البوفاريزم في الشعر السعودي رومانسية الأوقات المنسية : محمد الثبيتي أنموذجًا
د. عماد الخطيب
البوفاريزم هو مصطلح اشتُقَّ من حالة بطلة رواية ( مدام بوفاري) المسماة ( إيما) لكاتبها الروائي ( جوستاف فلوبير) اليت كتبها في نهاية القرن التاسع عشر، وظهور المصطلح بعد شهرة الرواية والجدل القوي حولها ، ومما دار حولها دراسة سبب تمرد ( إيما) فقد أظهرت الرواية علاقة غريبة بين تمرد (إيما ) وقراءتها للكتب ، فقد جاء في أحداث تيار الرواية أن ( مدام بوفاري/ الأم) تنصح ابنها (شارل) أن يمنع زوجته (إيما) من قراءة الكتب، وتدعوه إلى تقديم شكوى ضد بائع الكتب لأن قراءة (إيما) لتلك الكتب كانت سببا لتمردها .
والبوفاريزم تعني : حالة نفسية من الاستياء الرومانسي يصورها المبدع وينقلها إلى المتلقي / القارئ تمثل هروبا متمردا من واقعه نحو عالم خيالي يصنعه من أحلام اليقظة .
وستدرس المقالة البوفاريزم في قصيدة واحدة عنوانها :ط الأوقات" للشاعر ( محمد الثبيتي) من خلال دراسة دلالاتها التي شكلت صورها الشعرية وأوجدت مؤشرات تشكلها عند المتلقي متأثرة بما تشكّل عند الشاعر .
ومع التحليل والشاعر والأوقات/ القصيدة التي مطلعها:
وأفقتُ من تعب القرى
فإذا المدينة شارع قفر
ونافذة تطل على السماء
تظهر منذ البداية دالة رومانسية الشاعر/ العاشق وصورتها المستاء تجاه المدينة : هواها حجر وممنوع على النساء رغم وجود باب له يمكنهن من الدخول إليه هناك حيث المدينة، وهو قوله:
أفقتُ من سغب المدينة خائفا
فإذا الهوى حجر على باب النساء
فهناك تجاذب رومانسي بين الشاعر ووطنه، حب الذات من حب الوطن ، وتظهر دلالات رومانسية التداول في خطابات تصنع الصورة الشعرية المستاءة ( حمرة الأوقات) و( الحزن البكاء) و( سيل الأغنية) و( الشارع الجديد) ليتغير حال الشاعر من استيائه تجاه المدينة إلى حبه لها لأنه يحب وطنه والمدينة جزء منه، فيقول:
وأفقتُ من وطني فكانت حمرة الأوقات مسدلة
وكان الحزن متسعا لأن نبكي
فيغلبنا النشيد
وتسيل أغنية بشارعنا الجديد
ثم تحضر بوفاريزما الثبيتي من دالة إفاقته من زمنه، فقد كان هاربا منها إليها ، حيث المقلتان وماء دموعها المهذب .
ورومانسية الثبيتي رومانسية الطفل، لأنه أول مرة يحب كالطفل الذي يعي لأول مرة معنى شيء ما، ولكن تصويره للحب (مضرجا) أي غارقا، أخرجنا من دائرة الطفولة إلى دائرة المعارك، وهذا يمثل دالة البوفاريزم : الاستياء من الرومانسية، والاستياء لا يعني الرفض والسلبية بل يعني التمرد على الواقع والهروب إلى الأفضل ولو كان مستحيلا، فيقول:
هذا عاشق طفلٌ يباغته الرفاق مضرجا
بالشهوة الأولى.
ثم تأتي صور حب الذات
ثم تأتي صور حب الذات في قوله :" حياء ناصع" و" لون بهي" و" شجر الفؤاد" و" أصابع سمر" ولكن تلك الصور الرومانسية لم تقف عند حدها بل تجاوزته واختلطت مع الجوع والحمى والصوت الشاحب، والتلوث، ولا شك أن المتلقي / القارئ يتأثر بتلك الصور ويستطيع أن يوزعها بين حقلين، الأول للمرأة والشاعر ( طرفا الحالة الرومانسية) والثاني للمدينة والشاعر ( طرفا الحالة البوفاريزم) لتتشكل حالة من الاستياء من الرومانسية التي تجلب معها غير ما هو متوقع ، فدالة حب المدينة هي قول الشاعر:" خارطة البلاد" في حين كانت الحالة رومانسية الطالع مع الوجه الصباحي والأسئلة التي تتكرر على مسامع الرومانسيين.

