تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

خيال دولة ذات 17 ألف جزيرة أندونيسيا تعليم واسع...وكتّاب مميزون... وقراء قليلون!

خيال دولة ذات 17 ألف جزيرة أندونيسيا تعليم واسع...وكتّاب مميزون... وقراء قليلون!

تقرير خاص

كما نوهت "أحوال المعرفة" في عددها ،79 فقد شاركت جمهورية إندونيسيا كضيف شرف في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب الذي انطلقت فعالياته في الثالث عشر من اكتوبر الجاري (2015)، وظهر من البدايات الأولى للمشاركة (أثناء مثول العدد 80 من المجلة للطبع) أن إندونيسيا كانت مستعدة بالفعل للنزول إلى حلبة الثقافة العالمية في مدينة فرانكفورت الألمانية حيث أشهر وأكبر معرض دولي للكتاب، وحمل برنامج استضافة إندونيسيا بالمعرض عنوان "خيال دولة ذات 17 ألف جزيرة". وتسنى للدولة ضيف الشرف أن تنتهز هذه الفرصة العظيمة، لاستعراض ثقافتها وتراثها الحضاري أمام الجمهور الألماني الذي كان متشوقا بلا شك لهذا الحدث الثقافي السنوي، وشهد جناح إندونيسيا إقبالا كبيرا من الجمهور الألماني والزائرين جاءوا للتعرف إلى ثقافة هذا البلد، ذي الـ 17 ألف جزيرة، و300 إثنية و742 لغة ولهجة مختلفة وذلك من خلال العديد من الفعاليات المتنوعة. فقد عرضت الدولة ضيف الشرف تراثها المعماري وفنها وأكلاتها المميزة خلال برنامج إضافي في المعرض، بالإضافة إلى صناعاتها الإبداعية الأخرى، مثل الحرف اليدوية والفن والطهي والوسائط المتعددة والصناعات القائمة على الثقافة التقليدية. 

لماذا إندونيسيا ضيف شرف؟

الإجابة ربما نجدها في ثنايا حديث رئيس اللجنة المنظمة لاستضافة إندونيسيا بمعرض فرانكفورت غوانوان محمد الذي ذكر أن بلاده قريبة ومتماسة مع العولمة غير أن أدبها غير معروف، وهي ترى في استضافتها بمعرض فرانكفورت الممثل لأكبر فعالية ثقافية عالمية، فرصة للتعريف بثقافتها والمشاركة في الحوار الثقافي العالمي. وأشار غوانوان أن إندونيسيا تريد بوصفها بلدا مسلما تتعايش فيه إثنيات وأديان مختلفة بسلام لفت الأنظار إلى هذه التجربة في أكبر معرض للكتاب في العالم. ومن جهته أكد مدير معرض فرانكفورت الدولي للكتاب "يورغن بوس"، أن إندونيسيا هدفت بالمشاركة إلى التعريف بثقافتها الممتدة آللاف السنين، فهي تعد رابع أكبر دول في العالم مساحة غير أن أدبها مجهول للكثيرين في العالم، وقد ارادت كضيف للشرف بفرانكفورت تغيير هذا الواقع من خلال عدد كبير من الإصدارات المترجمة للألمانية وبرنامج ثقافي حافل. أما كلاوديا كايزر من مجموعة معرض فرانكفورت فقد رأت أن إندونيسيا بالنسبة للألمان مثل البقعة البيضاء فوق الخريطة. وقالت: " حان الوقت لكي ننتبه قليلا إلى ما يحدث هناك". "وقد هدفت استضافة إندونيسيا كضيف شرف في معرض الكتاب في فرانكفورت إلى تسليط الضوء على ثقافة إندونيسيا وسكانها البالغ عددهم نحو مائتين وخمسين مليون نسمة وجزرها السبعة عشر ألفا. وكذلك إثارة االهتمام باألدب في إندونيسيا ".

