تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

د. نورة الشملان وقراءة جديدة في التراث العربي

د. نورة الشملان وقراءة جديدة في التراث العربي

 سلطان العبيد- الرياض

 أستاذة الأدب القديم بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض الدكتورة نورة صالح الشملان تسعى إلى صياغة قراءة جديدة حول مفهومة التراث العربي الذي يحمل كثير من الأبعاد والمضامين المتفاوتة لا سيما ما له علاقة في الوجه الآخر لحياة الإنسان..  تلك التي تكون غائبة أحياناً، لكن الكاتب الفذَ والباحث الجادَ كثيراَ ما يقدم بين يدي القارئ الحقيقة تلو الأخرى ; من أجل أن يحقق للمقولة صدقها وطبيعتها الأولى، فالتاريخ مليء بالعديد من الطُرف الشيقة، والمقولات المدوية، والمغامرات المذهلة، إلا أن الحقيقة تظل بعيدة أحياناً عن مثل هذا التناول.

 الأستاذ الدكتورة نورة الشملان ترى أننا لسنا بحاجة إلى مزيد من القصص;  لأن التاريخ كفل لنا هذا الحق، وجعلنا نعرضه على الملأ كأغلى ما نملكه من أرث  ثقافي ومعرفي في كل زمان ومكان ، فكانت القصص والحكايات تتوالى حول فروسية الإنسان العربي وكرمه ، وشاعريته ، وأمانته ، ونجدته ، وما إلى ذلك من الصفات: لتصبح هذه المنقولات هي المحفز لأن يقرأ التاريخ وكأنه يكتب لأول مرة ، لا سيما إذا قُدَمت بعناصر التشويق اللازمة ; من أجل أن تتجسد أمام القارئ العديد من الصور والمعاني التي تُعدَ هي المثال الحقيقي لتعلُق العرب بماضيهم.

 فالباحثة لا تكلَ من تقديم نماذج كثير عن صور العرب القدماء: لتضرب فيه أحدث بحوثها الجديدة المثل تلو الآخر عن أبرز مقومات الشجاعة والفروسية والكرم والشعر والحلم، فتنتقي من بين عشرات المبرزين أعلاماً خلدهم التاريخ على غرار فارس بني حمدان أبو فراس الحمداني الذي جمع الشجاعة وفن الحرب والشعر في قالب واحد حتى قتل في حرب ضروس عام 375 هــ.

 فالشاعر والفارس أبو فراس الحمداني- كما تشير الباحثة نور شملان- هو النموذج العربي الذي شغل الناس بقصته منذ ولادته وحتى مقتله، فكان بين هذين الحدثين العديد من القصص الشيقة والصور المعبرة ; كموت أبيه صغيراً، ورثائه لأمه وهو في الأسْر، ومماته غيلةَ على يدي أبناء عمومته في ساحة حرب الداخلية.

 وتمثل الباحثة استنباطها لمعاني الحكمة والشجاعة في صورة رجل عربي آخر عرف عنه هذا البعد الأسر ، لتأخذ أبا الطيب المتنبي مثالاً قوياً على ما يمتلكه هؤلاء الأفذاذ من شهرة في أمور الشجاعة والفروسية التي لا تزال مضرب المثل منذ قرون.

 فالمتنبي يظل هو الرمز الحقيقي للشاعر الذي قضي عليه شعره في موقف خالد لا يُنسى حينما دفع حياته ثمناً لبيت شهير: 

الخيل والليل والبيداء تعرفني

  والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ

 فالشاعر والفارس المتنبي- كما تصفه الباحثة- لم يكن متوقفاً على هاتين الخصلتين، إنما تشير في معرض كتابتها الدائمة إلى أن عشق المجد للشاعر المتنبي هو من جعل النقًاد يتصورون أنه صاحب غزليات واضحة، إنما هي صور تعكس حنينه للمجد والسيادة على الجميع من أجل أن تكتمل عناصر النموذج في الرجل العربي.

