الرواية السعودية .. هل تعيش أزمة إنتاج المعنى ؟!
بقلم : محمد جميل أحمد
إذا كان جانب المتعة المتكشف عن الكتابة الروائية ، هو ما يسم تلك الكتابة ضمن أحد شروطها، فإن هناك بعض الشروط التي ترتبط بالكتابة السردية وتقع في مكان ملتبس يحسبه البعض فائضا عن الحاجة، فيما هو من أهم شروط تلك الكتابة.
فالكتابة الروائية ليست حكيا مجانيا ، وإن ظن البعض أن حكاية التفاصيل يمكن أن تكون دلالة على ذلك ، فإنما هو ظن في غير محله، ذلك أن الكتابة الروائية إذ تبدو في مظهرها السردي الممتع إطارا لحكاية ما، فإن ما وراء ذلك الإطار من دلالات إنتاج المعنى ربما تعتبر من أهم السمات المتصلة بمتعة الحكاية، بل ربما كانت هي الوجه الآخر الذي تعكسه متعة السرد حين تقترن به اقترانا شرطيا .
نشأت الرواية في العصور الحديثة كدالة تعبيرية على مجتمع المدينة الذي شكلته الثورة البورجوازية في أوروبا، وما تولد عنها من صراع اجتماعي تاريخي كانت الرواية التعبير الأكثر قدرة على استيعابه.
وبهذا المعنى فقد كان (الصراع) أحد ثيمات الرواية الحديثة في نسختها الأوروبية ، وكان الروائيون في أوروبا حين كتبوا سردياتهم عن الحياة في العصور الحديثة يخوضون صراعا مع منظومة الأفكار والمفاهيم الماضوية التي كان لها سطوة وسلطة في ذهنيات بعض طبقات ذلك المجتمع، ما يعني أن هناك إنتاج للمعنى وراء الحكايات التي كانوا يكتبونها .
وهذا الجدل حول إنتاج المعنى سيسوقنا بالضرورة إلى مفهوم (الواقع) أي ذلك الواقع الذي ينعكس في انفعالات الناس وحساسياتهم ويمارس ضغوطه على أعصابهم عبر المنظومات الفكرية والاجتماعية، التي يينتجها وينعكس عنها، ومواجهة واقع كهذا تستدعي تسخين الصراعات بين المنظومات ذات المصالح المختلفة في الهيمنة عليه وعلى توجيه مساراته.
وإذا كانت الطبقات التي نشأت في أوروبا ضمن سيرورتها التاريخية استطاعت أن تؤسس لعلاقات اجتماعية منضبطة وعابرة للهويات البدائية بحكم وضوح مصالح تلك الطبقات عبر عبر تمثلها في محددات اقتصادية ومهنية من شأنها أن تختزن حالات إنسانية متسقة، وقابلة للتعبير عنها أدبيا، فإن ذلك النشوء الصناعي للطبقات هو تماما ما جعل من طبيعة التعبير عن تلك الحالات يضمر تكثيفا عميقا للاختلاف والتنوع، لا للتماثل والتطابق الذي تعكسه الهويات البدائية كالقبيلة والطائفة حين تتحكم في تصورات الناس وتحرك مشاعرهم.
إن موضوعات الاشتغال الروائي وضرورة اندراجها في سياق معنى يكون بمثابة الوجه الآخر لمتعة السرد تعتبر من أهم شروط الجدية في الكتابة الروائية ، ما يعني أن غياب المعنى في أي نص روائي ينطوي بالضرورة على إهدار للجدية وبالتالي الوقوع في التسطيح .
ولعل من أهم الأوهام التي تشيع ظاهرة غياب المعنى في ذلك الكم الهائل من الروايات السعودية، يتمثل في تقليد نمط من الكتابة السردية العربية دون القدرة على تمثل تجربته، ذلك أن التجربة بطبيعة الحال حالة خاصة وتندرج في شروط معقدة لا يمكن إعادة إنتاجها في كتابة روائية أخرى حتى في السياق الواحد، بمعنى آخر: إن الكتابة الروائية أشبه بالشفرة التي يخفيها الكاتب من خلال تجربته الخاصة، ضمن سياق حياته لتنعكس في نسيجه السردي كالبصمة تماما تحمل ذاته وفرادته، والوصول إلى هذا المستوى من الكتابة السردية في تجربة الروائي يصبح نتيجة لتكوين تلك العناصر المتصلة بشروط إنتاج المعنى، من خلال تجلياتها عبر موهبته ، وهنا نجد أنفسنا أمام قضيتين: أولى، تتصل بوجود حيثيات المعنى في كل مجتمع إنساني عام: الأولى تتصل بالموهبة ، والثانية بالواقع، لكننا حين نتأمل في واقع الرواية السعودية من حيث اتصالها بإنتاج المعنى سنجد أنفسنا أمام قضية جدلية بامتياز، ففي الوقت الذي تؤشر فيه تلك الروايات على غياب المعنى عن هويتها السردية، نجد حيثيات المعنى موجودة ضمن موضوعات السرد في ذلك المجتمع الذي يصدر عنه الروائيون.
