ابن سينا الكيميائي
تبوأ ابن سينا مكانا مرموقا فى العلم والفلسفة، ولا سيما في الطب وعلم النفس، فقد أبدع فى هذين العلمين وبز من قبله، وكتب فى الطبيعيات والهندسة والرياضيات فضلا عما عُرف عنه كفيسوف كبير أتى في الإسلام بعد كل من الكندي والفارابي، وصنع فلسفة إسلامية تضم مذهبا فى الأنطولوجيا والإبستمولوجيا ومباحث القيمة .
كما كان ابن سينا منطقيا ولغويا وشاعرا ألف كتبا ورسائل تزيد على المائتي كتاب ورسالة في القرن الرابع الهجري، وكان يتقن اللغتين العربية والفارسية، كما كان أسلوبه من أجعل الأساليب العلمية الأدبية. ولد ابن سينا بقرية من قرى ضواحي مدينة بخارى (٨٢٤-٠٧٣هـ) وحين بلغ العاشرة من عمره كان قد حفظ القرآن الكريم، ودرس الكثير من الأدب وتعلم في صباه الحساب والفقه، كما درس المنطق ورياضيات إقليدس وفلك المجسطي، وشرع في دراسة الطب.
وحين بلغ السادسة عشر من عمره، عالج سلطان بخارى نوح من منصور الساماني من مرض عجز الأطباء قبله عن علاجه، فقربه وأتاح له الاطلاع على مكتبته الضخمة، فأقبل عليها يقرأها كتابا كتبا، وحين بلغ الثامنة عشرة من عمره كان قد صار طبيبا ناجحا، وذاعت شهرته كطبيب.
وقد اعتمد ابن سينا في الطب على الملاحظة في وصفه للعضو المريض وصفا تشريحيا وفسيولوجيا، واستفاد من هذا الوصف التشريحي في تشخيص المرض. . كما اعتمد فى ممارسته الطبية على التجربة والاستفادة من تجارب من سبقوه وهذا نجده واضحا في موسوعته الطبية الكبيرة والفريدة «القانون» وقد اكتشف كثيرا من الأمراض وكان أول من قال بالعدوى وانتقال الأمراض المعدية عن طريق الماء والتراب، وبخاصة عدوى السل الرئوي .
أ.د.بركات محمد مراد *
ويعتبر ابن سينا أول من وصف التهاب السحايا، وأظهر الفرق بينه وبين التهاب الحجاب الفاصل بين الرئتين، وأول من اكتشف الدودة المستديرة أو دودة الإنكلستوما قبل الطبيب البرتغالي «رونتيني» بأكثر من ثمانمائة عام. وأول من تحدث وبشكل دقيق عن السكتة الدماغية أو ما يسمى بالموت الفجائي، واكتشافه لأنواع من المرقدات أو المخدرات التى يجب أن تعطى للمرضى، قبل إجراء العمليات الجراحية، تخفيفا لما يعانونه من ألم أثناء الجراحات وبعدها . وله كثير من الاكتشافات العلمية والطبية يمكن متابعتها فى تلك الدراسات التى تمت على كتابه الكبير (القانون) الذي تُرجم فى وقت مبكر إلى اللغة اللاتينية، وظلت أوروبا تعتمد عليه في معالجاتها حتى بداية عصر النهضة الأوربية الحديثة.
وقد أظهر ابن سينا براعة نادرة فى إجراء الملاحظات والتجارب، ولم يقتصر ذلك على ميدان علم الطب، فقد عمد إلى التجربة والملاحظة أيضا فى الجيولوجيا وعلم الآثار العلوية، وعلم الهيئة وعلمي النبات والحيوان، وكلها تدخل في نطاق العلوم الطبيعية. كما برع فى علم الكيمياء، واتفق مع جابر بن حيان فى نظرية العناصر، ثم خالفه بحس العالم التجريبي فى إمكانية تحويل العناصر من واحد إلى آخر، وأنكر بذلك علم الصنعة (أي تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة) إنكارا تاما حيث ارتأى، أن التركيب الأساسي للعنصر في الطبيعة لا يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه، حيث اعتبر أن تقليد الطبيعة امرا عسيرا، بل متعذرا على الإنسان، ولهذا لم يؤمن بنظرية استحالة العناصر أو التدبير والصنعة، على الرغم من أنها كانت نظرية سائدة فى عصره أمن بها كثير من العلماء والمفكرين.
