تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الشقيقات برونتي.. بين شِراك الخيال وهوّة الصمت وواقعية الحياة

الشقيقات برونتي.. بين شِراك الخيال وهوّة الصمت وواقعية الحياة

حجاج سلامة

 عرف الأدب الإنجليزي الكثير من الوجوه الإبداعية التي وصلت ابداعاتها لمتذوقي الآداب والفنون في قارات العالم، لكن بعض تلك الوجوه - مثل "الشقيقات برونتي" – تركت أعمالهم أثرا كبيرا في الأفراد بل والمجتمعات، بعد لامست شغاف القلوب برقة لغتها، وحبكتها وتفاصيلها المدهشة.

وقد شكّلت الأعمال الأدبية التي تركتها "الشقيقات برونتي: شارلوت، وإميلي، وآن" مغامرة أدبية ظل جمالها واضحاً جلياً في الأعمال كلها، ومثلت تلك الأعمال التي ظهرت أول قصة منها في منتصف القرن التاسع عشر، تجربة فريدة في تاريخ الأدب الإنجليزي.

وقد وصف النقّاد ذلك الجمال بأنه جمال مستمد من إضفاء مشاعر الواقع، وما هو في حيز الإمكان، وما هو حلم وخيال، والدفع بهما إلى ما وراء المستحيل في الكتابة.

پاتريك برونتي

ونبدأ قصة الشقيقات برونتي من اللحظة التي رُسِمَ فيها والدهن پاتريك برونتي، وهو من أصل أير لندى، عمل راعيا في الكنيسة الإنجليكانية عام 1806، ثم عين في أبراشية يوركشاير، وقد تزوج عام ١٨١٢ من فتاة ورعة، هي ماريا برانویل Maria Branwell ابنة شقيقة أحد الوعاظ العلمانيين من بلدة كور نواى. 

وقد أنجبا من هذا الزواج، فيما بين عامي ۱۸۱۳ و۱۸۲۰ ستة أطفال. وفي عام ١٨٢٠، عين هذا الراعي كاهناً للرعية في هاوورث، حيث استقرت الأسرة، وكانت بكامل أفرادها، بصفة نهائية.

 وقد توفيت ماريا برانويل، فظل الأبناء في رعاية أبيهم وخالتهم إليزابيث برانويل. وفي عام ١٨٢٤، أدخلت الفتيات الأربع ماريا، وإليزابيث، وشارلوت، وإميلى مدرسة داخلية، هي مدرسة كوان بريدج الدينية المخصصة لبنات الرعاة الفقراء، وكانت تخضع لنظام قاس في منتهى الصرامة.

 ولم يكد يمر على ذلك عام واحد، حتى توفيت الشقيقتان الكبريان، عقب إصابتهما بالتدرن الرئوي. وعند ذلك عادت شارلوت وإميلي إلى البيت، وقد هدتهما الصدمة، وأصابتهما بحالة مروعة من الضعف والهزال. 

وقد ذكرت شارلوت، في أسلوب بالغ الروعة والقسوة، أحداث ذلك العام المفجع، في روايتها الشهيرة "جين آير Jane Eyre.. أساطير الطفولة وخرافاتها".

خيالات أسطورية

 وقد حكى الأب أيضا هذه الذكريات، ومما كتبه يمكن الاستدلال منه، على أن بداية اشتغال أسرة برونى بالحياة الأدبية، كانت حوالي عام ١٨٢٦. فهو يقول: " وفي ذلك العهد الذي أحدثكم عنه، والذي أخذ فيه أبنائي يؤلفون قطعا تمثيلية صغيرة ويمثلونها، كانت شارلوت في الثامنة، وكان ولدى برانويل في السابعة، وكانت آن في السادسة، إلا أنهم مضوا في هذا النشاط خلال سنوات كثيرة، وفي كل مرة تلوح فيها فرصة لذلك، إذا بهم يظهرون، بل إنهم كانوا يكتبون في بعض الأحيان كذلك، قصصا خيالية، كانوا يسمونها قصصا قصيرة".

 ويبدو أن هذه الكتابات الأولى في مرحلة الطفولة، ثم في مرحلة المراهقة، والتي تملأ اليوم أكثر من خمسة آلاف صفحة، نثرا وشعرا، لها طابع خاص للغاية. فهذه المحادثات الجماعية، التي سجلوها بالكتابة، والتي كان كل طفل في الأسرة، يجد فيها وسيلة للتعبير عما يجيش في نفسه من رغبات ومشاعر، إنما كانت تشكل عالما منغلقا على نفسه، يعيش فيه وحيدا فريدا، تجعله يتجاوب خيالات أسطورية خاصة به، ولا يود بالتأكيد الإفصاح عنها، خوفا من الضياع.

 وعلى العكس من ذلك، فإن لعبة الأدب التي يقوم بها أطفال بروني، كانت تشبع حاجتهم إلى الانغلاق خلف جدران اللغة المكتوبة، في حياة باطنية يريدونها سرية متكتمة.

 ومن هنا، فإن هذا النوع من الكتابة، لم يكن الغرض منه على الإطلاق إجراء أي اتصال بالخارج، بل تعزيز غرابة أساسية في ضمير يعيش على هامش الحياة، مغترب عنها تماما.

