تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

قصة الأدب في ليبيا كما رواها العلاّمة محمد عبد المنعم خفاجي

قصة الأدب في ليبيا كما رواها العلاّمة محمد عبد المنعم خفاجي

حجاج سلامة

هذا الكتاب "قصة الأدب فى ليبيا العربية" الذي ألفه العلاّمة الأديب الكبير محمد عبد المنعم خفاجي، بأقسامه الثلاثة، عمل علمي جليل، وصورة مشرفة لقراءات طويلة فاحصة وجهد مشكور، لا يتسنى القيام به لغير المؤلف في دأبه وغوصه في تيارات الثقافة القديمة والحديثة على السواء.

هكذا وصف النحوي واللغوي الليبي الكبير الشيخ المؤلف ابراهيم عبد الله رفيدة، رحمه الله، كتاب "قصة الأدب في ليبيا العربية"، لمؤلفه الأديب والباحث والناقد الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، الذي وصلت مؤلفاته لنحو 500 كتاب مطبوع، والذي عمل أستاذاً بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، ثم عميداً لها، والذي نال عضوية مجلس جامعة الأزهر، والمجلس الأعلى للفنون والآداب، والمجالس القومية المتخصصة، ومجلس إدارة اتحاد الكتاب، ورئيس مجلس إدارة رابطة الأدب الحديث.

ويتناول الكتاب تاريخ الأدب الليبي منذ الفتح الإسلامي وحتى ستينيات القرن الماضي، وهو عمل وصفه الأدباء والنقاد وعلماء الأدب واللغة بأنه عمل رائع وجليل ومفيد وجديد، وفيه النفع لكل من يريد الوقوف على أخبار الماضي لأدب ليبيا العربية الخالدة.

حيث تتبع المؤلف – رحمه الله – قصة الأدب الليبي منذ الفتح الإسلامي مروراً بالفترات التاريخية المختلفة التي مرت عليها ليبيا، حتى ثورة الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩، وذلك بحسب تمهيد الكتاب، فتتبع المؤلف هذه العصور بالدراسة والبحث وكشف عن نهضات الأدب العربي في ليبيا فى كل عصر منها، كما كشف عن أعلامها من علماء وأدباء وشعراء وكتاب مشيراً إلى كل المراجع والمصادر التي عول عليها، ووقف لديها.

والكتاب بأقسامه الثلاثة جهد مشرف ودراسة علمية، استندت في الكثير من فصولها على البحوث السابقة التي كتبها الدكتور الحاجرى ومحمد صادق عفيفي، أو التي كتبها الأدباء والكتاب الليبيون مثل: الأستاذ خليفة محمد التليسي، وعلى مصطفى المصراني، و"القويري"، و "المقهور "، و"الغناي"، وغيرهم.

وقد سد الكتاب عند صدوره قبل عقود مضت، ثغرة كبيرة في بناء الأدب العرب القديم والحديث.

ولعل من محاسن الكتاب اشتماله على باب طويل تحدث فيه المؤلف عن الأدب الحديث فى دول شمال أفريقية ليبا، ومصر، وسائر بلدان المغرب العربي، وهو باب مفيد وموجز معا.

التيارات اللغوية والثقافية والأدبية

وفي مقدمة نسخة الكتاب الصادرة عن مكتبة الجيل في بيروت عام (1412 هـ - 1992 م)، يقول الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، إن قصة الأدب فى ليبيا العربية من الفتح الإسلامي إلى اليوم، بأقسامه الثلاثة يشتمل على تأريخ لماضي الأدب العربي، ولتياراته، واتجاهاته، في الوطن الليبي العزيز العريق، وكشفاً عن تراث الأدباء الليبيين، وأعمالهم في القديم والحديث، وتسجيلاً لشي التيارات اللغوية والثقافية والأدبية التى عاشت على أرض ليبيا، أو دارت في خلد أدبائها وشعرائها وكتابها وعلمائها، ونشراً للمطوي المجهول من حديث أعلامها في شتى مجالات الفكر والحياة والأدب.

وأشار "خفاجي" في مقدمة كتابه "قصة الأدب في ليبيا العربية"، إلى أن درس الأدب الليبي، لم يكن بالأمر السهل ولا الممكن المتاح، وبحسب قوله "فليس في تاريخ الآداب الليبية كتاب وليس هناك تقسيمات لعصور الأدب، ولا معرفة بالنهضات الثقافية والأدبية في شتى هذه العصور وعواملها ونتائجها، وليس هناك معرفة بقدامى الأدباء والشعراء الليبيين العرب، ولا دراسات لحياتهم ونتاجهم وتراثهم".