 شاعر آخر تورد الدكتورة سيرته المثيرة للجدل هو الشعر(( أبو نواس)) الذي تصور الكثير من الناس أنه خلق ومات في مجون ، ألا أنها حاولت في مواضع كثيرة من بحثها ، وفي معرض دراسات أخرى أن توازن بين الصور (( الغواية )) و (( الهداية  ))في رحلة الحسن بن هانئ الشهير بأبي نواس ، حيث تشير إلى أن كتب التاريخ القديم والحديث تقدَم لنا صوراً متناقضة عن حياة هذا الشاعر ، إلا أن الرواة الثقات يدركون أن العيش فيه كنف مروان بن محمد حينما كان والد أبو نواس جندياً من جنود الفتوحات الإسلامية في العهد الأموي ما هو إلا حيز زماني تفتَق عن حب عارم للترف والغناء، ومصاحبة أهل اللهو والمجون .

 فصيتُ الشاعر وشهرته دوَت في الأرجاء مصحوبة بهذه المسحة القوية من التجَرد والتيه، إلا أنه ظلَ - وفي مواضع كثيرة من شعره - يذكر بالنهاية المؤلمة للإنسان لا سيما حينما يكون خارجاً عن تقاليد مجتمعه، فلا أجمل من شعر يصدر من قريحة تائبة تطمع في مغفرة المولي وعفوه على نحو ما قال:

 يا من أقام على خطيئته

 سدت عليك مذاهب الرشــد

 منَتك نفسك أنت تتوب غداَ

  أو ما تخاف الموت دون غدِ؟!

الموت الضيف فاستعد له 

قبل النزول بأفضل العدد

 تريد الباحثة الدكتورة نور الشملان في معرض هذه الدراسة وطروحات أخرى حول (الشعراء النموذج) في حياة الأمة أن توضح للقارئ الكريم البُعد الجمالي في الشعر العربي يتمحور بدرجة أولى في حجم الصدق في التعاطي مع مسائل الحياة الضرورية.. تلك التي لها مساس حقيقي بالعقيدة السليمة، فهؤلاء الشعراء ينهلون من معين علاقتهم القوية بكل ما هو مقدَّس لدى الأمة من أجل أن يحققوا الحضور اللافت في حياة الأمة، وها هو الشاعر أبو نواس رغم ما قيل عن مجونه يزهد في الدنيا، ويؤكد حتمية الموت والحساب، فعليه أن يتأهب لملاقاة وجه الله بالكثير من الصالحات لعلها تخفف من ذنوبه، بل ظل الشاعر كما هو معروف متمسك بمحاربة الشرك الذي لا ينفع معه أي استغفار أو توبة.

 فالباحثة الدكتورة نورا الشملان حري بها أن تقدم مثل هذا البحوث من خلال المنابر الثقافية: ليتسنى للقارئ أن يتعرف على الوضع الآخر من حياة هؤلاء الشعراء الذين ملأوا الدنيا، وشغلوا الناس في صولاتهم على صهوات الشعر، مسطرين في هذا السياق صورة الشجاعة والفروسية والكرم والنبل وما إلى ذلك من الخصال التي تُعدَ ضالة الإنسان العربي منذ أن يولد حتى مماته.

 فأحدث مؤلفات الدكتورة شملان في هذا المجال كتاب وسمته بعنوان: «قطوف دانية» محاولة فيه الخروج من سيطرة البحث العلمي المحكم.. ذلك الذي يقتضي التمسك بقواعد البحث العلمي الأكاديمي. فهي محقة بذلك لأمرين هما: أن هؤلاء النماذج في الشعر العربي أشبعوا بحثاً ودراسات معمقة فلا حاجة للمزيد، والأمر الأخر الأهم أن قارئ اليوم بحاجة إلى إصدار شيق لا يثقل عليه، فهي - كما تشير في المقدمة - تودُّ أن تستميل الجيل الجديد نحو مضان القراءات المتعددة للأدب العربي القديم.. ذلك الذي أشبع بحثاً علمياً، إلا أنه لا يزال بحاجة إلى تبسيط من أجل أن يصل إلى الملتقى العادي في هذه المرحلة من حياتنا التي بدأت تزدحم فيها الآن العديد من المغريات لا سيما الثورة المعلوماتية المذهلة.

 فحسبنا من خلال استشهادنا بهذا الكتاب للباحثة الدكتورة نور الشملان أن نؤكد على أهمية تبسيط البحث العلمي الأكاديمي: من أجل أن يصل للقارئ على نحو كتابها «قطوف دانية» الذي صدر هذا العام 1427 هــ عن دار الخلود ببيروت ووقع في نحو (112) صفحة من القطع المتوسط، وتَّم فهرسته من قبل مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض.


د. نورة الشملان  وقراءة جديدة في التراث العربي
Ehsan Logo