 حياة متقشفة

والواقع أن أسرة برونتي، كانت تعيش في هاوورث حياة متقشفة منعزلة، تسير على وتيرة واحدة فقد كان البيت بعيدا عن البلدة، ومن حول الكنيسة تنتشر المقابر، التي كانت هي الأفق المباشر الذي يتطلع إليه الأطفال. ووراء البيت، وفي نهاية طريق ضيق قصير تسود وحدة موحشة في بقعة من الأرض الجرداء، كثيراً ما تهب عليها العاصفة: إنها الأراضي البور، التي تتحدث عنها طويلا إميلي بروني في قصتها الرائعة "مرتفعات ويذرينج".

وهناك، بعيداً عن العالم، سوف يقع اختيار أطفال بروني، الذين انعزلوا في نزهاتهم وأحلامهم وقراءاتهم، على الخلق الأدبي نشاطا أساسيا لهم، كآخر ستار يحجب ما بين الخيال الخفي المستور في مجتمع مغلق، وبين واقعية الحياة. 

وعندما راحت الشقيقات الثلاث، اللاتي كانت تحيط بهن شراك الخيال، وهوة الصمت، ولعبة الأطفال، يتجهن للتحول نحو إعلان ونشر ما يكتبن، إذا بشقيقهن پاتريك يموت، وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره.

وفي أعقاب هذه الطفولة من الأحلام التي تركزت حول الخيال، كان على الشقيقات برونتي أن يجدن وسيلة يتعايشن منها. وقد اتجه تفكيرهن في البداية إلى التدريس، على أمل أن يصبحن في مرتبة الأساتذة والمربين. إلا أنهن عندما شعرن بالتعاسة، إذ تفرقن بعيدا عن البيت والكنيسة، قررن إنشاء مدرسة خاصة بهن. 

الحب والألم

وتذهب كل من إميلي وشارلوت، عام ١٨٤٢، إلى بروكسل لتدريس اللغة الفرنسية، في المدرسة التي يديرها قسطنطين هيچر ولم تطل إقامة إميلي هناك لأكثر من عام واحد، على حين أن شارلوت، الى تعلقت تعلقا شدیدا بهیچر ووقعت تحت تأثير سحره، وظلت تعمل في بروكسل لمدة عامين. 

وكانت قصة هذا الحب الحافل بالألم، هي الأساس الذي قامت عليه قصتها الأخيرة "المدينة الصغيرة "VILLETTEK وفي نفس هذه الفترة، توفيت خالتهن إليزا، وأصبح أبوهن مهددا بالعمى، قانغلق على نفسه في حياة أكثر قسوة ووحشة، على حين أن شقيقهن الثاني باتريك، الذي واجه واقعا خيب آماله، وعاش حياة بغير أمل، فقد أطلق العنان لنفسه ليغرقها في الشراب. 

وظل مشروع إنشاء مدرسة خاصة حبرا على ورق، وتدل مذكرات إميل وآن وأشعارهما، على ما كن يكابدنه من عذاب. ومثال ذلك ما جاء في الأبيات التالية: "إنهم لا يعرفون سوى القليل عن خبيئة نفسي ولن يعرفوه قط إن العذاب الأليم يملأ قلبي ومعه مرارة الأحزان الحارقة".

 وتكتشف شارلوت، عام 1845، أشعار إميل، التي توافق بعد عزوف على نشر بعض منها. وفي عام 1846، صدر لها ديوان تناولت فيهما تفجير العالم المغلق، الذي كان أطفال برونتی سجناء فيه حتى ذلك الوقت. 

مرتفعات ويذرينج

على أن هذه الأشعار لم تحرز أي نجاح، فتحولت الشقيقات الثلاث اللاتي يلفهن الغموض إلى الكتابة الأدبية، وكان ذلك دائما تحت أسماء رجال مستعارة. وفي الوقت الذي حققت فيه شارلوت نجاحا مدويا بقصتها "جین ایر" ، التي صدرت عام ١٨٤٧، وفي ذات العام نشرت إميلي روايتها "مرتفعات و يذرينج"، كما ظهرت قصتان كتبهما آن ، في نفس العام أيضا، هما "مستأجر وايلدفيلدهول" ، و "آجنيز جراي" ، وإزاء دهشة الجمهور الذي راح يتساءل عن شخصية مؤلفهما الخفية، تصاب إميلي في عام ١٨٤٨ بنزلة برد، خلال دفن شقيقها، ولم تلبث أن لحقت به، مخلفة وراءها بعض القصائد التي تتسم بعمق كبير، وواحدة من أعنف قصص الحب، و تموت آن بدورها بعد خمسة أشهر، وتحديدا يوم ۲۸ مايو ١٨٤٩ وهي في سن التاسعة والعشرين. 

وتبقى شارلوت وحيدة مع والدها وتصدر لها عام ١٨٤٩ قصة "شيرلي"، التي تتضح فيها طبيعة مؤلفاتها الأنثوية، من خلال الطابع النبيل الذي أضفته على بطلاتها. 

وفي عام ١٨٥٢ تصدر آخر قصة لها وهي: "المدينة الصغيرة"، التي استوحت أحداثها من مغامرتها الخيالية مع قسطنطين هيچر خلال فترة علمها واقامتها ببروكسل، وبعد عام من زواجها من آرثر بل نيکولز، توفيت يوم 31 مارس ١٨٥٥، بينما أخذت قصصها مكانها بين القصص الكلاسيكية في الأدب الإنجليزي. 


الشقيقات برونتي..  بين شِراك الخيال وهوّة الصمت وواقعية الحياة
Ehsan Logo