الالتزام في الأدب
د. وليد قصاب
لست أدري لماذا تنفر الاتجاهات الأدبية الحديثة -في أغلبها- من الالتزام؟ ولست أدري لماذا لم يعد يتحدث عن دور الأدب وهو وظيفته، وصار الحديث كله يتجه إلى بيان طبيعته ولا سيما اللغوية منها؟ الحل انقطعت صلة الأدب بالحياة والمجتمع، ولم يعد -كما يراد له-أكثر من بناء لغوي متميز؟ وما على المتلقي في هذه الحالة -أيا كان-سواء البحث عن هذا البناء والاشتغال به، وإلا عد متلقيا مختلفا يتعامل مع الأدب بمعطيات قديمة بالية.
إنه واقع الحال يشهد أن الأمر ينبغي أن يكون على النقيض مع ذلك، الالتزام اليوم مطلب حضاري، يعني تواصل الإنسان مع العصر، وعيشه فيه، وهذا عصر الأفكار والإيديولوجيات والمذاهب الفلسفية والسياسية والاجتماعية، ولا يمكن للإنسان أن يعيش متفرجا على ذلك كله من غير أن يكون له موقف.
يقول الناقد الفرنسي ماكس أديريث: (ظهر مصطلح أدب الالتزام، أو أدب الموقف نتيجة لتأثير الإيديولوجيات الحديثة في الأدب، التي تعكس -بالرغم من تعددها وتباينها-في شيء واحد، وهو أنها تعكس المتغيرات الاجتماعية السياسية لعصرنا، ومن أجل ذلك فإن هذه الأيديولوجيات تجبر كل امرئ منا أن يعيد فحص موقفه نقديا من العالم، ومسؤوليته نحو الآخرين) (1),.
وإذا كان هذا من شأن أي إنسان متحضر يحترم عقله، فما بالك إن كان هذا الإنسان مفكرا أو أديبا؟ إنه وقوفه على الحياد، أو موقف غير المبالاة، أو انسحابه إلى عوالم ذاتية أو خيالية لعار ما بعده وعار، وهو في حق المسلم أكثر عارا، فقد جعله الله مستخلفا في الأرض وشاهدا على الناس.
إن على الأديب -وهو رائد لا يكذب أهله-أن ينظر فيما حوله، وأن يحدد موقفه بجلاء ووضوح ليعرف أين يضع قدمه وفي أي جهة يسير؟
إن الالتزام بهذا المفهوم حيوية إيجابية، إنه يعني في هذا الواقع المتحرك بسرعة أننا طرف فيه، أو جزء منه، نساهم في صنعة، وفي تحمل مسؤولية ما يجري على سطحه، بدلا من أن نتفرج عليه، أو نجري وراء الآخرين مثل قطيع الأغنام.
إن الالتزام يجعل الأدب ناشطا جادا فعلا، إذ تأثير في مسار الحياة، وفي حركتها، مما يكسبه المصداقية والقيمة، ولو أخذنا برأي أصحاب الفن للفن، وبرأي بعض المدارس الحديثة المعاصرة التي تنحو منحنى الفن للفن على أشكال مختلفة، لا سقطت منزلة الأدب، إذ سيتحول عندئذ إلى حلى لفظية، وزخارف كلامية، لا غرض لها أبعد من ذلك.
إن الالتزام يجعل الأدب غيريا، مرتبطا بالآخر، منشغلا به، ينبض بهمومه وأحاسيسه، ويعيش أفراحه وأتراحه، بدلا من انغلاقه على ذاته، واجتراره مشاعر فردية، أو هيمانة في أودية الخيال المصرف المجنح.
إن الالتزام يتماشى مع سنة الله في الكون الذي لم يخلق شيئا عبثا، ومن ذلك الكلمة، فهي أمانة ومسؤولية، بل هي أعظم منة امتن الله بها حل الإنسان {الرحمن (1), علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4)} (الرحمن آيات 1-4).