هذه هي إندونيسيا

إندونيسيا هي الأمة الأكبر في العالم من حيث عدد السكان المسلمين (250 مليون)، غالبيتهم من المسلمين السنة (%86)، ونسبة ٪9 من السكان مسيحيون و٪3 هندوس، و٪2 بوذيون أو أقليات أخرى. وقد عرفت إندونيسيا الإسلام في القرن الثالث عشر الميلادي، من خلال تأثير التجار في شمال سومطرة، حتى أصبح الإسلام هو الدين السائد في البالد منذ القرن السادس عشر. فالثقافة الإندونيسية في غالبها إسلامية لكنها مشبعة بتقاليد وأساطير تعود لآلاف السنين، كما أنها دولة متقدمة ومتطلعة للتقنية وذات شعب فتي تقل أعمار %44 منهم عن 25 عاما. وهي بالد ذات جغرافية فريدة، حيث تتألف من جزر يتراوح عددها بين الـ13500 جزيرة و17500 جزيرة، حسب الإحصائيات المختلفة، من بينها 6000 جزيرة مسكونة. ّ وفي المحصلة تشكل إندونيسيا أكبر (أرخبيل) في العالم. ويشكل سكانها مزيجاً موزاييك من الإثنيات التي يصل عددها إلى 360 إثنية، (3) بينما يتحدث مواطنوها بنحو 700 لغة، تبقى لغة (البهاسا إندونيسيا) أكثرها انتشارا، وهي لغة التواصل الأساسية بين جميع الإندونيسيين. 

تعليم متفوق واسع الانتشار

وفي العصر الحديث ومنذ عام 1973 أحرزت إندونيسيا تقدما كبيرا نحو التوسع في التعليم وتحقيق أهدافه في كافة المراحل، وقد كان ما يقرب من 20 في المئة من الشباب أميين في ذلك الوقت، عندما أصدر الرئيس سوهارتو أمرا بتخصيص أجزاء من عائدات النفط لبناء مدارس أساسية جديدة. فكان من نتائج ذلك أن حدثت زيادة كبيرة في عدد المدارس وإصلاح مرافق المدارس الابتدائية ما يقرب من 40ألف منها، وبحلول أواخر ،1980 لوحظ أن معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة تحسنت تحسنا كبيرا على الصعيد الوطني. وبحلول عام ،2002 وفقا للبنك الدولي، فإن ٪2 فقط من الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 كانوا أميين، ومع دخول عام ،2009 وصلت نسبة الذين تم محو أميتهم من الإندونسيين وأصبحوا يجيدون القراءة والكتابة .90 4 في المئة.

كُتّاب مميزون

ومن جهة أخرى تتمتع إندونيسيا بإنتاج أدبي جيد وبكتاب قصة متميزون، قصصهم مفعمة بالاكتشافات والمغامرات، وما يكتبه المؤلفون الشبان هناك يحسب على الأدب الجيد. وإذا تحدثنا عن الشعر والقصص القصيرة والروايات، فيوجد من الأدباء الإندونسيين، من وصل مستواهم إلى العالمية، مثل الكاتب الراحل برامويديا أنانتا توير، وكذلك ليلى شودوري، أو أيو يوتامي و الكسمي بامونتياك، وكثيرون غيرهم كما أن "الأوساط الأدبية العديدة نشطة كثيرا"، و"الأدب الإندونيسي عبارة عن شيء تجب قراءته بصوت مرتفع. حيث يلاحظ المرء الجانب الشفوي في هذا الأدب وتمثل القصص الشفوية جزءا من الحياة اليومية في إندونيسيا:

وعلى المستوى الشعبي يهتم الإندونيسيون بالحكايات التي يتم إخراجها في مسرح العرائس، وبسرد القصص وعرضها، وكذلك يتم تبادل الحديث ونظم الشعر. وكثيرا ما تستقطب القراءات الشعرية المئات من المستمعين، حيث يلقي الشعراء نصوصهم بكثير من الحماسة والإيماءات الكبيرة، وبعض هذه القصص تم تواترها طيلة قرون من الزمن.