ولما كان ابن سينا طبيبا ماهرا، وصيدلانيا بارعا، ذائع الصيت، لابد أنه قام بصنع الأدوية بنفسه التى أوردها فى الجزئين الأخيرين من كتاب (القانون فى الطب) هذا وقد أشار إلى عدد كبير من العمليات الكيميائية كالتقطير والترشيح والتصعيد والاستخلاص والتشميع، واستعمل أجهزة مختلفة للوصول إلى طلبه، شأنه شأن أبي بكر الرازي، وذكر عددا من المركبات الكيماوية منها ما كان من أصل نباتي أو حيواني أو معدني، وعلى الرغم من اعتماده في دراسته للنبات والحيوان والطبيعة على كل من الكندي وأبي حنيفة الدينوري والرازي، إلا أننا نجد له كثيرا من النظريات العلمية الصائبة فى هذه العلوم، ونلمس بشكل وضاح جهدا تجريبيا كبيرا يقوم به فى هذا المجال .
لقد درس ابن سينا تكوين المعادن دراسة مستفيضة، وقد أدته دراسته إلى تحديد موقفه من إمكانية صناعة الكيمياء أو عدم إمكانها، إذ أن صناعة الكيمياء كما يقول ابن خلدون قائمة عند الباحثين فيها على حل المعادن السبعة المنطرقة، وهي الذهب والفضة والرصاص والقصدير والنحاس والحديد والخارصين، وهي تختلف فيما بينها بالفصول، أي أنها كلها أنواع قائمة بأنفسها وحين أنكر ابن سينا إمكانية علم الصنعة، لم ينكر العمليات الكيميائية الكثيرة والمشروعة مثل التبخير والتصعيد وغيرها من العمليات التى قام هو نفسه بإجراءها، ولكنه أنكر إمكان تحويل معدن إلى معدن آخر، فقد تفشت نظرية تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة فى زمنه وأخذت بها مدارس علم الكيمياء أو الصنعة.
فابن سينا لم ينكر التجارب الكيميائية، ولم يعارض فى تحليل الأجسام والمواد المعدنية إلى عناصرها الأولية، لمعرفة بسائطها، فهو فى رسالته «الأكسير» يقسمها إلى تسعة فصول تبحث في الجوهر المختلط وفي طلب صنعته، وفى التركيب وفى غيرها من المعدنيات، وفى العمليات الكيميائية التي يمكن للباحث القيام بها ومن تفحص رسالته، وقد تمكن من فهم التفاعلات الكيميائية التي تحصل للأجسام، ووصفها وصفا دقيقا، يقوم على الملاحظة والمشاهدة بما كان يستحضره من معدنيات ومواد كيميائية، إذ أن النتائج التى كان يصل إليها كلها، مستوحاة من تجاربه، فقد كان جادا فى الكشف عن تلك التفاعلات، ولم يفته فى هذا المجال أن يستخلص كل خواص العمليات الكيميائية وقوانينها.
ومن أهم هذه العمليات التى كان يسميها (تدابير) والتى تتخذ دائما لتحضير العقاقير: الطبخ، والشي والقلي، والتبخير، والتدخين، والتصعيد، والتذويب، والتليين، والشعال، والتجمير، والتفحيم، وما يقبل ذلك وما لا يقبله بالإضافة إلى التنقية والتشميع، والحل والعقد والتنقية والتقطير، والاستنزال والطبخ والتلفية.
ولا أدل على انخراط ابن سينا فى علم الكيمياء وبراعته فى ممارسة عملياته وتجاربه من شهادة «إدوارد فابر» في كتابه( نوابغ علم الكيمياء)، حيث يذكر أن ابن سينا لم يكتف باستخدام الطريقة
المنطقية لشرح بعض النقاط الغامضة فى مؤلفات أسلافه فى علم ٨ الكيمياء، بل أجرى تجارب كثيرة فى ميدان الكيمياء مثل تعيين الوزن النوعي لمعادن كثيرة ومواد كيميائية عديدة، كما قام بدراسة مفصلة لخواص بعض المواد الكيميائية والأحماض، فهو أول من شرح طريقة إعداد زيت الزاج أو حامض الكبريت Acid والكحول، وتقديم خواصهما بالتفصيل. ويؤكد على ذلك "بنجمين لي جوردن" بقوله"هناك إجماع بين مؤرخي العلوم ان ابن سينا ليس فقط أول عن وصف زيت الزاج والكحول، ولكن هو أول من ابتكر طريقة إعدادهما". وفى طبيعيات الشفاء الموسوعة الفلسفية والطبيعية لابن سينا يشير إلى هذه العمليات بالتفصيل، كما يشير إلى عملية الانصهار الكيميائي للأجسام وللمادة الكيميائية الكفيلة بتحقيق ذلك، وفى رأيه أن الأجسام (المعادن) لا تنصهر من الداخل، أي لا تنحل كيمياويا، وإنما هي تتفكك، وتنصهر بفعل عوامل طبيعية خارجية، وهي الحرارة، ويراد بالجوهر فى نصه المادة التى من شأنها أن تسمح بعملية الانصهار، وهي تقابل فى الكيمياء الحديثة العنصر الكيميائي الفاعل. ويفرق ابن سينا بين موضوع الانصهار الكيميائي وبين مادته، فالعملية الكيميائية تتوقف على هذين الأخيرين مع بعضهما البعض وهما اللذان يجعلان الأجسام (المعادن) قابلة للتشكل والتركيب الكيميائي.
