الخزانة المغربية وتطورها
إعداد: الأستاذ محمد القاضي
يقول الأديب الأمريكي "هنري ديفيد ثورو": "الكتب هي ثروة الدنيا المخبوءة، وميراث الأجيال والشعوب".
عشق الكتب داء قديم، والاهتمام بالكتب سبب للعلم والمعرفة وثمرة لها، والاهتمام بها يعتبر جزءًا من العقيدة الإسلامية وأساساً مفيداً قوياً في بناء مجتمعنا الإسلامي. هذه العقيدة التي تتلاءم مع كل عقل وتفكير، وتتجاوب مع تطور الزمن. مع أن المغرب قبل الإسلام قد رفض جميع الفتوحات المادية والتأثيرات المعنوية فإنه تقبل الهداية الإسلامية في أول عهودها الزاهرة باطمئنان ورضى. ومع الإسلام أصبح المغربي تواقا إلى المعرفة ساعيا في تحصيلها، كما عمل على إرساء قواعد الثقافة الإسلامية وحمايتها كلما تعرضت لمعاكسة أو مؤامرة. فكانت عنايتهم بالكتاب والمكتبات واضحة في كل العصور والظروف والأحوال، وعلى اختلاف مستوياتهم العلمية يتبارون في ذلك ويتفاخرون ويدخرون كل إمكانية لهذا الأمر الكريم.
أول مكتبة مغربية عمومية
تقول د. بنت الشاطئ: "يشهد التاريخ للعرب بأنهم حرصوا منذ قامت دولتهم الإسلامية الكبرى، على أن تكون المكتبات العامة حارسة للمخطوطات، ومدارس مفتوحة الأبواب لطلاب العلم، ورصدوا لها من الجهود والأموال ما جعلها مقصد العلماء والطلاب في زمن لم يكن يعرف سوى الكتاب وسيلة لنشر الثقافة". (1),
والمغرب كجزء من الدولة الإسلامية الكبرى، فقد اهتمّ هو الآخر بتأسيس المكتبات والعناية بها والسهر على إنمائها، انطلاقاً من المسجد والمدرسة إلى المكتبة الكبيرة التي تجمع بين رفوفها كثيراً من كتب العلم.
ويرى الأستاذ (عبد الله الرجراجي): "أنه في عهد دولة مغراوة – الدولة الثالثة بعد انقراض الأدارسة وآل العافية ودولة زناتة – ظهرت مكتبة خاصة على يد (بني عجوز) في سبتة أسّسها أبو عبد الرحمن أحمد الكتامي السبتي (المتوفى سنة 413هـ) وكانت تحتوي على مجموعات من الكتب التي جمعها أثناء أسفاره ورحلاته إلى إفريقية والأندلس". (2)
أما أول مكتبة عمومية عرفها المغرب فهي المكتبة التي أسسها (أبو الحسن الشاري) بجوار مدرسته (571هـ/649هـ) وذلك بلدته سبتة، فقد قام أبو الحسن الشاري بتأسيس مدرسة للطلاب كانت الأولى من نوعها في المغرب الأقصى، جعلها لإيواء الطلبة من جهة وللدراسة المنظمة من جهة أخرى، مع تحبيس خزانة كتب عليها، وهي أول مكتبة وُقفت بالمغرب على أهل العلم. وكان (أبو الحسن الشاري) شغوفاً باقتناء الكتب أينما حلَّ وارتحل حتى قال عنه تلميذه (ابن الزبير): "وكان قد تحصل عنده من الأعلاق والنفائس وأمهات الدواوين العلمية ما لم يكن عند أحد من أبناء عصره ولا تحصل عند كثير ممن تقدمه". (3)
وقد لعبت هذه المكتبة إلى جانب المدرسة دوراً هاماً في ميدان العلم ونشر المعرفة.
المكتبة المغربية وتطورها
كان تأسيس مدينة فاس بمثابة وضع الأساس الأول لصرح الحضارة المغربية العريقة، ولهذا فإن تأسيس هذه العاصمة يُعد من الأحداث الكبرى في تاريخ المغرب الإسلامي، كما كانت كعبة يفدُ الناس إليها من كل صوب، وخصوصاً عندما بدأت تأخذ طابعها العلمي الذي برز عند تأسيس جامع القرويين الذي أصبح مناراً للإشعاع الفكري الإسلامي العربي في أفريقيا الغربية كلها. وقد لعب هذا الجامع دوراً هاماً في التطوير الثقافي ونشر اللغة العربية وبث الوعي الإسلامي؛ كما تأسست به خزانة علمية مهمة نمت على مر العصور. لأن الملوك المغاربة ظلوا يزودون هذه المكتبة بالكتب النفيسة والمفيدة.
