{"en": "Lies, Deception, and Plagiarism in the Book \"Memoirs of Mr. Hempher,\" British Spy in Muslim Countries", "ar": " الكذب والتدليس والانتحال في كتاب مذكرات مستر همفر الجاسوس البريطاني في البلاد الإسلامية"}
بقلم: عبد الكريم إبراهيم السمك.
الآن وبعد انقضاء ثمانية وثلاثين سنة، على إصدار كتاب ((مذكرات همفر))، وفي العدد الثالث والستين من هذه المجلة الغراء، وتمشياً مع رسالتها في إطلالتها الكريمة على ذاكرة التاريخ العربي والإسلامي، من خلال نافذتها المعنية بهذه الذاكرة، فقد تم لي فتح هذه النافذة، على هذا الكتاب المدلس والمنحول، بدراسة محكمة علمية، وعلى قاعدة توثيق التاريخ بالتاريخ، وتفسير التاريخ بالتاريخ، على قاعدة الالتزام بقواعد أصول منهج البحث العلمي في التاريخ، لتنفرد مجلة أحوال المعرفة بهذه الدراسة التاريخية النقدية ، لكتاب همفر الذي سعى فيه الكثير من أعداء هذه البلاد، إلى النيل من تاريخها الكريم، وذلك من خلال ترويجه لدى عدد كبير من القراء ; من الذين تغيب عنهم هذه الأكاذيب التي سوقها مدلس الكتاب ، مع كبير الأمل في أن أكون قد قدمت خدمة كريمة في تاريخ هذه البلاد المباركة ، والله ولي التوفيق .
بين دفتي الكتاب :
جاء تاريخ نشره في 2/1/ ١٩٧٢م ، وقد نشر في بيروت وإن لم يشر المدلس إلى ذلك .
• عنونه المدلس بـ (مذكرات مستر همفر) ، الجاسوس البريطاني في البلاد الإسلامية .
• نقله إلى العربية حسب كلام المدلس ) الدكتور ج . خ )، لأن الأصل فيه ; أن يكون في أصوله باللغة الانجليزية .
• عدد صفحاته ((٨٥)) صفحة .
• مقاسه من القطع المتوسط في أبعاده .
• جاء الكتاب بدون مقدمة وخاتمة وفهرسة موضوعية للكتاب.
• ذهب مدلس الكتاب إلى تقسيمه إلى سبعة أقسام ، لا توحي هذه الأقسام بالموضوعية ولا بالعلمية لهذا العمل .
• أما فيما هو معني فيمن هو وراء هذا الكتاب وإخراجه ، فكما سبق وتم الإشارة إليه، فهو في موضوعه يخدم طائفة ، غرضها النيل من الإسلام السني ورجاله لينتهي إلى النيل من الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية الأولى .
صلة الكتاب بفرقة الأحباش :
يلتقي على سياق النص في بنيوية لغته وغرضه والهدف منه ، كل من الشيعة وفرقة الأحباش على السواء، وذلك بما جاء بين دفتيه من نيل بثوابت الأمة ، القرآن والسنة النبوية، والرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ، وعموم أهل السنة والجماعة ، حتى انتهى الأمر عند من صنع الكتاب إلى النيل من الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدولة السعودية الأولى، والفرقة الحبشية تعود في نشأتها إلى مؤسسها الشيخ عبد الله الحبشي الهرري ، الذي قدم إلى لبنان ، بعد فتنة كان هو وراءها حتى لقبه الهرريون ( بشيخ الفتنة )، حسب شهادة من هو على علم بماضيه قبل وصوله إلى لبنان، وقد عرفت الفتنة بفتنة (كُلُب) ، و كان وراءها صهر هيلا سيلاسي ( أندراجي ) ، والتي ترتب عليها إغلاق مدارس الجمعية الوطنية الإسلامية بمدينة هرر سنة( ١٣٦٧ هـ - ١٩٤٠ م ) ، وقد رافق الإغلاق هذا ملاحقة ومطاردة علماء المسلمين في هرر وإذلالهم، الأمر الذي دفعهم إلى الهجرة إلى كل من مصر و السعودية واستقرارهم في هذه الدول، ومن تاريخ الفتنة هذه كان الحبشي يناهض الدعوة السلفية ، وانهم علماء المسلمين الذين تسبب لهم بالهجرة والملاحقة باعتناقهم (العقيدة الوهابية) ، و أصدر فتوى بردة من يعتقد بها ، وقد أصدرت هيئة كبار العلماء في السعودية فتوى بتكفير هذه الفئة ، وقد صدرت الفتوى برقم ۲۲۹۲/1 وبتاريخ 30/١٠/1406 هـ .