وقد كانت هناك مدرستان فيما يتصل بهذا العلم، فريق منهما يرى إمكان تحويل معدن خسيس إلى معدن نفيس كالذهب، وفريق آخر ينكر هذا التحويل . وقد كان الرازي والفارابي وجابر بن حيان من الفريق الذي يرى إمكان ذلك، وقد ذكر جابر بن حيان ان أسرار الطبيعة قد تمتنع على الناس لأحد سببين : فإما أن يكون ذلك لشدة خفائها وعسر الكشف عنها، وإما أن يكون ذلك للطافة تلك الأسرار حيث يتعذر الإمساك بها، وسواء أكان الأمر هو هذا أو ذاك، كان فى وسع الباحث أن يلتمس طريقا إلى تحقيقه، فلا صعوبة الموضوع ولا لطافته ودقته ما يجوز أن تحول العلماء دون السير فى شوط البحث إلى غايته.
ومن هنا يجعل «جابر بن حيان » الفكرة الرئيسة في بحوثه الكيميائية هي استحالة المعادن وهو ممكن في نظره، لأن للمعادن مقومين أساسيين هما : الكبريت والزئبق، وهما قد تكونا منذ قديم الزمان فى جوف الأرض من العناصر الأساسية الأربعة، وحيث أن كل معدن ما هو إلا تركيب من زئبق وكبريت بنسب متفاوتة، والذهب معدن غني فى الزئبق فقير فى الكبريت، بينما يتوفر الكبريت في الحديد أو في أي معدن آخر خسيس، إذا يمكن تحويل الثاني إلى الأول بالأكسير الذي يبدأ تركيبه من مزيج يشمل عنصري الكبريت والزئبق بنسب معينة محددة .
ويذكر المستشرق"هوليمار" أن الرازي قد صنف كتابا فى تفنيد المشككين والرد العنيف عليهم، وكان من المشككين بهذه الفكرة المترجم"حنين ين إسحق" وبعض العلماء والفلاسفة الذين سيكون على رأسهم ابن سينا، الذي تناول بالتفصيل عملية توليد الفلزات والمعادن ووصفها في كتابه"الشفاء"، وكذلك فى الجزء الثانى من القانون، وقد دارت بين ابن سينا والبيروني مناقشات واسعة حول هذا الموضوع، وقد كان للبيروني أيضا إسهامات كبيرة فى علم المعادن خاصة فى كتابه "الجماهر" الذي حدد فيه كثير من الأوزان النوعية لهذه المعادن والجواهر .
وحين يقسم ابن سينا المعادن إلى أربعة أقسام وهي : الحجارة، المواد القابلة للإنصهار، الكباريت، الأملاح، نجده يسلك مسلك "جابر بن حيان" من حيث تكوين المعادن، وقد جاء، نظريته فى هذا الموضوع مطابقة لنظرية جابر إلى حد كبير، وفى ذلك يقول :"إن المعادن كلها تتكون نتيجة لاتحاد الزئبق بالكبريت، أو أجسام مشابهة لهما فإذا كان الزئبق نقيا واتحد بالكبريت النقي الممتاز، كان الناتج فضة" .
ويحصر ابن سينا عملية التكوين الكيميائي للمعادن على أساس خصائص وصفات كل من الكبريت والزئبق من حيث النقاوة وعدمها .
فإذا كان الكبريت غير نقي والزئبق كذلك، فإنهما ينعقدان ليكونا النحاس، ونفس الشيء إذا كان الزئبق فاسد ترابيا يعوزه التماسك، فإن الحاصل يكون حديدا .