والحقيقة إن هناك العديد من الموضوعات السردية التي يمكن أن تستوعب تجارب الكتابة الروائية السعودية من خلال السياق التاريخي والثقافي للمجتمع السعودي.
هكذا يمكن لموضوعات مثل: الصحراء، القبيلة، الطفرة، الحج، والآخر (الأجنبي) يمكن أن تكون ثيمات سردية بامتياز، إذا أمكن لمبدع موهوب أن يستبطن سياقها الإبداعي ويكشف عن حالاتها الجمالية المتخفية وراء الواقع.
وفي هذا الصدد يمكننا أن نشير إلى تجربتين روائيتين من أنجح التجارب الروائية في الكتابة السردية السعودية، والمفارقة العجيبة أن هاتين التجربتين بالنسبة لصاحبيهما تمثلان العمل السردي الأول، ما يؤكد لنا أهمية إدراك شروط إنتاج المعنى من خلال التجربة والسياق .
فرواية ( ساق الغراب) للروائي يحيى أمقاسم التي صدرت كأول عمل روائي بالنسبة له جاءت تجربة ناضجة وغنية ومختزنة للكثير من جماليات السرد الروائي بشروطه المختلفة، لتجسد هذه الرواية سمة أصيلة للكتابة المبدعة، والممتعة والمهمومة في الوقت نفسه بأسئلة الماضي والحاضر، بالرغم من موضوعها ذي الطابع التاريخي المتصل بحياة القبيلة، ذلك أن ما جعل هذه الرواية تتميز بمستواها الفني الرفيع إنما هو جماع تلك العناصر المنتجة للمعنى، والمعجونة بموهبة الروائي وصدقه الفني.
أما الرواية الثانية فهي رواية ( شارع العطايف) للروائي عبدالله بن بخيت التي كانت بمثابة التجربة الأولى أيضا لكاتبها في مغامرته السردية، فحققت نجاحا كبيرا في أوساط القراء، ووجدت أصداء عميقة في ردود فعل النقاد الذين كتبوا عن جوانبها المختلفة ليؤكدوا الغنى والعمق والاستبطان الفني للواقع الذي تكشف عنه هذه الرواية من خلال استنطاق المسكوت عنه من سيرة المجتمع وعوالمه السرية.
وما يفسر لنا هذا النجاح هو ردود الأفعال التي نتجت عن هاتين الروايتين في اتصالهما بتاريخ وواقع ظلا مهمشين إلى حدود (التابو) فكشفتا عنه النقاب بطريقة فنية وسردية ممتعة كان المعنى متذررا فيها ومواجها لذائقة القارئ فيما هو يستمتع بالحبكة والسرد والتشويق والإثارة.
ومن خلال هاتين الروايتين، يمكننا تمثل وإدراك المعنى كشرط شارط للكتابة السردية الجادة، تلك الكتابة التي فيما هي تورط القارئ في متعتها اللذيذة تضعه فجأة أمام أسئلة التاريخ والواقع، وتستثير فيه حاسة التأمل في الكثير من المعطيات المسطحة في واقع وتاريخ لم يكونا في الحقيقة كما تخيله.
وهكذا إذ تفعل هذه اللحظة السردية فعلها العميق عبر لعبة السرد في إنتاج المعنى، تتحول أسئلة المخيلة المنبعثة من متعة السرد إلى مواجهة جادة للتاريخ والواقع من لحظة أخرى تماما هي لحظة انتهاء القارئ من قراءة الرواية.
هكذا يمكننا من خلال تلك الشروط الخمسة المتصلة بالصراع والحرية والمعرفة والواقع، في نسيج عمل الموهبة المصقولة بالصدق الفني الوقوف على حيثيات إنتاج المعنى في الكتابة الروائية بصورة عامة، والرواية السعودية بصفة خاصة.

