، قصب السبق فيه، إذ أصبح لها نفوذ كبير في سواحل الخليج العربي وجنوب الجزيرة العربية.
وكما تؤكد لنا نصوص كتاب "بعثة إلى نجد"، فقد ازدادت أهمية الجزيرة العربية، بطبيعة الحال، إثر تدفق النفط من أعماق أراضيها، واكتشاف أنها ذات احتياطي هائل منه.
وبالطبع وكما يدلنا الكتاب، فقد كان للمملكة العربية السعودية، بالنسبة لجزيرة العرب، مكان الصدارة. فأهميتها لا تقتصر على كونها تشتمل على أكثر من ثلاثة أرباعها من حيث المساحة؛ بل تتجاوز هذا إلى كونها تشتمل على مكة المكرمة والمدينة المنورة مهدي الحرمين الشريفين، وكونها ذات قيادة لها جذورها الممتدة إلى قرابة ثلاثة قرون ولها تاريخها السياسي الواضح نهجاً وتطبيقاً. بجانب ما منحها الله من الثروة النفطية ما ساعدها على تحقيق تقدم في جميع جوانب حياة شعبها، والإسهام بنصيب وافر في دعم العرب والمسلمين في كل مكان .
ويوضح لنا الدكتور عبدالله الصالح العثيمين، مُترجم كتاب "بعثة إلى نجد"، أنه منذ أن قامت أول دولة سعودية متبنية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية، والكتابات عن قادة آل سعود تترى، والأحاديث عن السكان الذين توحدوا على أيديهم تتواصل .
ولاشك أن هذه الأحاديث وتلك الكتابات تختلف؛ منهجاً وأسلوباً، باختلاف الكتاب والمتحدثين قدرة واتجاهاً. على أن كل كتابة يمكن أن تعين المؤرخ في عمله، وكل حديث يمكن أن يساعده في تحليله. ومقارنته بين الكتابات والأحاديث المختلفة أحرى بأن تيسر له طريق الوصول إلى هدفه المنشود.
ولمؤلف الكتاب سانت جون فيلبي، جهود متشعبة، لكن ما يأتي في الدرجة الأولى من الاهتمام هنا هو كتاباته عن المملكة العربية السعودية: تاريخاً وأرضاً ومجتمعاً.
وقد فاق سانت جون فيلبي، غيره في هذا الميدان غزارة في الإنتاج، وتنوعاً في الموضوعات، ويأتي تقريره الذي كتبه عن البعثة التي رأسها إلى نجد عامي ١٣٣٦ - ١٣٣٧ هـ / ۱۹۱۸-۱۹۱۷م، كأول كتابة يدونها عن الملك عبد العزيز والبلاد السعودية.
وكما يقول مُترجم كتاب "بعثة إلى نجد"، فإن كتاباته تلك أهميتها إيجاباً وسلباً. "فبعض المعلومات التي وردت فيها مفيدة وبعض الآراء التي اشتملت عليها تحتاج إلى تقويم" .
لكن وبرغم ما قد اشتملت عليه كتابات سانت جون فيلبي، من آراء تحتاج إلى تقويم، إلى انها اشتملت على ما قد يفيد المؤرخ والقارئ.
وقد حرص الدكتور عبدالله الصالح العثيمين، مُترجم كتاب "بعثة إلى نجد" – كما أسلفنا – على أن يتصدر هذا الكتاب لمحة تاريخية عن المملكة، إضافة إلى تعليقه على ما رأى أنه يحتاج لتعليق، مع تعريف بالأسماء وتحديد للأمكنة التي وردت بالكتاب.
وقد تناول كتاب "بعثة إلى نجد" مجموعة من الموضعات المهمة منها: بداية الدولة السعودية الثالثة في نجد، وتوحيد الأحساء والقطيف، والملك عبدالعزيز والكويت، والملك عبدالعزيز والملك حسين، والملك عبدالعزيز وملك بريطانيا.
ويتناول الكتاب كذلك سيرة هاري سانت جون بريدجر فيلبي، وكتاباته عن الملكة العربية السعودية، وترجمة لتقريره عن بعثته إلى نجد، وأهداف البعثة وخط سيرها وغير ذلك من الموضوعات.
يُذكر – وبحسب صفحات الكتاب – أن هاري سانت جون بريدجر فيلبي - ويدعى اختصاراً جاك - أو: الحاج عبد الله فيلبي، هو ذلك البريطاني الذي كان يطمح منذ ريعان شبابه، أن يكون عظيماً مشهوراً، فكان له ما طمح إليه. فكانت حياته أسطورة . وكان ذا مواهب متعددة وقدرات عجيبة؛ تفكيراً وتنفيذاً.
عمل في الإدارة والسياسة، فنجح أحياناً وفشل أحياناً أخرى. وكان لمواهبه الذهنية أثر واضح في تحقيق ما حققه من نجاح، ولاعتداده برأيه وتصلبه في مواقفه أثر في تعرضه لما تعرض له من فشل.
وجاب الأصقاع الواسعة، حتى عُدَّ في طليعة الرحالة الغربيين، الذين تجولوا في جزيرة العرب؛ وقدم إنتاجاً علمياً غزيراً، تضمن وصفاً للأمكنة، واهتماماً بالنقوش ونقلاً لها، ورسماً للخرائط . وربما كان ابنه كيم محقاً عندما كتب على شاهد قبره في بيروت: "هذا أعظم مكتشفي جزيرة العرب .
وقد جال هاري سانت جون بريدجر فيلبي، في ميدان التاريخ؛ قراءة للمصادر ومعايشة للأحداث. فدون الكثير والكثير من الكتب والمقالات . بل إن قدراته العلمية لم تقتصر على ما
سبق ذكره، وإنما تجاوزته إلى معرفته عدداً من اللغات القديمة والحديثة وآدابها، والآثار وعلوم الطبيعة والاقتصاد والمال.
وقد بلغ إنتاجه في ميادين الرحلات والسياسة والتاريخ والآثار أكثر من ثلاثين كتاباً منشوراً وغير منشور، وبلغت مقالاته في تلك الميادين عشرات وعشرات. ولهذا فإنه يندر أن تخلو كتابات علمية لغربي أو شرقي عن جزيرة العرب بالذات ؛ خاصة في تاريخها الحديث من الإشارة إلى ما ألفه عنها في مسألة من المسائل.