وتوثق الشبكة العنكبوتية بأن طائفة الأحباش في لبنان ، هي من صنعت هذا الكتاب ، وقد تبنت الكتاب إعلامياً في
مجلة منار الهدى ، التي يصدرها المكتب الإعلامي في جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية في العدد رقم (۲۸) رمضان
١٤١٥ هـ - فبراير ١٩٩٥م ، وكان ممن نقد هذا الكتاب الأستاذ (مالك بن حسين ) الذي نشر دراسته هذه في مجلة
الأصالة التي تصدر في الأردن العدد (۲۱) ، ولم يتسنَ لي اللاطلاع على هذه الدراسة، وقد جاءت هذه الدراسة على عدم صحة الكتاب ، لأن أي باحث عنده سعة من العلم بالتاريخ يجد بأن الكتاب لا يتمتع بشيء من الصحة .
دواعي الكتابة لهذه الدراسة :
بعد ثورة الشك في صحة الكتاب وعدمها ،عند الكثير من الدارسين والباحثين والمتطلعين إلى الحقيقة حول مصداقية هذا الكتاب ، ورداً وبياناً لهذه الحقيقة ، فقد وقفت على محتوى الكتاب وما فيه من كذب وتدليس وعدم مصداقية لمروياته التاريخية ، والذي يتصفح الكتاب يجد فيه نزعة التشيع ، والتي يظهر فيها العداء للعنصر العربي من خلال العداء للإسلام ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وخيرة صحابته ، وخاصة منهم الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، فالنزعة الشعوبية التي ظهرت في العديد من الدراسات المدلسة ذات البعد الشيعي والشعوبي ، قد ظهرت في هذا الكتاب ، وتوج كل ما احتواه من نيل للإسلام وأهله وعقيدته وقرآنه وعباداته ، بالنيل من الإمام محمد بن عبد الوهاب ، والإمام محمد بن سعود رحمهما الله تعالى .
ومن خلال ما مضى من سنوات ، فقد وجدت بأَن الكتاب المنسوب لهمفر ، قد نال المصداقية عند كثير ممن اطلع
عليه وقرأه ، و واحد من هؤلاء كان قد أَهدى إلي صورة من الكتاب ، وقال لي أريد منك رأيك فيه، وبعد الإطلاع عليه من خلال قراءتي له، وجدت بأن الكتاب مشبع بالكذب والتدليس، إضافة إِلى الكثير من الأخطاء التاريخية التي لا يمكن قبولها ، وقد مر الكتاب على الكثير من القراء والبحاثة ، ولم يذهبوا في دراسة نصه دراسة نقدية ، يقدموا فيها الأخطاء التاريخية التي احتواها سياق النص، ولو وقفوا على الصفحات الأولى من الكتاب ، لوجدوا بأَن الكتاب، مدلس لا أَصل له ، وقد وقع المدِلس في بنيوية النص، في العديد من الأخطاء الكبيرة ، التي تذهب بالكتاب وما جاء فيه ، يظهر فيه للدارس ; بأن شخصية المؤلف) همفر( شخصية وهمية لا أصل له على الإطلاق .