واعتناء ملوك المغرب بجمع الكتب أشهر من أن يعرّف، فقد اهتم هؤلاء بالعلم وشجّعوا بمختلف الوسائل العلماءَ والمؤلفين على الإنتاج والتأليف "والتاريخ لا يسجل لنا شيئاً يذكر عن نشأة المكتبة لدى قيام دولة المرابطين، سوى أن (يوسف بن تاشفين) لما عاد من الأندلس صحب معه إلى المغرب عدة مؤلفات كما قام من جهة ثانية بجلب كتب أخرى من المشرق". (4)
لقد كانت لــ (يوسف بن تاشفين) وابنه (أبي الحسن) مكتبات مهمة، بذلوا بسخاء لاقتناء كتبها وتنميتها ويذكر الأستاذ (محمد العابد الفاسي)
أن بمكتبة القرويين بقية من نسخة الموطأ في عدة أجزاء في ورق الغزال ثبت في جزئها الحادي عشر بخط ناسخه ما صورته: "مما كتبه لخزانة أمير المسلمين وناصر الدين علي بن يوسف أدام الله تأييده ونصره يحيى بن محمد بن عباد اللخمي". وفي آخر الجزء المذكور: وكان الفراغ منه بحضرة مراكش حرسها الله غرة شعبان من سنة اثنين وخمسمائة وفي آخر الجزء الحادي والثلاثين: "وكتب بمدينة مراكش حرسها الله سنة ثلاث وخمسمائة". والمتتبّع لكتب التراجم والطبقات التي تتحدث عن رجال هذا العصر يجد جملة وافرة من الأدلة والبراهين على انتشار المكتبة إن لم تكن بمعناها العام المعروف، فبمعناها الضيق". (5)
ويجدر بي هنا أن أذكِّر بأن خزانة جامع علي بن يوسف بن تاشفين بمراكش "يرجع تاريخها إلى أوائل القرن السادس الهجري (537هـ)، حينما أسس الأمير المذكور الجامع الأعظم بعاصمته مراكش، ذلك الجامع الذي ظل يحمل اسمه عبر القرون والأجيال.
وفي مقصورة من مقاصير الجامع – كما هو الشأن في سائر المساجد الجامعة بديار الإسلام – وضعت النواة الأولى لخزانة الكتب والمصاحف فارتبطت منذ ذلك الحين حياة خزانة الكتب بحياة المسجد نفسه.
وازدهرت حركة جمع الكتب واستنساخها خلال عصر المرابطين ثم بلغت الأوج خلال عصر الموحدين. (6)
فعلاً: فقد اتسع نطاق الحركة العلمية في عصر الموحدين، وتمّيز عهدهم بالحرية الفكرية وتشجيع رجال الفكر وتقديرهم والعناية بهم، وأصبحت مراكش أيام ازدهار الحضارة الموحدية، مدينةَ علم وفكر وأدب تضجّ بأعلام كبار في كل فن. فانصبَّ الاهتمام على تأليف الكتب في ميادين الفقه، والأدب، والتاريخ والفلسفة. "وفي هذا الميدان برز أعلام أفذاذ نذكر في طليعتهم ابن رشد (الجد والحفيد) وابنَ مضاء القرطبي الذي استدعاه أبو يعقوب يوسف بن عبد المومن وقربه إلى مجلسه تكريما له على ما أسداه من خدمات جليلة في هذا المجال ثم أبا العباس الصقر الذي أناطه عبد المومن بن علي بمأمورية الإشراف على المكتبة الملكية التي كانت سنواتها الأولى تتكون من مجموعات جُلبت من الأندلس وأخرى من الشرق فضلاً عن المجموعات المغربية.