ولكن إذا كان ابن سينا يتفق وجابر فى نظرية تكوين العناصر، فإنه يخالفه فى عملية تحويل المعادن قصد الحصول على الذهب والفضة من المعادن الخسيسة، وإذا كان ابن سينا يعتمد فى التحليل والتركيب الكيميائي على كل المواد النباتية والحيوانية والمعدنية، مثل ما يفعل جابر بن حيان، فإنه لم يعتمد فى وصف العناصر على التركيب الداخلي، أو التحويل الجوهري للعنصر، بقدر ما اعتمد فى هذا الوصف على الخصائص الطبيعية أو الفيزيائية، أو البنية الذاتية للعنصر فى الطبيعة، وبذلك عمد إلى التجربة، واستخلاص النتائج مخبريا، يقول فى رسالة هامة له"فأما الزئبق فنأخذه ونجمده بريح الرصاص، إن كان للبياض، والأسرب، إن كان للصفرة، وذلك بأن نجعل فى صفره ونثره عليه للبياض رمادا أو مارقشينا فضي، وللصفرة مارقشينا ذهباني أو كبريت أو رمادا أيضا ويصب علي وجهه الرصاص أو الأسرب الذائب بحيث لا يختلط به، نفعل ذلك مرارا حتى يجمد ويصير حجرا" .
وبنفس الطريقة العلمية يعالج كثيرا من العمليات الأخرى كالتكليس والتحليل، مميزا في ذلك بين الأجساد الصلبة، فالأولى فى رأيه "تزجر بالنشادر، والخل، وتحرق بالمحروقات دهنى يقبل السحاق كالملح والنوشادر والكبريت بالزئبق، ويصعد عنها الزئبق". وهكذا نجده يعتمد فى دراسته وتحليله للمواد الكيميائية على الملاحظة التجريبية، أما التركيب الكيميائي فقد يصل إليه عن طريق القياس.
ولذلك ليس غريبا أن ينتهي ابن سينا إلى النتيجة العلمية الدقيقة والصحيحة معا، وهي "عدم
إمكان تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة "، وإن كان يسلم كما يقول الفخر الرازي فقط بإمكان صبغ النحاس بصبغ الفضة، والفضة بصبغ الذهب، وإن يُزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص.
ويوضح ذلك فى رسالة الإكسير، حيث نجد فيها فرقا بين تحويل الجوهر من معدن إلى آخر وبين إصباغ المعادن، وهو ما يؤكد عليه فى طبيعيات الشفاء حيث يقول :" فيجب أن تعلم أنه ليس فى أيديهم أن يقلبوا الأوضاع قلبا حقيقيا، لكن فى أيديهم تشبيهات حسية حتى يصبغوا صبغا أبيض شديد الشبه بالفضة، ويصبغوه صبغا أصفر شديد الشبه بالذهب، وأن يصبغوا الأبيض أيضا أي صبغ شاءوا حتى يشتد شبهه بالذهب أو النحاس، وأن يسلبوا الرصاصات أكثر ما فيها من النقص والعيوب إلا أن جواهرها تكون محفوظة، وإنما غلب عليها كيفيات مستفادة بحيث يغلط فى أمرها" .
وهكذا أنكر ابن سينا إمكان التحول الكيماوي Chemical Transmutation بين معدن وآخر، كما يؤكد على ذلك مؤرخ العلم "جورج سارتون" فى مقدمته، وعلى ذلك تكون أشمال الكيميائيين عنده أعمالا باطلة شأنها فى ذلك شأن أعمال المشتغلين بالتنجيم، إذ أن ما يخلقه الله تعالى بواسطة الطبيعة هنا تعجز عنه الصناعة.
* أستاذ الفلسفة الإسلامية - قسم الفلسفة والاجتماع - كلية التربية - جامعة عين:٨ شمس
المصادر والمراجع :
١- ابن سينا : الشفاء (الطبيعيات) تحقيق د. محموم قاسم،دار الكتاب العربي بالقاهرة عام ١٩٦٩م
٢- النجاة : تحقيق د. عبد الرحمن بدوي، القاهرة عام ١٩٥٤ م
٣- رسالة الأكسير، تحقيق أحمد عطاس، اسطنبول، عام ١٩٥٣م
٤- جابر بن حيان: إخراج ما فى القوة إلى الفعل ، نشر بول كرواس ، الخانجي . القاهرة عام ١٩٣٥م
٥- فاضل أحمد الطائي : أبن سينا وكيمياؤه ، مجلة المجمع العلمي العراقي ٠ج٢٥ بغداد عام ١٩٧٤م
٦- د. بركات محمد مراد : المنهج التجريبي عند ابن سينا ، المجلة الفلسفية المصرية، العدد٣ عام ١٩٩٤م.
٧- Baltimore | Sarton: Introduction to the history of Scien Vol 1972.
٨- O Leary (Delacy) : Arabic Thought and its place in history, .١٩٢٢ London

