تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

المنمنمات من التعبيرية إلى التجريدية

المنمنمات من التعبيرية إلى التجريدية



ميرفت محمد السالم 


منذ بدء الخليقة، لم يتوقف الإنسان عن البحث عما يكنه من التعبير عن انفعالاته ومكوناته، والتواصل مع بني جنسه أسوة بالكائنات الأخرى وإطلاق العنان لمشاعره وهواجسه ورغباته على جدران الكهوف، وعلى الصخور الصقيلة، وكانت ثمرة محاولاته الشاقة لغة تراوحت بين الصوت والصورة، والإشارة والإيحاء ، وكانت حصيلة الخبراء والعلماء والباحثين في علم الآثار والأجناس مجموعة مختلفة من الرّقم والرسوم والحروف والأيقونات من حقب عديدة، تحكي قصصًا وحروبًا، وتروي مشاهد وأحداثًا، وتصف تفاصيل الحياة في العهود السحيقة. 

ومع توسع مدارك الإنسان، وتطور أفكاره نتيجة اتصالاته وتأثره بشعوب وجماعات خارج محيطه الجغرافي ، وبعد تدريب وتجريب وتآلف اجتماعي، وبسبب الحاجة الفطرية وصل التعبير الإنساني إلى مراحل متقدمة من الصوت والإشارة والتصوير، حتى تشكلت اللغة بأبجديتها البدائية بعد مخاض عسير، وإن ظلت وسيلة للتفاهم في المحيط الضيق للجماعة والقبيلة، وبين التجمعات البشرية الصغيرة المتجاورة، إلا أنها كانت نواة الحروف الأولى وبداية الكلام حتى ظهرت الرسوم والصور بأشكال أكثر دقة ووضوحا بعد اكتمال الأبجدية، وانتشار الكتابة والمؤلفات في عصور متقدمة، وقد بلغ هذا الفن كماله في القرون الوسطى في الشرقين الأوسط والأقصى، وانتقل إلى بلاد الغرب في زمن لاحق، وقد رسمت آنذاك على الجلود والمعادن والحجارة والعظام والعاج، ثم على الورق والقماش في عقود لاحقة، فاستعان الكتبة حينها بالرسوم التوضيحية والتزيينية والتعبيرية لشرح الفكرة، فنجحت الغاية في زمن لاحق ، وظهرت نتائجها في التفاعل الحضاري بين الشعوب، فانتشرت التراجم – لاسيما- كتب العلوم والفلك والطب والجغرافيا، واستفاد أهل الغرب من الشرق ومجتمعات الجنوب من الشمال .

ومن هنا عرفت المنمنمة بأنها التزويق النصي الشكلي لحكايات مبتكرة ومسرودة بالرسوم المستوحاة من واقع مرئي ، أو مخيلة واسعة تدعم الأفكار والفلسفات بالتجسيد والتجريد بألوان زاهية تلفت نظر القارئ وتحرك خياله ومشاعره، وتعينه على الفهم ، وكانت بداية ظهورها العربي في ترجمة ابن المقفع لكتاب " كليلة ودمنة" عن اللغة الهندية القديمة، وقد ضمّن مؤلفه الصور والرسوم الحية غير الإنسانية للتوضيح والدلالة والتورية، لكل ما يمتنع عن قوله صراحة، وتتالت المدارس المختلفة في هذا اللون، وسلكتْ طرقًا متعددة في هذا الشكل الفني، فكانت الأقدم منها المدرسة الصينية والمدرسة الهندية، والأبرز فيما قدمته للتراث الإنساني خلال القرن التاسع الميلادي، وكانت المدرسة الفارسية، وتلتها المدرسة التركية، وازدهرت المدرسة الإسلامية بحلول القرن الثاني عشر الميلادي، وقد تميزت بدقة الرسم والتلوين ، وتنوع الصور والخطوط والهوامش المزخرفة والوجوه، واكتسبت جمالية رفيعة على أيدي ابن البواب وابن مقلة وياقوت المستعصمي، وكانت ذروة انتشارها في العصر العباسي لكثرة التراجم التي أنجزت في ذلك الوقت، كمقامات الحريري والأغاني للأصفهاني والكواكب الثابتة للصوفي، والترياق لجالينوس، والبيطرة لأحمد بن الحسن، وغيرها كثير. 

أما أشهر المنمنمات التي تحفظها الذاكرة التشكيلية العربية، فهي ما أنجز بطريقة المدرسة العباسية المذهّبة والمزيّنة بالرسوم الدقيقة، والمستمدة من الحروف، وعُرفت بالحروفية ويبدو تأثير المنمنمة الفارسية جليا على فناني تلك المدرسة من حيث التقنية والمضمون القائم على المسرود الحكائي والأسطورة والفلك والفلسفة والحكمة. 

