نسْجُ الرواية .. خيطُ المعنى
منى عامر العصيمي
أن تكتبَ روايةً أو قصّةً فأنت تكتب بمنظورك الذي ترغب في أن يراه الآخرون، وتزعم في قرارة نفسك أنه : الحقيقة.
بينما تذكرُ بثينة العيسى: " أن الحقيقة في العمل الفني شيء يستحيلُ القبض عليه، فهي الشيء الذي نحاول بلوغه بسرد الأكاذيب ( القصص والروايات) وهي أيضا ما نراه ونشعر به أثناء سردنا الأكاذيب، إنها الشيء الذي يجعل الرواية موصلا ممتازًا للأفكار والمشاعر، ويجعل المعنى المتولد عن دخولنا إلى العالم الروائي عصيًّا على الدحض" .
لذا ستسعى جاهدًا بما ملكتَ من أدوات فنية أن تجعل القراء ينحازون لك، مصدقين ما تقول، وأن يصطفوا معك بنفس المسار ليأخذوا دورك لاحقًا برؤية الأشياء من منظورك أنت، ولو لم يصدقوها في النهاية فالأمر يستحق العناء، لأن نجاح عملك الأدبي متوقف على قوة تصديقهم لك، لذا تجتهد لتخلق لديهم نفس الانطباع بما وسعت من فن الوصف، وعدم إغفال التفاصيل التي من شأنها نقل باطن تصورك للخارج، كما لو كان ظاهر ما تفردت باكتشافه وحدك، فيرونه من خلال نصك رأي العين، بل إنك كمن يؤثث النص كما نفعل في بيوتنا حتى يشعر القارئ بأمان المكان وواقعية التصور، فيتقبل رويدًا رويدًا ما جئت به من بهتان.
عندئذ يسهل عليك أن تقدم المعنى الذي تريد إخبارهم به ليصل إلى قلوبهم قبل عقولهم، فإن أبوْا كما حصل مع " ألفريد همبلوت" الذي كان يعمل مع الناشر :" أولاندروف"مخطوط رواية : " البحث عن الزمن الضائع" مبررًا ذلك بأنه لا يستطيع أن يفهم كتابة ثلاثين صفحة تصف حالة شخص يتقلب في فراشه قبل أن يداعب النوم جفنيه ، لكن الرواية بكل تفاصيل الوصف المملة أقنعت الكثيرين خلاف " همبلوت" وأصبحت أيقونة في عالم الأدب .
الحقيقة الروائية:
كتابةُ الحقيقة الروائية التي تعني المعنى العميق الذي يهجسُ فيه الكاتب هي السهل الممتنع، فليس كل من يريد الكتابة يملك معنى، حتى وإن ملك السرد والحبكة واللغة ، قد يغيب عنه المعنى، حتى لو كان موجودا في السياق الذي ضمنته روايته ، مع أن بعض العقول تبحثُ عن الحكاية تريد أن تتبع السرد خاليًا من جماليات الوصف، لكن مثل هذا النص يستطيع مشاهدته في فيلم عوضا عن تذوق جماليات كتابته، وعليه فالنص الروائي المخلد في قلوب قرائه هو ذلك الذي يكشف عن قيمة أخلاقية اسمها : المعرفة، تلك التي تمثل الغاية والوسيلة للإنسان في آن واحد، فهي غاية يحقق بها ذاته، ووسيلة لاكتشاف كينونته الإنسانية والآخرين من حوله.
فالروائي النمساوي العظيم " هيرمان بروخ" يرى أن السبب الوحيد لوجود الرواية هو " اكتشاف ما تستطيع الرواية وحدها اكتشافه" .
إن الرواية التي لا تكتشف عنصرًا مجهولًا في الوجود هي رواية لا أخلاقية، فالمعرفة هي السمة الأخلاقية الوحيدة في الرواية، أن تعرف ما كنت تجهله يقودك لحقيقة غابت عنك أو تجلت لغيرك، وجاء دورك لتمتلكها أيضا إذا كنت مهتما باتساع أفق الحياة لديك. إنه المعنى الآخر الذي قصرت عن إدراكه حواسك فجاء به النص الروائي ليمتعك ويضعك على المحك الصحيح من الإبقاء على حواسك قيد التشغيل. إنها المعرفة تختالُ في ثوب الحقيقة ينفخ المعنى فيها الروح بعد أن صنعت التفاصيل نسيج ثوبها ، ولن يستطيع امتلاك خيوط المعنى إلا من تمرس في فهم ذاته، ويغوص في مكنوناته للحد الذي يذوبُ النص فلا يملك القارئ إلا أن يتهمكَ بالتلصص عليه واكتشاف خصوصياته، حين يقول هذا بالضبط ما حدث لنا .. بل قد يزعم بأنه رآك من خلال نصك، لأنك جعلته بقوة الكلمة المكتوبة يرى ويسمع ويفهم أكثر.