وكنت قد رجعت إلى صاحبي لأعطيه الرأي في الكتاب ، فقلت له : إن الكتاب لا صحة و لا أصل له ، وهو مدلس من صنع شعوبي متشيع ، أو من صنع فرقة الأحباش الموجودة في لبنان ، وكانت هيئة كبار العلماء في المملكة قد أصدرت فتوى بتكفير هذه الفرقة ، ومن جانب آخر قلت لصاحبي ، إن الحقائق التاريخية التي جاءت في الكتاب تدل على عدم صحة الكتاب ، وكذب كل ما جاء فيه ، وكان المدلس قد وقع في شر أعماله ، ففي الصفحة الأولى من الكتاب ، جاء المدلس على ذكر مصطلح ( الشرق الأوسط ) فهذا المصطلح كان مولده سنة ١٩٠٢ م ، حين نطق فيه المؤرخ البحري الأمريكي ) ألفريد ثاير ماهان ) ليدل به على ذكر المنطقة الواقعة بين الهند والجزيرة العربية والخليج العربي، فكيف يأتي هذا المصطلح على لسان همفر الذي جاء تداوله بعد (١٩٥) سنة من تاريخ مذكرات همفر .
وهناك مصطلح تاريخي لا يقل أهمية ومكانة عن الأول ، وقد جاء المدلس على ذكره ، وهو مصطلح ( الرجل المريض ) ، والمراد فيه الدولة العثمانية، وكان هذا المصطلح قد جاء على لسان قيصر روسيا نيقولا الثاني ، ما بين التاسع والرابع عشر من شهر يناير لسنة ١٨٥٣ م ، وذلك عندما زار القيصر القنصل البريطاني ( جورج هاملتون سيمور ) في مدينة سان بطرسبرج الروسية فاجتمع به من أجل بحث مصير الدولة العثمانية ، فتاريخ استخدام هذا المصطلح متأخر عن ( مذكرات همفر ) قرابة (( ١٤٣)) سنة ، فكيف يتم التوفيق بين تاريخ المذكرات التي تعود لسنة( ۱۷۱۰ م)
وتاريخ وصول همفر ، والكتاب لا تحصى الأخطاء والوقائع التاريخية التي وقع فيها المدلس، وعند ذلك شكرني صاحبي الذي أهداني صورة الكتاب ، بعد أن كان مقتنعاً بكل ما جاء فيه ، ومن جانب آخر، جاءت الضرورة لهذه الدراسة ، بعد مضي (۳۸) سنة على نشر الكتاب، حيث لم يتم دراسته على قواعد منهج البحث العلمي التاريخي ، مع الإشارة إلى أن الدكتور عبد الله العسكر ، كان قد سبق له أن تناول عرضاً عن الكتاب بجريدة الرياض بتاريخ 6/٢/۲۰۰١ م ، تحت عنوان ( مذكرات الجاسوس همفر ) ، وذلك رداً على سؤال لصديق له باحث في التاريخ واسمه (دان فيندال )، وكان هذا الأخير قد بين للدكتور العسكر ، بأنه بحث عنه في الشبكة العنكبوتية فلم يجد له أصل ، وكان الدكتور العسكر قد وضع يده على بعض اللمسات النقدية الجميلة ، التي اجتهد فيها على أن همفر شخصية وهمية ، و أن النص إنما هو منتحل ومدلس ، وبالنسبة لدراستي هذه أمل أن أكون قد أتيت بجديد عن هذا الكتاب المدلس وشخصية صاحبه الوهمية .
الكتاب في ميزان النقد العلمي التاريخي:
هذا العلم يقوم على ثوابت علمية تقوم على قواعد وثوابت وضعها علماء المنهج التاريخي ، وتقوم على الاستقراء والاستنتاج والاستنباط، لأي نص أو واقعة تاريخية يشوبها شيء من الشك ، فالشك هو الأساس في هذا الأمر حتى يثبت خلاف ذلك ، وهذا العلم; لا يستطيع أي عمل أن ينفذ منه إذا كان غير صحيح ومشكوك فيه ،وهو يقوم على قاعدتين الأولى معنية بعلم الرجال - أي المؤلف ومدى مصداقيته - والثانية تقوم على النص ودراسته من جميع الجوانب ،القائمة على تحليل النص في أحداثه ووقائعه و مروياته، على قاعدة العلوم المساعدة لكشف صحة النص .
