تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

القصة القصيرة بين الذاكرة والوعي.. القصة فن ينطلق ليُسيِّج فعلًا سرديًا قادراً على اختزال العالم

القصة القصيرة بين الذاكرة والوعي.. القصة فن ينطلق ليُسيِّج فعلًا سرديًا قادراً على اختزال العالم

حجاج سلامة

تتعدد الدراسات والمؤلفات التي اهتمت بفن القصة القصيرة ونشأته وأهم محطات تطوّره. وتشتمل المكتبة العربية  - ربما على آلاف العناوين التي تتناول بالدراسة والنقد أعمالاً إبداعية قصصية، وحياة ومسيرة روّاد ذلك الفن داخل الوطن العربي وخارجه.

وفي كتابه الجديد "القصة القصيرة بين الذاكرة والوعي: قراءات في واقع قصصي"، يُحدثنا الروائي والناقد المصري محمد عطية محمود عن حاضر فن القصة القصيرة، ثم يغوص بنا في قراءة وتحليل عدد من المجموعات والنصوص القصصية من خلال ثمانية عشرة دراسة موزعة على صفحات الكتاب الصادر عن دار إضاءات للنشر والتوزيع بالقاهرة.

وفي مقدمة كتابه، يُعرّف لنا محمد عطية محمود، فن القصة القصيرة بـ "الفن المقتحم"، المنشغل دائمًا بالسؤال الوجودي للذات المبدعة/ الإنسانية في لحظتها الآنية والمستعادة على حد السواء، والشرارة الوجدانية التي تنطلق لتسيِّج فعلًا سرديًا قادرا على اختزال العالم فيها، ومفجرًا لمكنونات هذا الوعي المستمد من تراكم معرفي وبصري وسمعي، ذاتي: فطري، ومكتسب، بكل التلاوين والأنغام التي تشكل تلك اللوحة السردية المعبرة عن أغوار الإنسان بشموليتها وعنفوانها وتدفقها بقوتها وبضعفها على حد السواء، وفي حالات تجزر الإنسان ووجوده ضمن محيطه أو عالمه الخاص المختار، سواء كان واقعيا أو تخيليا أو أسطوريا يحمل سماته الخاصة وعروجاته وسموه.

ويشير مؤلف الكتاب، إلى أنه ما بين ذاكرة الإنسان ووعيه تكمن مسألة إحساسه الوجداني بتلك اللحظة السردية/ القصصية التي تتوقف عندها القريحة الإبداعية المنتجة لنص مغاير يحمل سماته،  بكافة مقاييس الجمال التي تتحكم في مسار الإبداع، وتحويل هذه الاستيهامات اللحظية إلى حالة ممتدة من الشعور، ومن اجتراح المسكوت عنه في خفايا النفس البشرية، والمعلن في تفاصيله، أو ما تجود به تلك الذائقة من ترحال في عالم الظاهر والباطن معًا والالتباس بينهما لتقديم هذه الحالة الصوفية المرتبطة بين المعنى والمبنى الذي يصوغ فيه المبدع نصه المراوغ والمغاير والمدهش، إذ بغير الدهشة والابتكار لا يستقيم لنص إبداعي وجود.. بفعل تلك اللحظة الوجدانية الصوفية للكتابة، كمرجعية مهمة من مرجعيات الإبداع الحقيقي المرتبط دوما بتجليات الذات ونزواتها.. فلا انفصال في ذلك بين الشكل والمضمون، ولا المبدع ونصه على حد السواء.

