تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

أول العلم قصة خرافية

د. توفيق السيف 

محاولتي الأولى للفخر بمناهجنا الدراسية مُنيتْ بفشل ذريع، حدث هذا قبل عقدين من الزمن تقريبا، حين طلبتُ اجتماعا مع مدير مدرسة روكسون الابتدائية غرب لندن، حيث درس ابني ، كنتُ قد أعددتُ الكثير من الكلام البليغ حول أهمية الجغرافيا والتاريخ والعلوم والقواعد، وغيرها من الدروس التي أعرفها منذ دراستي الابتدائية، وقد سلحتُ خطبتي المنتظرة بما سمعته تكرارا من أصدقائي عن زملائهم الأمريكان الذين لم يعرفوا أين تقع مصر؟ ولم يعرفوا أن كانت سكوتلندا مثلا دولة مستقلة أو جزءا من بريطانيا؟

كنت أظن أن معرفتنا بموقع مصر ووضعية اسكتلندا تجعلنا متقدمين على إخوتنا الأمريكان. 

أما سبب رغبتي في الاجتماع إلى مدير المدرسة فهو عدم ارتياحي لما ظننته إفراطًا في تخصيص معظم وقت الصف للرسم وقراءة القصص وتشكيل المنحوتات الطينية، قال لي المدير: إنه يتفهم قلقي ، وإته قد عمل سابقا في دول عربية ويعرف أنهم يهتمون كثيرًا بتعليم العلوم والجغرافيا والتاريخ وقواعد اللغة ... إلخ . وأنهم كانوا يفعلون ذلك في بريطانيا قبل زمن لكنهم تخلوا عنه . 

كان هذا التغيير جزءا من تحول أوسع في فلسفة التعليم وأدواته. 

خلاصة الفلسفة القديمة: العلم = معلومات كثيرة تمكن الفرد من انتخاب أفضل الخيارات المتاحة، أما الفلسفة الجديدة فخلاصتها أن العلم = عقل رياضي ، قدرة على التخيل تنتج خيارات جديدة غير متوافرة سابقا. 

فيما مضى كان الاعتقاد السائد أن المعلومات والمعارف الكثيرة التي يُحشى بها ذهن الطفل / الطالب ، سوف تجعله عارفًا بالحياة، مستعدًّا لأي مسار دراسي، لو قرر لاحقًا أن ينضم إلى المسار العلمي فلديه قاعدة أولية عن العلوم، ولو قرر أن يتخذ مسارًا أدبيًّا فلديه بدايات مناسبة، بعبارة أخرى فقد كانت المرحلة الابتدائية تمهيدًا للمرحلة الثانوية وما بعدها، وكان هذا التمهيد ينصرف إلى معنى محدد هو " المعلومات والقواعد الأولية لكل علم" . 

في فلسفة التعليم الجديدة يجري التركيز على تعزيز القدرات الذهنية، قراءة القصص والروايات غرضها توسيع خيال الطفل الأكثر قدرة على التخيل هو الأقدر على إطلاق العقل وراء حدود المتعارف والمألوف، وابتكار عوالم جديدة واحتمالات إضافية، لا تستطيع أن تبدع فكرة إذا كان خيالك محدودا ومحصورا في إطار المألوف، الإبداع هو فتق لحجاب الغيب ونقل المستحيل إلى دائرة الممكنات، الإيمان بالغيب يعني – في أحد وجوهه- الإيمان بوجود عوالم وراء المشهود والمعروف، قابلة للارتياد إذا توفرت وسائله، من لا يؤمن بالغيب فإنه يبقى أسيرا لحدود العالم الذي يعرفه، ميزة المبتكرين والعلماء هو إيمانهم بالعوالم المستورة والمغيبة، وهذا ما رفعهم فوق عامة الناس الذين سجنوا عقولهم في المتعارف والمنقول الذي ألفه الجميع واستأنسوا به . 