 ونوّه إلى أن كل ما عُرف أو يُعرف وما كُتب أو يُكتب، إنما هو عن التاريخ الأدبي الحديث والمعاصر، وعن الأدباء الليبيين الأحياء، أو الذين رحلوا إلى جوار الله فى العهد القريب وعن بعض الأعلام القديمة المشهورة التي خلد التاريخ الأدب العرب ذكرها.

الكتاب اشتمل على تقسيمات لعصور الأدب وتتبع للأدب في كل عصر، والعوامل التي أثرت فيه والحركات الفكرية والعلمية والثقافية التي سادته، ودراسة لأشهر أعلامه فى الأدب والشعر ومختلف فنون الكتابة، كما أرّخَ للأدب الحديث فى ليبيا الحديثة.

دور المدارس والجامعات الأهلية 

وبحسب فصول وصفحات الكتاب، فقد اجتاحت المغرب العربي الكبير فى العصر الحديث جيوش الاحتلال ووراءها وفود المهاجرين ومحاولات كثيرة تفصله عن العروبة والإسلام وعن الشرق العربي الكبير.

وكان الاستعمار الفرنسي للجزائر وتونس ومراكش والإيطالي لليبيا حجر عثرة في طريق تقدم هذه الأمم العريقة وحائلاً بينها وبين شعورها بالذاتية والكرامة. كما صنع الاستعمار الإنجليزي فى مصر مثل هذا الصنيع.

ونشر الاستعمار في أرض المغرب العربى لغته وثقافاته، وحاول أن يصد شعوبه عن العربية التي حرم تدريسها في المدارس ولولا الزوايا السنوسية في ليبيا، وجمعية العلماء في الجزائر وما أنشأته من مدارس أهلية لتدريس العربية والدين، وجامعة الزيتونة فى تونس، والقرويين فى مراكش، لضاعت اللغة العربية والثقافة العربية من هذه البلاد.

وكانت المدارس الإيطالية فى ليبيا، والمدارس الفرنسية في تونس ومراكش والجزائر، من دعائم الدعاية ضد اللغة العربية والقومية الإسلامية، توجه الكثير من الاتهامات الظالمة إلى الجنس العربي وإلى الإسلام وأقوال هانوتو ورينان مشهورة، وكان رينان يزعم أن الشعوب السامية لا تعرف إلا بالصفات السلبية، وليست لها ثقافة ولا فنون ولا علوم ولم تستطع أن تنشئ الفنون التي تحتاج إلى الخيال بحسب ادعاءاته.

ووفقا للكتاب، فقد تناسى المستعمرون عروبة المغرب العربي وروحه الإسلامية العميقة، وطابعه المميز الأصيل، ونسوا دوره الكبير فى تاريخ الحضارة والنهضات والفتوحات العربية الكبيرة التي قام بها أبطال المغرب في حوض البحر الأبيض المتوسط: سواء في الجزر، أو في الجنوب الأوروبي المطل على هذا البحر؛ كما نسوا دور مساجد طرابلس والقيروان وجامعة الزيتونة وجامعة القرويين، وما خرجت من أعلام مثل سحنون، وأسد بن الفرات، وابن رشيق، وابن شرف، وابن عرفة، وابن بطوطة، والشريف الإدريسي وابن خلدون وغيرهم من أعلام الفكر الإسلامي في هذه البلاد.

التقاء شعوب المغرب العربي بالإسلام

وقد كان التقاء شعوب المغرب العربي بالإسلام أكبر حدث تاريخي في حوض البحر الأبيض المتوسط، بل فى حياة هذه الشعوب نفسها وأصبحت هذه الشعوب عربية مسلمة، اعتنقت الإسلام إحساساً وشعوراً وعقيدة ومثلاً ومبادئ وقيماً، واعتنقت العروبة لغة وفكراً وثقافة وفناً وأدباً، فصارت جزءاً لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير ومن الروح العربية الإسلامية الإنسانية، وامتزجت هذه الشعوب بالإسلام والعروبة امتزاجاً كاملاً في كل مجالات الحياة، وميادين النشاط الإنساني، وفى شتى المناحي الروحية والحضارية واللغوية والفكرية والأدبية والسياسية والاجتماعية.