وأول مكتبة عامة في هذا العهد هي مكتبة (أبي يعقوب الموحدي) كان يسهر على تسييرها وازدهرت حتى أنها كانت تقارن بمكتبة الحَكَم المستنصر لدين الله". (7)
وفي العهد المريني ازدهرت العلوم والآداب، وبلغ سلاطينهم الغاية في خدمة العلم والاحتفاء بأهله، مما أدّى إلى رواج المعارف على اختلافها، ويعتبر العصر المريني أزهى العصور الفكرية بالمغرب، إذ كان الاهتمام بتأسيس المعاهد العلمية والمدارس لعموم الطلبة والزوايا المعدَّة لطالبي العلم من أهم الوسائل التي اهتم بها ملوك الدولة المرينية. فأسّسوا المدارس في فاس وتازة ومكناس وسلا وطنجة ومراكش وآزمور وآسفي، وأغمات، والقصر الكبير، وتلمسان. كما أن هذه المدارس كانت تشتمل على خزانة خاصة موضوعة لعموم المطالعين من الطلبة، ووجود هذه الخزائن بها أمر مفروغ منه معثور على كثير من الكتب التي كانت موضوعة فيها. وفي تاريخ ابن خلدون صفحة (210) من الجزء السابع في موضوع الحديث عن ورود ملك الإسبان على السلطان يعقوب المنصور بن عبد الحق المريني مستسلماً ومستغيثاً: وسأل منه أمير المؤمنين أن يبعث من كتب العلم التي بأيدي النصارى منذ استيلائهم على مدن الإسلام فاستكثر من أصنافها في ثلاثة عشر حملاً بعث بها إليه فوقفها السلطان بالمدرسة التي أسسها بفاس لحملة العلم (8).
وخزانة القرويين تشتمل على كثير من الكتب التي وقفت من قِبَل ملوك بني مرين وبني وطاس وغيرهم من أعيان دولتهم وشيوخهم يرجع تاريخ أكثرها إلى عام 784هـ - 795هـ.
وأصبحت المكتبة في هذا العصر تقوم بدور ثقافي كبير، وتخضع لنظام مهم يسهل على القارئ البحث.
وإذا ما أدخلنا في اعتبارنا أهمية الدور الذي كانت تؤديه هذه المكتبات في الأوساط العلمية آنذاك فإن أهم مكتبة - حسبما تذكره لنا المصادر التاريخية- كانت هي مكتبة (أبي عنان المريني) الذي يُعد أول من فكّر في وضع أنظمة مكتبية تسهل على القارئ البحث، من جملة ذلك أنه سلك منهجاً جديداً في ترتيب هذه المكتبة، إذ فصل المصاحب القرآنية وخصص لها مكتبة قرب المحراب والمنبر ووضع الأخرى وهي الخاصة بالكتب في آخر المسجد وجعل لها بابين أحدهما خارج المسجد ،ثم أصدر مرسوماً يقضي بتحسين كتبها، ثم أضاف إليها الشحنة التي أرسلها الملك (دون سانشو) المذكور آنفاً وما يزال لحد الآن نصُّ المرسوم منقوشاً بالجبص على باب المكتبة القديمة بجامعة القرويين". (9)
أما في عهد السعديين فقد انتشرت عدة مكتبات على نطاق واسع ملحوظ، وأصبحت مدينة مراكش- حاضرة السعديين ودار ملكهم - تزخر بالعلماء والأدباء الذين نزحوا إليها من كل جهة (من الأندلس والجزائر والسودان والشرق الأدنى).
والمتّتبع للحركة العلمية في عصر (أبي العباس المنصور) يجدها حركة انبعث فيها النشاط وكثر الإنتاج العلمي في مختلف الفنون وخاصة منها ما يرجع للبلاغة والأدب، ونبغ شعراء وكُتّاب… وتكونت علاقات فتية بين بلاط المنصور وبين مجالس الأدب، وتقرب إليه -أيضاً- جماعة من أهل العلم بمصر وغيرها فأهدوا لخزانة المنصور أجمل ما كتبوا وأمتنه. (10)
وكان الخليفة (المنصور السعدي) شديد التعلّق بالكتب. يقول (الافراني) في النزهة، صفحة (122) (طبعة فاس) قال الفشتالي: "ومما تميز به تيهاً وعجباً خزانته على سائر الخزائن الملوكية وتآليف الفاضل العلامة الرحال(أبي جمعة سعيد بن مسعود الماغوسي) التي منها شرح لامية العجم، أملى بعضه أو كله في المشرق وهذّبه في المغرب وخدم به المنصور، وله شرح على درر السمطي لابن الأبار.
والماغوسي المذكور من أشهر أدباء عصر المنصور.
