مجاعة ثقافية
محمد حمد الصويغ
أركنُ إلى صحة ما عنونتُ به هذا المقال وأنا أتحدث عن أدب الطفل، وما يعتور هذا الأدب من ضعف، فالطفل العربي يعاني بالفعل من مجاعة ثقافية لا تخفى على أحد، ويكفي أن نزور مكتباتنا العامة لنكتشف هذه الحقيقة المرة.
وما نقرؤه من أعمال للطفل العربي لا تعدو عن كونها مجموعة من الاجتهادات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، وأخطرها تلك المنقولة من آداب الغرب أو المترجمة عنها حيث يعيش الطفل بعد قراءتها والتأثر بها في أجواء غريبة عنه تماما، حاضرًا بجسده وغائبا بعقله.
تراث عريض:
فأدباؤنا المعنيون بهذا الأدب مخطئون كل الخطأ في النقل أو الترجمة من آداب الآخرين، فنحن العرب لنا تراثنا العريض الذي يمكننا الاستناد إليه في عملية الكتابة للطفل فيمكن الاعتماد على كتب تراثية كثيرة مثل المقامات للحريري، وكتابي : الحيوان والبخلاء للجاحظ وكتاب العقد الفريد لابن عبد ربه وكتاب ألف ليلة وليلة وسواها من كتب التراث.
هذه الكتب وغيرها مليئة بقصص يمكن إعادة صياغتها للطفل بلغة مبسطة وسهلة ومفهومة لتناسب عقل الطفل، ولدينا مخزون آخر من التراث الشعبي الذي يمكننا أن نستخلص منه كثيرا من الأقاصيص والحكايات لأطفالنا، فهو غني بالعظات والعبر والحكم، وجزء من هذا التراث مجموع في كتب يمكن الرجوع إليها والإفادة منها.
تجارب عالمية في ثقافة الطفل:
الأخوان " جريم" في ألمانيا لهما تجربة شهيرة في التعامل مع الطفل الألماني حيث قاما بالعودة إلى الحكايات التراثية وأخذا منها ما يناسب الطفل الألماني بإعادة صياغتها من جديد بلغة سلسة جذابة، وقدمت هذه الصياغات فاستساغها الطفل هناك وتجاوب معها وتقبلها بصدر رحب، وفي فرنسا قام الكاتبان تشارلي بيرو ولافونتين بتجربة مماثلة حينما رجعا إلى التراث الأدبي الفرنسي فأخذا منه ما يتناسب مع عقلية الطفل الفرنسي بصياغة جديدة مبتكرة، وفي إنجلترا قام الكاتب أندرو لانج بتجربة جيدة في هذا المجال معتمدا على التراث الإنجليزي، وكذلك فعل الكاتب الروسي كربلوف والنرويجي أسبري نروسون ولم أسمع من قبل أن أحدا من هؤلاء قام بالاعتماد على " البخلاء" ليترجم منه شيئا لأطفال بلاده.
شعوب العالم كلها قامت بنقل حكاياتها الشعبية لأطفالها، أما نحن العرب فيبدو أننا استسغنا عملية " الاستهلاك" من الغرب، فإذا كنا نستورد من الغرب ما نأكل ونلبس ونركب، فلماذا لا نستورد منه حكايات أطفاله أيضا لنقوم بتشجيع تداولها بين أطفالنا العرب؟
هذه مسألة خاطئة وخطيرة أيضا، فلابد أن نعتني بصياغة تراثنا الأصيل لا أن نقوم باستيراد تراث غيرنا ونهديه مع " التحية والتقدير" لأطفالنا، وهنا محاولات جيدة لجمع تراثنا العربي الجميل، فبالإضافة إلى مراكز التراث المنتشرة في كثير من الأقطار العربية التي تعنى بجمع وتدوين وتوثيق التراث، هناك أدباء حرصوا على توثيق كثير من الحكايات والأمثال الشعبية كما فعل أديبنا الكبير الأستاذ عبدالكريم الجهيمان حينما قام بجمع كثير من الحكايات والأمثال السائدة في الجزيرة العربية، وكما فعل الدكتور حسن الشامي في مصر، وكما فعل الأستاذ عبدالرحمن الغول في الأردن، وغيرهم من الأدباء والكتاب العرب في كثير من البلدان العربية.
مجلات الطفل:
المجاعة الثقافية التي يعاني منها الطفل العربي لاتنحصر فقط في غياب الكتاب ولكن في غياب صحافة متخصصة تعنى بثقافته، فالمجلات المخصصة للطفل في عالمنا العربي نكاد نعدها على أصابع اليد الواحدة ، ورغم ذلك فإننا نعاني من وء توزيعها، فهي ذات طابع محلي صرف، مجلة " الصبيان" السودانية على سبيل المثال لا الحصر لا تقرأ في أقطار المغرب العربي، ومجلة " أسامة" السورية لا تقرأ في معظم ديارنا العربية، ومجلة " أما قيدش" الجزائرية لا تصل إلى أي بلد عربي، وإذا قسنا هذه الأوضاع المزرية، بأوضاع ثقافة الطفل في الدول الأوروبية والأمريكية فسوف نصاب بالدهشة والذهول ، فيكفي أن نعلم أن في الولايات المتحدة وحدها أكثر من أربعة آلاف مجلة للطفل، توزع في وقت واحد في الولايات المتحدة كلها، أما الدول الأروبية فتصدر فيها مجلات للطفل بأ‘داد مهولة قد لا يصدقها عقل .