وفيما هو معني في كتاب همفر ، ومن نسب له ; فالكتاب الأصل فيه أن يكون له أصول في اللغة الإنجليزية ، الذي ذهب المدلس له على أنه مترجم عن اللغة الإنجليزية ، فالكتاب لا أصل له على الإطلاق ; في مكتب أرشيف الدراسات والوثائق البريطانية ، الذي يعود في تاريخ نشأته إلى ما قبل تاريخ همفر ، و الذي بدأ الاهتمام فيه من قبل الحكومة البريطانية من أواخر القرن السابع عشر وطيلة القرن الثامن عشر للميلاد، وكان البرلمان البريطاني ، قد شكل لجاناً ارتبطت بمجلس اللوردات و مجلس العموم لبنائه ، ومنذ عام (۱۷۰۳ م) شكلت إدارة رسمية للاهتمام بالموروث الوثائقي والدراسات الرسمية للحكومة البريطانية، ومن أجل ذلك أقيمت المباني وشكلت اللجان الخاصة ، و زاد الاهتمام بالأرشيف البريطاني في القرن التاسع عشر للميلاد والذي يُعرف بـ ( أرشيف الخارجية البريطانية PRO)
مكتب حكومة الهند, 1,٠ India office، فهذا المكتب الذي يحتضن موروث حكومة الهند من تاريخ ارتباط الحكومة البريطانية في منطقة الهند والخليج العربي ، والذي يعود في نشأته، إلى تاريخ نشأة شركة الهند الشرقية في /21١٢/١٦٠٠م ،والتي دفعت إلى تأسيسها الملكة إليزابيث الأولى بالمرسوم الخاص، تحت اسم ( شركة حكام وتجار لندن للعمليات التجارية في الهند والأقطار المجاورة ) ، فهذا المكتب حاضن الموروث البريطاني من ذلك التاريخ، وإلى اليوم ، وهو يعتبر من أكبر المراكز الوثائقية في العالم، وذلك لأسبقيته في الجمع والاقتناء، فكيف يحتوي على موروث يعود في تاريخه إلى ما يقارب الأربع مئة عام ولا يوجد فيه أثر الموروث همفر ؟؟
ومع الأخذ في مسألة التعامل مع النص ،وفق قواعد المنهج العلمي التاريخي ، بعد ما تم تقديمه عن شخصية (همفر)،
وعدم وجود الأصل الذي يجب أن يكون موجود في اللغة الإنجليزية ، ولو تم الأخذ بالنص ، ففي هذه الحالة ، سوف يخضع النص الميزان النقد المنهجي التاريخي بقصد التثبت من مصداقيته وصحته، وكتاب مثل هذا الكتاب ، فَقَد مصداقيته وصحته ، للخلل القائم في بنيوية الكتاب، وذلك لكثرة الأخطاء التاريخية التي احتواها سياق النص ، ويبدو أن المدلس لهذا الكتاب ليس من أبناء مدرسة علم التاريخ ، حتى يكون صاحب علم بتاريخ أحداثه ، فيتجنب الوقوع في الأخطاء التاريخية التي أسقطت علمية الكتاب ومصداقيته، عندما جاء المدلس على كثير منها بشكل خاطئ .