وفي هذا السياق التاريخي يقول الدكتور إياد حسين عبدالله في موضوعه حول " سيميائية المنمنمة الإسلامية والتفاعلات الحضارية بينها وباقي الفنون الإسلامية" ( ظهرت أشكال متعددة للخطوط العربية وعبر فترات زمنية استمرت عدة قرون، وكان كل منها يؤدي وظيفة مختلفة، وأصبح لهذه الأشكال قيم جمالية لها تقاليدها وضوابطها ومنطقها الجمالي الخا، والذي يعبر بصورة واضحة عن الثقافة العربية الإسلامية، وكان هذا التنوع والتعدد مصدر ثراء في قيم الجمال، كما هو الأمر في مجالات الفكر والفلسفة والأدب والشعر والعلوم التي ازدهرت في القرن الرابع الهجري، ولاشك أن الخط العربي بمنطقه الجمالي الخاص يعد فنا جمعيا وليس فرديا، ولقد ظلت أشكاله الفنية المتنوعة غنية بطاقاتها التجريدية إلى الحد الذي عبرت به باستمرار عن المعطى الروحي الصرف للحضارة، وذلك باستمرار ظهورها كلوحات حائطية على جدران المسجد، أو ككساء من القاشاني للمنائر والقباب، أو كنص كتابي للقرآن الكريم أو ضمن أشكال المخطوطات التي وثّقت أشكالا متعددة من المعرفة. 

وتشكّل المنمنمات العربية والإسلامية – وليدة المخطوطات التي نقلت لنا تلك المعرفة – واحدة من المظاهر الفنية والثقافية والاجتماعي التي عكست وإلى حد كبير ثقافة تلك المجتمعات. 

وظهر هذا اللون الخاص من فن التصوير الذي يعرف اليوم باسم: المنمنمات، وكانت تُسمى قديما: التزاويق، وقد طور الفنان المسلم هذا الفن الذي ورث أصوله من الحضارات السابقة على الإسلام خاصة الحضارات الهندية والفارسية والشرقية، ووصل هذا الفن إلى تحقيق لوحة فنية متفردة موضوعا وشكلا ومعالجة، بل إلى حد الإبهار والدهشة في أحايين كثيرة، لكثرة ما فيها من حشود وعناصر مرسومة بدقة شديدة، وبألوان زاهية وحركات مختلفة عميقة التعبير عن موضوعاتها المأخوذة من الواقع تارة ومن الحكايا والأساطير الشعبية تارة أخرى .

وإن عدّ البعض المنمنمات مجرد نماذج تزويقية وسموها المزوقات أحيانا، إلا أن حقيقة الأمر لم تكن تحمل وظيفة تزيينية رغم تضمنها الكثير من العناصر التي توحي بذلك، وإن أول كتاب عربي ظهرت فيه المنمنمات كان كتاب ( كليلة ودمنة) وهو في أصله كتاب هندي ترجمه ابن المقفع إلى اللغة العربية. 

ويحدد الدكتور إياد ماهية المنمنة وشروطها بشكل دقيق ويحصرها بالأشكال والمواصفات التي تضم مزيجا من العناصر والمفردات، كالنصوص بخطوط عربية متنوعة، وبقياسات وألوان متعددة، إضافة إلى الزخارف النباتية والهندسية والحيوانية مختلفة الطرز والأساليب والاتجاهات، وكذلك الرسوم ذات الأشكال الواقعية المتعددة التي تميل إلى المبالغة أحيانا كثيرة، وأهم ما يميز العلاقة القائمة بين هذه العناصر هو المشهد الحكائي أو الروائي، والذي يتخذ أشكالا متعددة تتراوح بين البطولة أو مشاهد الصيد أو قصا لأحداث ووقائع ومواضيع أخرى، ونلحظ أيضا  قدرًا أكبر من الانتظام في توزيع الأشكال والمفردات وفق أهميتها، والتوزيع الهندسي المتعدد المستويات والاتجاهات وفق نظام رياضي والانسجام اللوني الذي غالبا ما ينزع نحو نوع من المبالغة المدهشة ، ولا تخفى عملية تنفيذ أدق التفاصيل بمهارة عالية، والتسلسل المنتظم في سرد الحدث ضمن مساحة محدودة جدا. 

ويبدو طغيان التجريد جليا على المنمنمة العربية والذي يعتمد على التشكيل الهندسي والزخارف لإشباع الذائقة البصرية، وقد لا يحتاج الصانع في المنمنمات إلى ثقافة كبيرة ليحقق شرط الإبداع في لوحاته، وأقصى ما يلزمه هو الفهم العميق للنص الذي يشتغل عليه، وإن خرجت بعض اللوحات الحدية عن السياق، فإنما يعود ذلك إلى تأثر العاملين عليها بالتقنيات التشكيلية الغربية، واللجوء إلى الرموز الدلالية التجريبية مع الاحتفاظ بالإطار التراثي التاريخي للصورة والابتعاد التدريجي عن الواقعية التعبيرية التي تميزها عن اللوحجة التشكيلية أو الصورة كمخرج يرضي الذائقة البصرية لكل المستويات الاجتماعية. 



المنمنمات من التعبيرية إلى التجريدية
Ehsan Logo