وكانت ثقافات الإسلام وانتصاراته وحضارته وكذلك آداب لغة كتابه العظيم وعلومها هي الأساس العقلي والثقافي الشعوب هذه البقعة الكبيرة من العالم العربي الفسيح الأرجاء.

وشاهدت هذه الشعوب العريقة، فى أرض المغرب العربي الغزو الفكري الأوروبي، وقابلته بسخرية وازدراء فكان السنوسيون في ليبيا، وعلماء الزيتونة في تونس، وجمعية العلماء فى الجزائر، ممثلة في شخص عبد الحميد ابن باديس الذي كان يؤكد طابع شخصية الجزائر، هذا الطابع الإسلامي العربي، كانوا من طلائع الكفاح ضد الاستعمار.

وانتصرت هذه الشعوب ونالت استقلالها ومحت كل مظاهر الاستعمار السياسي والفكري من بلادها، وصارت اللغة العربية مرة أخرى هي لغة التعليم في هذه البلاد الإسلامية.

الشخصية الليبية العربية

وقد سعى مؤلف كتاب "قصة الأدب في ليبيا العربية"، لإبراز الشخصية الليبية العربية في مجال الأدب على مر العصور والأجيال هذه الشخصية التي تعد مجهولة أو كالمجهولة في جميع البلاد العربية وبين أدبائها، فهم حين يذكرون الآداب العربية في ليبيا، أو ما يصح أن نسميه الأدب الليبي لا يذكرون إلا ما عرفوه من آداب في ليبيا في العصر الحديث، ولا يرددون إلا جُملة أعلام حديثة نالت شهرتها الأدبية والثقافية في آخر العصر التركي، وفى عصر النضال القومي ضد الاستعمار الإيطالي، وفى عهد الاستقلال.

وبذل المؤلف جهودا كبيرة في البحث خلال العصور والأجبال عن تاريخ الأدب الليبي منذ الفتح العربى الإسلامي لليبيا، وحتى ستينات القرن الماضي، وحاول إبراز أصول هذا الأدب وأعلامه.

ولفت الكتاب إلى العلاقة بين الأزهر وليبيا، وهي بحسب الكتاب، صلات قديمة وحديثة "فإلي كان يحج طلاب العلم من أبناء ليبيا فى القديم والحديث، وفيه كان يشغل وظائف التدريس بعض أبناء ليبيا فى مختلف العصور، ومن علمائه من هاجر إلى أرض ليبيا العربية المسلمة يفيد الناس، ويتصدر حلقات العلم فى مدن ليبيا العريقة الخالدة.

وأن الأزهر منذ إنشائه، كان حامياً للدين وحارساً للغة، يذود عنها طغيان الملحدين وكيد الكائدين، وكان علماؤه منارة الدنيا، ومصابيح الهداية.

ويؤكد المؤلف في ختام كتابه، أنه لم يكن في الثقافة العربية كتب في تاريخ الأدب العربي في ليبيا، وأنه لم يُعرف عن الأدب الليبي شيء حتى عصر الحركة السنوسية، وكل ما يعرف عنه هو التراث الشعري للأدباء الليبيين المعاصرين. 

ولفت إلى بعض المؤلفات السابقة، مثل كتاب الأستاذ محمد الصادق عفيفي، عن شعراء ليبيا، وجهود الأستاذ على مصطفى المصراني البحاثة الليبي عدة كتب عن بعض الشخصيات الأدبية الليبية البارزة، وكذلك جهود الأستاذ طاهر الزاوي، الذي وضع كتاباً في أعلام ليبيا، وكذلك الكتب المؤلفة في التاريخ العام لليبيا فى القديم والحديث، ومن بينها مجموعة الطيب الأشهب وغيره في تاريخ الحركة السنوسية.

وكشف المؤلف عن استفادته في وضع كتابه "قصة الأدب في ليبيا العربية"، من بعض الرحلات في بعض المدن مثل برقة، كما استفاد من مخطوطات مكتبة الإمام السنوسي المحفوظة في مكتبة الجامعة الإسلامية بالبيضاء، وكما أعارف إياه فضيلة الأستاذ الشيخ إبراهيم رفيدة شيخ كلية اللغة العربية في البيضاء، وكذلك مكتبة حسن الخراز فى البيضاء أيضاً وما أمده به النحوي واللغوي الليبي الكبير الشيخ المؤلف ابراهيم عبد الله رفيدة من مؤلفات ومصادر.

 

قصة الأدب في ليبيا كما رواها العلاّمة محمد عبد المنعم خفاجي
Ehsan Logo