ومن الأخطاء الفاضحة في الكتاب، عواطف صاحب الكتاب، في الصدق وعدم التدليس ، وهل ما كتبه الكاتب هو رواية أم دراية بالعين المجردة والمشاهدة؟ وشخصية ( الأنا ) التي وجدت في سياق النص، فهذه المسائل جميعها، من أهم المسائل في تقييم الكتاب وبيان صحته ، في أن يكون أصلاً تاريخياً ومادة مكونة لتاريخ الفترة التي يرجع إليها تاريخ صناعة هذا الكتاب ، وهذه الفترة الزمنية هي أحوج ما تحتاج إليه ، فيما لو كان الكتاب غير مدلسٍ، وعلى سبيل المثال فإن لاسكاريس الفرنسي ، قد تكلم في أوراقه عن وصف الدرعية ، فكان وصفه لها وصف رواية لا مشاهدة ، لأنه استقاها من مرافقه فتح الله الصايغ الحلبي ، والذي لا يعلم عن واقع العلاقة بين الصايغ ولاسكاريس ، يظن بأن لاسكاريس قد زار الدرعية ،والذي زار الدرعية هو الصايغ باسم عبد الله الخطيب ، وكان برفقة بن شعلان سنه (۱۸۱۰)م ، في عهد الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد ،وقد عرفت هذه الأوراق بمذكرات لاسكاريس العرب، وقد ترجمها فريد حجا ، مع أن لاسكاريس لم يشر فيما كتبه عن الدرعية ، بأنه قد أخذ ما كتبه عن الصايغ .
وكذلك كتاب رحله فتح الله الصايغ الحلبي إلى بادية الشام وصحارى العراق والعجم والجزيرة العربية ، وقد حققه يوسف شلحد، والكتاب كان صاحبه قد زار وشاهد وتحقق في رحلته في البادية الشامية، وما شاهده في نجد كان قد كتبه واصفاً فيه مجلس سعود بن عبد العزيز، والدرعية عاصمة دولته، والأهم من ذلك كله المستند المادي - أو الأصل لكل من أصول رحلة الصايغ ، و أوراق لاسكاريس ، التي تحتفظ فيهما المكتبة الوطنية في باريس، كأصول لكلا الموروثين، الأمر الذي أعطى كلا الموروثين العلميين قيمة تاريخية وعلمية عظيمة جداً ، لتاريخ تلك الفترة في عهد الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد رحمه الله ، واليوم تجدد دارة الملك عبد العزيز إعادة طباعته بقشيب جديد .
ومن هنا جاءت مسألة إحاطة المؤرخ بأصول علم منهج التاريخ ، كضرورة من الضروريات ، عندما تواجه هذا المؤرخ قضية أو مسألة تاريخية مدلسة منحولة، مثل قضية مذكرات همفر .
أدب الرحلات وقيمته التاريخية :
لا يمكن لأحد أن يسقط هذه المادة العلمية كمصدر من مصادر التاريخ العربي والإسلامي في ماضيه ، وأدب الرحلات المعاصر في علو مكانته كمصدر من مصادر تاريخ المنطقة العربية ،بعموم أقاليمها وخاصة منها الجزيرة العربية ، ولمكانة أدب الرحلات كمصدر من مصادر تاريخ الجزيرة العربية ،فقد أقامت دارة الملك عبد العزيز ندوة خاصة عن الرحالة الأوروبيين الذين زاروا الجزيرة العربية وما جاورها كالعراق وبلاد الشام ، وذلك لارتباط هذين الإقليمين المباشر في منطقة الجزيرة العربية، وترجع هذه الرحلات في بعضها إلى ثلاث مئة سنة مضت على تاريخها .
وقد جاء تاريخ هذه الندوة من ( ٢٤ رجب إلى ٢٧ منه لسنة ١٤٢١ هـ - ٢١ - ٢٤ /١٠ / ٢٠٠٠ م ) ، وقد شارك فيها العديد من الباحثين الغربيين ، إضافة للباحثين من أبناء العالم العربي والإسلامي ،لكن كل هذه الدراسات والأبحاث ، التي أثرت تاريخ دول الجزيرة العربية قاطبة، بقيمتها العلمية ومكانتها التاريخية ،وكان قد طمع عدد غير قليل من الباحثين، الذين رغبوا في دراسة موروث همفر دراسة علمية والتحقق من مصداقيته ،فيما قبل انعقاد الندوة السالفة الذكر، وفيما بعدها، لكن ما نسب لهفمر لا وجود له ولا سند ولا أصل ، وإنما كان صناعة منحولة ومدلسة ، الأمر الذي لم يقنع القائمين على تصنيف هذا الكتاب كمادة تاريخية، في مكتبة الدراسات التاريخية الخاصة في المنطقة العربية ، وخاصة منها الدولة السعودية الأولى في تاريخ مولدها ونشأتها .
