الفنان التشكيلي العربي وجماليات اللغة العربية
راضي جودة (*)
استطاع الشعراء والأدباء من خلال لغة الضاد أن يمتلكوا تذكرة العبور للعالم، هل استطاع الفنان التشكيلي العربي من خلال اللغة العربية والتشكيل الحروفي، والنحت والخزف أن ينشر أعماله الفنية ويضع اسمه على خارطة الإبداع حول العالم؟
كيف كان أثر تداول ومشاركات الفنان العربي بتلك الحروف العربية ؟ وتفعيلها في التجربة التشكيلية المعاصرة عبر إجراءات وفعاليات تنطلق من روح الإبداع واستشراف المستقبل حتى نتمكن من إحياء حضور اللغة العربية برؤية معاصرة تجعلها توائم المستجدات المعرفية؟ وتصبح من الأدوات الأصيلة للتنمية الفكرية بعد انفصال الناس والمجتمع بكافة مستوياته وقصر رهانه على استخدام اللغات والحروف والرموز الأجنبية بإفراط بما يمكن أن نطلق عليه النخبة القادرة على التنوع واستجلاب كل متعة بصرية بالمحافظة على القيم الأصيلة للغة الضاد، وهو رهان صعب للفنان وإنتاجه الفني – عبر تجربة لا تتجاوز المائة عام بقليل- وكأنه على هامش التغيير والإبداع، وبعد ذلك غياب للدور الحقيقي والنقي للفنون بأشكالها وأجناسها المختلفة في الحياة المعاصرة، ولهذا كانت تجربة الفنان نجا المهداوي من أكبر الدلالات على النجاح مع الدعم والدعاية، وقد قدم المبدعون العرب والمسلمون للعالم فنونا تشكيلية مبهرة بخلاف الأرابيسك، وأسهموا في خلق قيم فنية معاصرة.
لقد استلهم الفنان التشكيلي العربي من جماليات النص اللغوي والشكل الإبداعي للحرف الكثير من اللوحات والمجسمات القادرة على المنافسة، التي خلقت لها مكانا مهما في حركة تطوير الأشكال الجمالية واعتمادها في كافة المجالات من الأزياء وأدوات الزينة حتى الديكور وتجميل الساحات والمطارات.
وقد كان للتشكيليين رأيهم في العلاقة بين الحرف التشكيلي واللغة العربية ومخاطبة الذوق الغربي بهذا الفن العربي ، فماذا قال التشكيليون؟
الفنان السعودي والناقد عبدالرحمن السليمان لا يتفاءل كثيرا بنظرة الغرب للفن العربي عامة، وإن كانت بعض الأعمال للحروفية العربية تعجبه أحيانا، ومن رأيه:
أن الغرب يرانا بفوقية ، ومن جهة مقلدين له، لذا لا يمكن أن تثيره أعمالنا ويتبناها أو يرعاها أو يقدمها للعالم بأية صورة، قد تعجبه بعض الأعمال العربية لكن أحكامه دومًا مسبقة.
ويحدد الفنان السعودي محمد الرباط أهمية إضافة الخط العربي على اللوحة بقيمه وجماله، ودلالاته ومعنى وجوده في التكوين الفني فقد أدركت الفنون المعاصرة دور الخط العربي في إضفاء جماليات على بنيتها ويعتمده الفنانون نظرًا لانفتاحه ورمزيته المتناهية، مما يضفي على اللوحة التشكيلية طابعًا عربيًّا إسلاميًّا بأبعاد جمالية ورمزية جديدة تزيده تأنقًا، ولنا في ذلك شواهد في أعمال الفنان العالمي وجيه نحلة، والفنان السوري محمد غنوم، والفنان الإماراتي عبدالقادر الريس وغيرهم من الفنانين العراقيين والعرب والعالم الإسلامي الذين انتشرت أعمالهم في جميع أنحاء العالم وأصبحت لهم بصمة خاصة تختلف عن باقي الفنون.
الفنان المصري محمد هليل يرى أن الحرف العربي كان ولا يزال مصدر جذب لمصممي الديكور والأزياء في الغرب، والفنان العربي يملك مخزونا وموروثا ووعيا بأهمية الحرف العربي بأنواعه وتشكيلاته ويقدر ذلك وإن كان يميل للحداثة في أعماله.
الفنان السعودي مفرح عسيري يؤكد أن المبدعين العرب والمسلمين قدموا للعالم أعمالا مبهرة في الفنون الإسلامية التي تتجدد بتجدد العصور والأزمنة وباختلاف المشارب، وساهمت في خلق قيم فنية معاصرة.
فقد استلهم هؤلاء الحروف العربية والزخرفة في أعمالهم التشكيلية ووصلوا إلى مواقع متقدمة في التشكيل المعاصر نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر من بلدان عربية مختلفة : السليم والرضوي وجميل حمودي وفاتح المدرس وضياء العزاوي وفريد بلكاهية، وفنانين لا تحضرني أسماؤهم من السودان ومصر وسوريا قدموا للعالم فنونًا مبهرة لا يمكن إنكارها .
الفنان السوداني محجوب حسن العوض يرى أن الفنانين العرب قدموا الكثير من أعمالهم خدمة للغتهم وثقافتهم وفنهم ، ولكن تنقصهم أدوات الترويج والانتشار وصالات العرض العالمية، ويشاركه الرأي الفنان صفوان أبو الشامات الذي يعتقد أن عالم اليوم بلا حواجز وأن على الفنانين العرب ألا يركنوا للكسل ويخترقوا ويعبروا للعالم المتحضر برسوماتهم ومنهم من حقق ذلك بالفعل مثل السوداني أحمد شبرين والفلسطيني كمال بلاطة والمصري حامد عبدالله وأحمد مصطفى والتوانسة والمغاربة والإماراتي عبدالخالق الريس.
هكذا فإن تجربة الفنان التشكيلي العربي لم تقل بأي حال من الأحوال عن شقيقه الأديب والرياضي والموسيقي وتلك النماذج العربية المشرفة في العلوم والفنون والآداب التي صنعت اسما مبهرًا ولامعًا بين نجوم العالم وجدنا مثيلتها من أسماء الفنانين التشكيليين العرب في هذا الاستبيان وإن دل ذلك إنما يدل على الحماس والاجتهاد من الفنان بما يملك من حب وتقدير للغة العربية والحرف العربي، مما دفعه بنشاط كبير وهمة واهتمام أن يصل هذا الحرف لآفاق العالم ويكون له حضور في كافة المتاحف والمعارض كما حدث من قبل مع فن الأرابيسك

