تسهم في تبادل ثقافة التفاهم .. متاحف الطفولة في كندا
إعداد: إسراء البدر أونتاريو كندا
تولي كندا اهتماماً كبيراً بالطفولة من خلال الجهات الحكومية والقطاعات الاجتماعية الخاصة لأنها تدرك جيدا أن بناء الطفولة هو بناء اللبنة الأساسية للمجتمع وللمستقبل, لذا تعمد إلى تهيئة كل مجالات التعلم والاستنارة والإدراك المعرفي عن قرب وليس من خلال التعلم عن طريق المدارس فقط ولهذا فهي تقيم وتنشئ مؤسسات تعليمية ومعرفية بنفس الوقت ولذا تأتي المتاحف لتلعب هذا الدور الحيوي ليس فقط كما هو معروف في كثير من بلدان العالم كون المتحف هو فقط لاستعراض مراحل تاريخية وعلمية واجتماعية من حياة الشعوب والدول، لكن في كندا يأخذ حيزاً آخر وهو التعليم والتدريب إضافة إلى السبب الرئيس من وجود المتاحف كونها تشير إلى وحبين الإنترات الزمنية المختلفة في كندا.
يأتي الطفل ليتعلم في المتحف يتدرب على العلوم ويطبقها، يدخل مجال عالم الحيوان يشاهده ويدرس تاريخ الحيوانات وأنواعها بشكل عملي ليس فقط من خلال الكتب وهذا ما يكرس المعلومة ذهنياً في عقل الطفل أكثر من الطرق التقليدية التدريسية، فالمتحف في كندا يعتبر منهلا للعلوم المختلفة والآداب ولذا اهتمت الحكومة الكندية بإنشاء متاحف خاصة للطفل تتناسب مع قدراته واحتياجاته وكيفية توسيع مداركه.
متحف الطفولة كيبيك
يعتبر هذا المتحف هو الأول على مستوى كندا في مجال الطفولة وربما حتى في العالم لما يحويه من أقسام مختلفة تنمي ذكاء الطفل وتوسع مداركه ومن حيث تنوع العلوم والتطبيقات العلمية والتاريخية والإجتماعية التي يحتويها هذا المتحف الذي يضم ثلاثين قسماً. ويتيح هذا المتحف لزواره الصغار فرصة السفر حول العالم حيث يستعرض الكثير من بلدان العالم وثقافاتهم وأزيائهم وأهم المعالم التاريخية الموجودة في تلك البلدان إضافة إلى أهم ما يميز تلك البلدان أيضاً من صناعات أو تميز رياضي أو فني, وقد افتتح هذا المتحف في التاسع والعشرين من يونيو عام ١٩٨٩ وهو يشكل جزءا من المتحف الكندي للتاريخ, حيث أقيم المتحف الكندي للتاريخ ونظراً لأهمية أن يتم إنشاء متحف خاص للطفولة فقط فقد كان ذلك وقد تم الحاقه بالمتحف الكندي للتاريخ.
متحف الطفولة بقاعاته الثلاثين والتي صمم أحد أقسامها في الهواء الطلق لكي يهياً للطفل أجواء اللعب والمعرفة بنفس الوقت، وقد مر المتحف بعدة مراحل للتوسعة مع زيادة الإقبال عليه وأيضاً مع افتتاح قاعات وأقسام أخرى, فقد بلغت توسعة المتحف الأولى من ٥,٦٠٠ قدم مربع إلى ٦,٥٠٠ قدم مربع عام ٢٠٠٧ ليتناسب وازدياد تطلعات الأطفال ثم أجريت توسعة أخرى إلى ٨٦,٥٠١,٥٥ قدم مربع في الوقت الحالي، ويعتبر المتحف الكندي للطفولة هو الأول في مجال متاحف الأطفال بكندا حيث بلغ الحضور من تاريخ افتتاحه في عام ١٩٨٩ إلى السنة الحالية ثمانية ملايين زائر من الأطفال وأسرهم وبلغ معدل متوسط الحضور السنوي حوالي ٥٠٠ ألف شخص سنويا.
مهمة وأهداف هذا المتحف كما تبينه اللوائح الموجودة في مدخل وأروقة المتحف هي إثراء حياة الطفل وخاصة الكندي بالنافع والمفيد وتوفير المجال اللازم له للإبداع ومعرفة المزيد عن العالم وإقرار ثقافة التفاهم بين الأطفال في مختلف أنحاء العالم وتحسين القدرات الثقافية والعلمية والاجتماعية للأطفال من ولادتهم وحتى سن السادسة عشر، وإن المتحف الكندي للطفولة كما يوضح القائمون عليه هو خطوة أولى مهمة في تعليم الطفل وتفتيح قدراته ومداركه وتهيئته للمستقبل.