عرض لبعض الأخطاء التاريخية التي تم حصره في مذكرات همفر :
لم تكن مسألة التدليس والانتحال حديثة عهد في تاريخ الحضارات العلمية الإنسانية ، فهناك السرقات وهناك العديد من الأعمال المزورة والمقلدة و المدلسة، وفي واقع حضارتنا العلمية الإسلامية، ويعود الفضل في هذا العلم المعني في علم الرجال ، وكشف عدالتهم وصدقهم من كذبهم ، في أي عمل علمي جاء على أيديهم ، فالفضل في هذا الأمر يعود المدرسة الحديث النبوي الشريف التي وضعت أصول هذا العلم على قاعدتين، الأولى علم الرجال ، والثاني ما هو معني بالنص المدون أياً كان العلم الذي يخصه هذا النص ، وعلى سبيل المثال فقد تم لي حصر هذه الأخطاء التي وقع فيها المدلس في نص الكتاب ، وهي كفيلة بإسقاط النص من ألفه إلى يائه ، وقد جاءت على الشكل التالي :
1- مصطلح الشرق الأوسط . مصطلح متأخر عن عصر همفر بـ (۱۹۲) سنة.
2- مصطلح رجل أوروبا المريض. مصطلح متأخر عن عصر همفر بـ (١٤٣) سنة، وقد سبق الحديث عن هذين المصطلحين، في الفقرة المعنونة بـ (دواعي الكتابة لهذه الدراسة) .
3- ذكر في الصفحة (۱۲) ، بأن وزارة المستعمرات البريطانية أوفدته بالسفرإلى كل من مصر والعراق وطهران والحجاز والأستانة ، وذلك سنة ( ١٧١٠م - ١١٢٢ هـ) ، فهذا التاريخ الذي أورده المدلس، والذي يقول فيه همفر بأنه التقى بالشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لا صحة له ، فكيف يصح هذا التاريخ مع تاريخ مولد الشيخ محمد الذي ولد سنة ( ١١١٥ هـ - ١٧٠٣ م )، وكان عمره يومها سبع سنوات .
4- بعد ستة شهور وصل البصرة كما أشار في الصفحة (۲۳) ، وفي الصفحة (30) من الكتاب ، ذكر همفر أنه التقى بشاب اسمه محمد بن عبد الوهاب وكان يتكلم اللغات الثلاث التركية والفارسية والعربية ، فهل حسب ما ذكر المدلس أن الكلام صحيح ؟ يعني أن الشيخ كان عمره ثماني سنوات تقريباً، والواقع يكذب ذلك.
5- ذكر في صفحة (٣٦) بأنه أقنع الشيخ بزواج المتعة، حيث ذهب همفر وأقنع إحدى المسيحيات واسمها (صفية) بأن تتزوج بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأين مصداقية النص والشيخ في هذا التاريخ لم يكن قد وصل البصرة، بسبب أن سنه لم يبلغ فيه الثماني سنوات ؟؟
6- في الصفحة (٥٢)، يزوج همفر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أصفهان زواج متعة من امرأة يهودية اسمها (آسية) من يهود شيراز.... أين المصداقية في هذه الرواية إذا ما قورن الخبر هذا بعمر الشيخ محمد رحمه الله ؟؟
7- وردت فقرة في الصفحة ( ٦٧ )-( إحياء النعرات القومية والإقليمية واللغوية واللونية وغير ذلك في المسلمين، كما أوصى بلزوم جلب اهتمام المسلمين إلى سوابق حضارات بلادهم، وإبطال شخصياتهم قبل الإسلام ، كإحياء الفرعونية في مصر، وإحياء الثنوية في فارس ، وإحياء البابلية في العراق ).
هذا الكلام كله غير صحيح لأنه ولد في المجتمعات المعنية بهذه الدعوات، مع مطلع القرن العشرين حيث اكتسحت المنطقة العربية هذه المصطلحات الفكرية التغريبية .