ورأى الروائي والناقد المصري محمد عطية محمود، في كتابه "القصة القصيرة بين الذاكرة والوعي: قراءات في واقع قصصي"، ان الذات التي تقف خلف هذه الحالة من الاستيهام والاسترجاع والاستشراف هي ذات مبدعة قادرة على امتصاص كل تلك العوامل القادرة على بلورة الفعل السردي/ القصصي في صورة إبداعية محكمة تقودها في الغالب ذاكرة الذات ومختزن وعيها لتقديم هذه المعادلة على طبق من دهشة، وبعمق لا يثقل إيقاع اللحظة أو الحالة، ولكن يعبر بها سريعا كي تجتاز إلى وعي مقابل في التلقي وامتصاص الحالة؛ إذن فالتأثير والتأثر، تلك العملية المرتبطة بالنص السردي هي ما يميز ناتج هذه المغامرة المستمرة مع النص الذي يقبل مبدعه على الحياة من خلاله مختبرا ذاكرته التي تضع اللبنة، وينطلق بها وعيه في مسيرة يتقاسمها الوعي مع اللاوعي في صيغته الفطرية المجبول عليها المبدع، لينتج هذه الحالة الشاهدة على الواقع من زاوية أكثر اقترابًا منه، حتى ولو كان من خيال الجناح الآخر للإبداع/ الخيال المجنح الذي يصنع روحا مغايرة لتلك القطعة من الشجن/ الذات، ولا يجملها بقدر ما يبرزها.

ومن خلال ثمانية عشرة دراسة نقدية توزعت على صفحات الكتاب، يُقدم لنا المؤلف قراءة في نصوص ونماذج قصصية تسعى في المقام الأول إلى: تجسيد تلك الرؤية المستمدة من الوعي، ومن قدرة الذاكرة على التجسيد والتفصيل، وتقديم تلك الملامح التي تصب في صالح النص السردي الذي يحتاج إلى مصداقية الفن إلى جوار مصداقية الواقع وتصديقه واعتماده كنقطة انطلاق لا نقطة وصول، فالوعي بتقنيات وجماليات النص القصصي، لا بد مقترن بوعي حاد بالواقع وما يدور فيه من مفارقات وجود، ومسببات تقود دائمًا إلى نتائج، من خلال شرائح وحالات يعضدها المخيال لتعميق تلك الأزمة المتجذرة للذات في علاقتها مع العالم من خلال تلك الصور الحقيقية والمستهامة على حد السواء، وهي القادرة على الإمتاع دومًا على مستوى التقنية ومستوى المضمون.. 

كما يلعب في تلك النصوص والنماذج القصصية، استيهام هذه الذات وما يدور حولها من خلال تعانق تيمة الجنوح إلى الحلم، ومن ثم القراءة الحلمية للواقع الذي ربما تحول بفعل المفارقة والهروب إلى صورة أشبه بالحلم منها إلى الواقع ذاته، وهو ما قد يدخلنا في دوائر أخرى مرتبطة بتلك الأحوال الخارقة للمعتاد من خلال ميتافيزيقية الحالة الحلمية، ومن ثم الأسطورية التي تشكل الوعي من جهة، والعمل على كسر حاجز الإيهام من جهة أخرى، عروجا ودخولا في تداعيات حالة سيكولوجية مرتبطة، وكعنصر مكمل لما يمكن أن يعتلج به الوجدان من اغتراب للروح، ومعاناة العزلة وتداعياتها، وعلاقات الذات المشتبكة مع الواقع، والفضاء النفسي، وغيره مما سنعرض له، وما ستفرضه علينا سلطة النص ذاته في توجيه المعنى واستخلاصه.  

ويجول بنا المؤلف من خلال ثمانية عشرة دراسة نقدية ضمها الكتاب، في العوالم الإبداعية لنخبة من الأدباء الذين احتلت القصة مساحة كبيرة في إنتاجهم الأدبي وهم: بهاء طاهر، ويحيي الطاهر عبدالله، وفؤاد قنديل، وعبدالعال الحمامصي، وعبدالفتاح صبري، وفؤاد مرسي، ويحيي فضل سليم، وعادل جاد، ومحمد عبدالرحمن الفخراني، وعلي الفقي، وحسن الحلوجي، ومحسن عبدالعزيز، وسمر نور، وعمرو الرديني، ومها الغنام، وبشرى أبوشرار، ووائل وجدي، وحنان العطار.

يُذكر أن محمد عطية محمود، كاتب وناقد مصري، عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو نادي القصة المصري، صدر له ثلاثة عشر إصداراً في مجال الرواية والقصة القصيرة، بجانب (7) إصدارات نقدية، وقد صدرت تلك المؤلفات في كل من: مصر، والإمارات، والأردن، والجزائر.

  


القصة القصيرة بين الذاكرة والوعي.. القصة فن ينطلق ليُسيِّج فعلًا سرديًا قادراً على اختزال العالم
Ehsan Logo