"جاء (السعديون) فأنشؤوا خزائنهم الكبرى بمراكش لخلفائهم وأمرائهم وقوادهم، وحبسوا آلاف الكتب على المساجد والزوايا.
وننتقل مع تطور الكتاب والمكتبات بالمغرب إلى عصر العلويين، حيث تنافس ملوك هذه الأسرة على شراء الكتب ونسخها في عدة نسخ وإنشاء مكتبات لها ثم وقفها على هذه المكتبات.
هكذا تطورت الخزانة المغربية في مختلف العصور التاريخية، وهكذا رأينا أن المكتبات القديمة كانت توجد في المساجد والزوايا (وما زالت بعض الزوايا في المغرب تشتمل على خزانات علمية مهمة توجد بها مخطوطات نفيسة نائمة في رفوفها مثل: الزاوية الحمزوية، وزاوية تنغملت، والزاوية الناصرية تمكروت) وهذه المخطوطات هي أوقاف إسلامية بحيث لا يمكن بيعها أو تفويتها، وإنما يقتصر على الاستفادة منها والمحافظة عليها للأجيال المتعاقبة.
وتضمُّ المكتبات والخزائن العامة والخاصة بالمغرب اليوم عشرات الآلاف من المخطوطات في كل الفنون والعلوم المختلفة، إضافة إلى الوثائق المتنوعة في كلّ من مدن الرباط وفاس ومراكش ومكناس وتطوان، وتازة، ووزان، وسلا.
وهناك خزانات حبسية وقفها أصحابها في السنوات الأخيرة، مثل:
خزانة (علال الفاسي) في الرباط، وهي غنية بمخطوطاتها الكثيرة، وقد صدر لها فهرس موجز في أربعة أجزاء يعّرف بمحتوياتها وتصف نماذج المخطوطات بها.
خزانة (عبد الله كنون) في طنجة، وتقدر مخطوطاتها (بخمسمائة) مخطوط، وتضم كثيرا من النوادر.
خزانة (محمد داود) في تطوان، وتصل مخطوطاتها إلى (أربعمائة) مخطوط، وبخاصة ما أنتجه علماء تطوان في القرون الثلاثة الأخيرة، زيادة على نسخ مخطوطة عتيقة أندلسية ومغربية ومشرقية.
الخزانة الصبيحة في سلا، ومخطوطاتها تفوق (1300) عنوان، وضمنها عدد لا بأس به من الأعمال النادرة التي تنفرد بها هذه الخزانة، ولاسيما ما كان من إنتاج علماء سلا والرباط في القرون المتأخرة.
خزانة (ابن سودة) في فاس، وأصلها تلك المكتبة الأحمدية التي كان كثيرا ما يحيل عليها المؤرخ (عبد السلام بن سودة) في كتابه (دليل مؤرخ المغرب الأقصى) وإلى كثير من النوادر بها، وما تزال تحتفظ إلى الآن بكثير من المخطوطات التي لها قيمة تُذكر.
وهناك خزانات أخرى غنّية بالمخطوطات والنوادر، غير أنها تغيب محتوياتها المفصلة عن الباحثين والمهتمين إلا في إطار ضيق جداً، كخزانة الفاسيين في فاس وخزانة العلامة محمد المختار السوسي في سوس، وخزانة الأسرة الأدوزية في سوس، وخزانة الأسرة البدراوية في فاس، وخزانة إبراهيم الكتاني بالرباط وخزانة الفقيه محمد بوخبزة بتطوان. (11),
ختاماً:
لابد أن نذكر ختام هذا المقال أسماء بعض المختصين والمهتمين بالتراث العربى الذين وضعوا فهارس لمكتبات وخزانات عمومية في المغرب وهم: الأستاذ محمد المنونى، والأستاذ عبدالله عنان، والأستاذ عبدالله الرجراجي، والأستاذ عبدالله كنون، والأستاذ الصديق بلعربي، والأستاذ محمد العربي الخطابي وغيرهم.
الهوامش
تراثنا بين ماض وحاضر ص 17.
مجلة الإيمان، يونيو 1965 م، ص 68.
صلة الصلة ص 152.
عبد الله الرجراجي، مجلة الإيمان، يونيو 1965 م ص 68.
الخزانة العلمية في المغرب ص 9.
نقلاً من فهرس مخطوطات خزانة ابن يوسف في مراكش، الصديق بلعربى، المقدمة.