8- ذكر في الصفحة ( ۷۲ ) - فكرة تحديد النسل ، وأن لا يتزوج الرجل بأكثر من زوجة واحدة ، ووضع القيود على ذلك ، فهذه الدعوة ليست بصحيحة على أنها تعود لذلك التاريخ، والفكرة هذه ولدت في النصف الأول من القرن العشرين للميلاد ، فالغربيون أنفسهم إلى فترة ما قبل مولد مشروع تحديد النسل ، كانت الأسرة الأوروبية لا تعرف فكرة تحديد النسل، حتى يعود مثل هذا الأمر إلى تاریخ همفر .
9- طلب همفر من السكرتير للوزارة أن يسمح له بعمل أمارة في نجد للشيخ محمد بن عبد الوهاب وقد وافق السكرتير على طلب همفر هذا، وقد ذكر ذلك في الصفحتين ( ۸۰ - ۸۱ ) ، وقد أملى همفر على الشيخ ستة أمور يجب عليه العمل عليها اكتفيت بثلاثة منها ، وأهمها الفقرات التالية :
1- تكفير كل المسلمين وإباحة قتلهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم ، وبيعهم في أسواق النخاسة ، وجعلهم عبيداً ونسائهم جواري .
2- هدم الكعبة باسم أنها آثار وثنية إن أمكن، ومنع الناس من الحج وإغراء القبائل بسلب الحجاج وقتلهم .
6- نشر القرآن والذي فيه التعديل، الذي ثبت في الأحاديث النبوية بما فيها من زيادة ونقصان ، والشك في القرآن لا يقول فيه إلا الشيعة ، الذين يقولون بتحريف القرآن المتداول بين المسلمين اليوم، والقرآن الصحيح عندهم هو قرآن فاطمة وهو موجود لديهم .
10- ذكر في الصفحة ( ۸۲ ) عن قدومه من لندن إلى البصرة ، بأنه وصل إليها ليلاً ، وذهب إلى دار رجل اسمه ( عبد الرضا ) ، وسأله عن الشيخ محمد بن و عبد الوهاب ، فقال له بأنه قصد نجد فأين المصداقية في هذا الكلام عندما يقول وصلت ليلاً ؟ وكأنه قدم من لندن بطائرة في ذلك التاريخ، وقد تبعه إلى نجد، على أَنه عبد قد اشتراه وتأخر عنه في البصرة.
11- ذكر في الصفحة (۸۳) امتداداً للفقرة السابقة بأنه أقام عند الشيخ سنتين، وهيأ معه الشيخ الترتيب لإظهار الدعوة وذلك سنة (١١٤٣ هـ) وأتى المدلس على التقويم بالتاريخ الهجري، بما يوافق سنة (١٧٣٠ م)، وكيف يتفق
هذا التاريخ مع تاريخ التقائه بالشيخ وهو ابن ثماني سنوات في البصرة؟ فبداية تاريخ الدعوة عند الشيخ محمد رحمه الله، هي قد بدأت ما بين سنتي (١١٤٤ - ١١٤٩ هـ، ١٧٢١ م - ١٧٣٦ م)، والقارئ لهذه الصفحة، يجد كيف أن مدلس النص قد وقع في شر أعماله القائمة على الكذب والتدليس، وهذا يعني أنه أقام في البصرة (۱۹) سنة، وفي نجد سنتين ، أي ( ۲۱ ) سنة ،فهل يعقل بأنه أقام ( ۲۱ ) سنة ولا يوجد له اسم في ملف وزارة الخارجية البريطانية.
12- في هذه الصفحة ( ٨٤ ) ، يجد القارئ لهذا الكتاب ، بأن مدلس الكتاب قد انتهى في صناعة كتابه من حيث اللغة وسرد الأحداث، إلى صورة سيئة وقميئة جداً ، يهدف من ذلك لغرض واحد فقط ، هو النيل من الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، والإساءة إلى التشكيك بقيام الدولة السعودية على يد الإمام محمد بن سعود ، على يد الإنجليز الذين هم جلبوا محمد بن سعود، وهم الذين جمعوا بين المحمدين ،وهم الذين اتخذوا الدرعية عاصمة للدولة الجديدة.