أخبرني مدير المدرسة أيضا أنهم يخصصون جزءا كبيرا من الساعات المدرسية للفن التشكيلي ولاسيما الرسم، هذا أيضا عمل يتعلق بتعزيز العقل الرياضي، حقيقة التكنولوجيا هي التركيب المعقد لعوامل وعناصر لا تبدو مؤتلفة في الأصل، يقيم المهندس أو المبتكر رابطة صحيحة بين مجموعة عناصر مادية متوافرة، كي تؤلف عنصرا جديدا مبتكرا يؤدي وظيفة جديدة. القدرة على ابتكار هذه الروابط تعتمد بدرجة كبيرة على الإدراك العميق للمسافات والمساحات وفروق القوة بينها وكيفية إيجاد معادلات فيما بين تلك الأجزاء كي تتحول من كتل منفصلة إلى مركب واحد متكامل الوظائف، حين نحاول رسم لوحة فإننا نركز علتى العلاقة بين الخطوط والمسافات والمساحات ودرجات الألوان، قابلية اللوحة للتأثير في عين المشاهد هي محصلة تلك العلاقة المعقدة ، وهذا هو الأساس في تركيب جهاز جديد يؤدي وظيفة محددة أو تصميم مشروع هندسي أو حتى تأليف فكرة جديدة غير مألوفة . 

أما حديث المدير عن تشكيل الطين، وهو أيضا من الدروس اليومية فقد ذكرني بما تكتبه صحافتنا دائما عن التلاؤم المفقود بين مخرجات التعليم وسوق العمل .

حين يلمس الطبيب يدك فإنه يدرك على الفور إن كنت مريضا أو معافى، وحين يلمس الجيولوجي الصخرة فإنه يدرك طبيعة الأرض التي تنتمي إليها، وحين يستعمل مبرمج الكومبيوتر برنامجا لمدة دقيقتين فإنه سيعرف حدود فاعليته وربما عيوبه، يتجلى الفارق بين الخبراء وبين سائر الناس في النظرة الأولى، يركز الناس عادة على الأشكال الخارجية للمواد والأشياء، أما الخبير فيركز على عنصر محدد يظنه مفتاحا لفهم طبيعة المادة التي يراقبها، ربما يستمع إلى صوت المكينة أو يتلمس الجسد أو ينظر في اللوحة أو ينصت إلى حفيف الريح، كي يخبرك بما لا تستطيع اكتشافه من النظرة الأولى.

تشكيل الطين يستهدف تمرين أدوات الإحساس، الأصابع مثلا، على التواصل الفائق السرعة مع العقل، بحيث تعمل في وقت لاحق بصورة عفوية تستوعب ما تلمسه، تدرك طبيعته وحجمه ... إلخ ، لكن هذا ليس الهدف الوحيد ، الهدف الآخر هو تعويد الأطفال على العمل اليدوي الذي يبدأ لعبا، لكنه يتطور إلى تشكيل صحيح ومفيد. نعرف أن الذين اعتادوا على العمل اليدوي – الوسخ أحيانا- في صغرهم وحققوا نجاحات وحصلوا على تقدير الآخرين، سوف يواصلون هذا العمل حين يكبرون – مثل هؤلاء لا يرهبون الطبيعة ولا يخشون من محاولة التحكم فيها، فقد سبق لهم أن جربوا هذا ولو في نطاق ابتدائي. 

في كل مرة أصادف طفلا يكافح لحفظ أحكام زكاة الإبل وأمثالها، أتذكر ذلك المدير الذكي، وأتذكر أيضا أن ابني درس عنده نجح مع ثلاثة من زملائه حين بلغوا المرحلة الثانوية في تصميم كاميرا، صوروا بها فعلا ورأينا صورها، علما بأنهم لم يشتروا أي قطعة من السوق، بل استعملوا مواد متوافرة في كل مكان، في صناديق القمامة أحيانا . صحيح أن 

هذه الكاميرا لن تباع، وليست قادرة على منافسة الكاميرات المتوافرة في السوق، لكن ما يهمني في حقيقة الأمر هو جرأة هؤلاء الفتيان على أن يصنعوا شيئا من لا شيء، ما يهمني هو قدرتهم على تحويل الأشياء البسيطة المهملة إلى تركيب معقد يؤدي وظيفة جديدة.

أسأل نفسي دائما: أي تعليم نريد؟

تعليما يخرج أطفالا حافظين لأحكام زكاة الإبل ؟ أم أطفالا قادرين على تحويل المهملات إلى مصنوعات مفيدة؟ 

أميل إلى اختيار الجواب الثاني ، فإن كنت مثلي ، فخذ طفلك إلى المكتبة ودعه يشتري كل ما يراه أمامه من قصص وروايات خرافية أو غريبة. 

الخيال الواسع هو البداية الصحيحة للعقل المبدع. 




أول العلم قصة خرافية
Ehsan Logo