ولا بد للأدب الذي مادته الكلمة أن يكون -ككل ما خلق الله-ذا هدف، إنه ابن الحياة، وعليه خدمتها، ولذلك بمعالجة مشكلاته، أو محاولة تجميلها، أو تقديم تفسير لها، أو الكشف عن أسرارها، أو إيضاح الغرض منها، أو بيان الحق والباطل فيها، وهو بذلك كله يعين الإنسان على العيش فيها، ويكون له هاديا في طريقها اللاهب البعيد.
كان وردز ورث يقول: (كل شاعر عظيم معلم، وأحب أن يعتبرني الناس معلما أو لا شيء) (2).
الالتزام وليد الحرية
ولكن الالتزام وليد الحرية، وهو لا ينمو إلا في أحضانها، ولا يترعرع ويفرع إلا فيه تربتها الخصبة.
إن الالتزام لا يكون قسرا أو إكراها، وإلا فهو (إلزام) لا (التزام) وشتان ما بينهما.
الالتزام إذن الاختيار، والإلزام ابن الإجبار، الأول ثمرة من ثمرات الوعي والإدراك واليقظة المسؤولية، والثاني من ثمرات التغييب والإملاء والتسيير، وشتان ما بينهما.
إن كل أديب (ملتزم) هو أديب حر شريف، إن كل أديب (ملزم) وهو أديب (مسيس) مستبعد، مباع أو مشترى، وشتان ما بينهما.
قد تختلف مع أديب يلتزم فكرا غير فكرك، أو يدعو إلى رؤية غير رؤيتك، ولكنك لا تملك إلا أن تحترمه، لأنه مخلص لمبدئه الذي يدعو إليه، تجلى في هذا الإخلاص وهذا التفاني فيما يعتقد أنه الحق، ولكنه ما إن يتذبذب ويتملق، وما أن لو حابي ويداجي حتى يسقط من عينك، وإن كان يرمي بسهمك، وينطق باعتقادك، لأنه حرارة الصدق تخبت فيما يقول، والصدق عمود كل كلام مؤثر مقنع.
إن الأديب الملتزم كالطائر السابح المنطلق، لا قيد يمسكه، ولا غل يلتف حول يديه، أو جناحيه، أو عنقه، إنه يمضي في هذا الفضاء الرحب الفسيح مغنيا للحرية والبهاء والجمال.. ولكن الأديب الملزم كالطائر الحبيس، لا يشفع له في سجنه جمال قفصه، أو أعمدة الذهب التي صنع منها هذا القفص، أو نفائس الأساور التي وضعت في معصمه، إذ حبسه عارا أنه سجين، لا يحلق إلا في هذا القفص الذي أريد له أن يحلق فيه.
الالتزام -إذن-ليس قيدا، تمام يدعي أعداؤه، بل هو الحرية عينها، ولكنها الحرية الواعية المسؤولة، الحرية التي تحمل رسالة تريد إبلاغها، وليست الحرية الزائفة المنطلقة على غير هدى.
يقول توفيق الحكيم: (الالتزام المثمر للفنان -في رأيي-هو الالتزام الذي ينبع من طبيعته، وهناك لا يتعارض الالتزام مع الحرية، لذلك لم أقل الأديب أول فنان: التزام، بل قلت وأقول: كن حرا..) (3).
ويقول الحكيم -في موطن الدفاع عن الحرية التي هي حارسة الالتزام ومصدره الحقيقي-: (إن الأديب يجب أن يكون حرا، لأنه إذا باع رأيه، أو قيد وجدانه، ذهب عنه في الحال صفة الأديب.. في الحرية هي نبع الفن، وبغير الحرية لا يكون أدب ولا فن.. يجب أن يلتزم وهو لا يشعر أنه ملتزم، مثله مثل حمام زاجل ينقل رسالة وهو حر طائر، لا يشعر بالقيود في ساقة ولا بغل في جناحه) (4).
ضمن كتاب: في النقد والأدب، ترجمة عبد الحميد شيحة، القاهرة. ص 12.
انظر: فن الشعر. لإحسان عباس. ص 17.
أدب الحياة لتوفيق الحكيم.
المرجع السابق.