مع العلم بأَن الدرعية ، كان الشيخ قد قدم إليها وهي تحت حكم الإمام محمد بن سعود كأمير لها ... فكيف يكون هذا وأي كذب أكبر من هذا ، أن يقيم همفر مدة سنتين في نجد ، ولا يأتي على ذكره حسين بن غنام وابن بشر ، تاركاً للقارئ الكريم النص بلغته ، كما جاء على لسان الُمدَلَس ، حتى يتوصل لحقيقة هذا الكتاب الُمدَلَس والمنحول فيما يصبوا إليه من صاغه وصنعه و دلسه .
13- يكثر المدلس على لسان همفر شخصية الأنا في لغة النص ، كعبارة ) قوي جانبنا ) ، (وقد اتخذنا )، و ) عقدنا )، وعبارة ( فأبحرت أنا ميمماً وجهة الأستانة ) ، فضمير الخصوصية موجود بالفعل بكلمة ( فأبحرت ) ، فلماذا وجود (أنا) في العبارة ؟ فالكتاب ركيك في ألفاظه، ضعيف في نسيج لغته، لا يرتقي إلى الصحة في أحداثه ووقائعه التاريخية.
14- لدى البحث في الموسوعة البريطانية- انكلوبيديا -، عن مادة وزير المستعمرات، في بريطانيا، تبين بأنها لم تكن موجودة في ذلك التاريخ، وإنما هي مستحدثة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كما استخدم المدلس كلمة (الوزير) في العديد من صفحات الكتاب، فمن هو هذا الوزير؟؟ وكذلك استخدامه لكلمة والي بغداد، فمن هو الوالي؟؟ وكذلك السلطان العثماني، فمن هو هذا السلطان؟؟ وكذلك فالذي ينظر إلى أخبار سفره لبريطانيا وتلقيه التعليمات البريطانية الهادفة، يجد كيف أن المدلس استخف بعقل القارئ لكتابه، في السرعة في الذهاب والعودة منها، وكل هذا يدل على ضعف النص في لغته، وسياق نصه ومنهجه وعلميته في أن يكون مصدراً تاريخياً، ومادة تاريخية لتلك الفترة، والتي أحوج ما تحتاج إليه مدرسة البحث التاريخي ، لأي وثيقة أو مادة تاريخية ،تعود لتلك الفترة، إن توفرت فيها شروط الصحة والمصداقية .
15- الكتاب بكامله لم يأًت فيه المدلس ،إلا على ترجمتين معروفتين هما الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود ، لأن نص الكتاب بكامله حبك على أساس النيل من هاتين الشخصيتين ، مع طول فترة إقامته إن صحت في البصرة ونجد، وهما بيت القصيد .
وفي الختام : فإن هذه الصفحات لا تكفي لمثل هذه الدراسة العلمية ، ولكن أعانني الله فيها على بيان القصد،
متمنياً أن أكون ممن وفقه الله في خدمة تاريخ هذه البلاد الكريمة ، في الذود عن إمامين جليلين من معالم هذه البلاد في تاريخ نشأتها وولاة أمرها ، وهما الإمام محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود رحمهما الله تعالى ، من خلال بيان كتاب ( مذكرات همفر )على أنه كتاب مدلس ومنحول لا أصل له ولا سند. . وجاءت ضرورة دراسته بعد أن وجد الكتاب شيئاً من القبول، عند الكثير من الذين وجدوا فيه منيتهم في النيل من هذه البلاد و ولاة أمرها وخاصةً من خلال ما سعت إليه الملحقية الثقافية الإيرانية بدمشق، على نشر هذا الكتاب، وإيصاله إلى أكبر قدر ممكن من القراء، من الذين لا علم لهم بحقائق التاريخ، سواء في داخل المملكة أم في خارجها، وهم الأهم في هذه الدراسة، فرحم الله ولاة أمر هذه البلاد في سلفهم، وأكرم وأعز من خلف منهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