متحف الطفولة في مقاطعة منتوبا
المتحف الآخر الذي يعتبر أيضاً من أهم متاحف الطفولة في كندا هو متحف الطفولة في مقاطعة منتوبا الكندية.
بدأت فكرة هذا المتحف من خلال مديرته السيدة «ليندا ليست» التي اقترحت فكرة إنشاء متحف للطفولة في كندا في مقاطعة منتوبا في عاصمتها وينبييغ بالتعاون مع مجموعة أصدقاء للسيدة ليندا وكان ذلك في عام ١٩٨٣. وبحلول عام ١٩٨٤ تمت الموافقة على إنشاء هذا المتحف وقد خصص له مستودع قديم في المدينة عمره ٩٠ سنة وقد أعيد بنائه وترميمه بشكل يتناسب مع رغبات الأطفال وتطلعاتهم وقد افتتح في ٢١ يونيو عام ١٩٨٦ على مساحة ٤,٠٠٠ قدم مربع وحقق نجاحاً كبيراً، حيث بلغ عدد الزوار من الأطفال وأسرهم في السنة الأولى من افتتاح المتحف ٦٥,٠٠٠ شخص وقد سجل أكثر من ٥٠٠ عائلة عضوية فيه وزاره أكثر من ٨٠٠ مدرسة ورياض أطفال, هذا ما دفع القائمون على المتحف بتوسعة المتحف وزيادة عدد الاقسام الموجودة فيه بما يتناسب مع تطلعات ورغبات الأطفال المتزايدة، فكانت المرحلة الثانية من التوسعة وتم الافتتاح في ٣٠ يونيو من عام ١٩٨٨ وبحلول عام ١٩٨٩ كانت التوسعة الثالثة التي بدأت في هذه السنة واكتملت في ١ يونيو من عام ١٩٩٠ بعد حملة تبرعات كبيرة لتوسيع المتحف بلغت ٤,٠٠٠٠٠٠٠ دولار كندي وافتتح المتحف بالشكل الذي عليه في وقتنا الحالي.
الذي يميز متحف الطفولة في منتوبا أنه صمم لأجل توسيع وتشجيع الخيال العلمي لدى الأطفال وتشجيع قدراتهم على الاكتشاف والبحث العلمي حتى لو كانوا صغار بما يفتح ويوسع آفاق الطفل ومداركه وقد تم إنشائه بطريقة استخدمت بها الكثير من وسائل الجذب للأطفال من خلال فسح المجال لاختراع الألعاب الجديدة والتصميمات الالكترونية الجديدة وصولا إلى الروبوتات (الإنسان الآلي) وأيضا فسح المجال للمواهب الفنية المختلفة في مجالات الأدب والفنون بأشكالها المختلفة وإقامة المسابقات العلمية والفنية في نفس المتحف لتشجيع الأطفال على المشاركة بها من خلال التقديم عن طريق مدارسهم وإذا ما حقق الطفل أي تميز فإنه يكرم من إدارة المتحف إضافة إلى إدارة المدرسة ويوضع اسمه في لوحات الشرف في المتحف.
إن إسهامات المتحف بالنسبة للأطفال وأسرهم كانت سبباً في اختياره ضمن أفضل عشرة متاحف على مستوى كندا من قبل مجلة (توب سمر اتركشن).
إن تجربة متاحف الأطفال في كندا والكثير من البلدان الأوروبية تدفعنا للتأمل بواقع الطفل في الكثير من البلاد العربية ولماذا لا يتم تبني إنشاء وإقامة مثل هذه المتاحف للطفل في العالم العربي خاصة وأن الدول العربية لا تنقصها الإمكانات البشرية والمادية لإقامة مثل هذه المشاريع، فلابد من صقل ذهنية الطفل وتشجيعه في سن مبكرة على الإبداع والابتكار لأجل تهيئته للمستقبل ودعم قدراته منذ الصغر لكي يصقلها ويستثمرها في الكبر.
أن تجربة متاحف الأطفال في كندا تدعونا إلى أهمية الاستفادة منها في ضرورة الابتعاد عن المناهج التقليدية في التعليم المتبعة في بعض البلدان العربية وضرورة استبدالها بالتعليم العملي والتطبيقي وليس الحفظ الأصم للمواد التعليمية, فتجربة هذه المتاحف اعتمدت التجربة العملية التي مزجت بين المتعة والفائدة وليس التعليم التلقيني والطفل بطبعه يلجأ إلى اللعب ويحبه أكثر من التقييد بمقاعد الدراسة, فلماذا لا يتم تبني مثل هذه التجارب في وسائل التعليم المختلفة في البلدان العربية خاصة وأن الكثير من الأطفال الكنديين وهم من أصول عربية أبدعوا في مجال التعلم من خلال المتاحف وأثبتوا تفوقهم على أقرانهم في المدارس الكندية, فالعيب بالوسائل التعليمية المستخدمة في بعض البلدان العربية وليس عقول وتفكير الأطفال.