إندونيسيا ال تقرأ

ورغم هذه العطاءات والجهود فإن إندونيسا لا تعتبر "بلداً قارئة" وهذا لا يعود إلى نسبة الأمية: إذ أن من تسعين إلى ثلاثة وتسعين في المائة من الإندونيسيين يستطيعون القراءة والكتابة. فهذه الدولة تتمتع بنسبة تعلم عالية جدا مقارنة بالدول النامية الاخرى، وتسعة من كل عشرة بالغين يتقنون القراءة، كما تفيد تقارير البنك الدولي، إلا أن الكتب ليست بمتناول الكثير من سكان البلاد، والمكتبات قليلة وبعيدة عن بعضها البعض، والكثير منها تديرها مؤسسات مثل "ياياسان اوساها موليا" التي تدير مكتبتين في جاوا الغربية وكاليمانتنا في وسط البلاد، وثمة بعض المكتبات العامة القليلة وغالبيتها تضم الموسوعات وليس الروايات التي يستمتع الشخص بقراءتها، الاندونيسيون لا يقرأ الكثير منهم الكتب الورقية وإنما يقرأون الكثير يوميا عبر الانترنت، فهم يشكلون ثالث اوسع مجموعة على فيسبوك في العالم، والخامسة عبر تويتر، وهم يدمنون توجيه الرسائل النصية القصيرة. كما أن من أسباب ضعف القراءة عدم تدريس الأدب في المدارس الإندونيسية مثلما جرت العادة في دول في الشرق والغرب. يقول الناشر الانجليزي جون مكغلين، الذي يقوم من خلال مؤسسته لونتار بترجمة أعمال إندونيسية إلى اللغة الإنكليزية: "لهذا السبب فمن المدهش في الواقع وجود كُتّاب إندونيسيين مميزين. فأين تعلموا ذلك يا ترى؟ بالتأكيد ليس في المدرسة". القراءة في إندونيسيا غالبا ما تعني قراءة الكتب الدينية والشعبية.

وبالإضافة إلى ذلك ينتشر في إندونيسيا وعلى نطاق واسع تقليد الحكواتي وسرد الحكايات والقصص وإلقاء الشعر بشكل شفوي. وفي تصريح لرئيس المجلس الاستشاري للرابطة الإندونيسية للنشر (Ikapa)، مجيد وستيا دارما، ضمن مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية قال فيها إن الإهتمام بالقراءة ارتفع واقعيا في الريف ولكن القوة الشرائية تشكل عقبة رئيسية.

صناعة النشر ضعيفة

وتبين الأرقام مدى قلة اهتمام إندونيسيا بالكتب وصناعة النشر رغم رخص ثمن الورق لديها وتصنيفها من الدول الأولى المصدرة للورق. فدور النشر الإندونيسية البالغ عددها نحو ألف وأربعمائة دار نشر تصدر فقط ما معدله أربعة وعشرين ألف عنوان مع أن دولة مثل ألمانيا الأقل سكانا يوجد لديها دور نشر أكثر، وعناوين أكثر والكتب التي يتم نشرها في ألمانيا في كل عام أكثر بنسبة اثني عشر ضعفا مما يتم نشره في إندونيسيا، كما أن معظم الكتب التي يتم عرضها في السوق الإندونيسية هي ترجمات للكتب الإنكليزية البسيطة والأكثر مبيعا وذلك ألن هذه الكتب تجلب المال للناشرين.

المكتبة الوطنية في إندونيسيا

المكتبة الوطنية في إندونيسيا (PNRI) هي مكتبة الإيداع القانوني أنشئت كمستودع معلومات للبلد، حيث تقوم بجمع وحفظ التراث الفكري الوطني والإعلام عنه ويتم الجمع من خلال قانون الإيداع القانوني أو ما يسمى أيضا بالإيداع الشرعي، وهو القانون الذي يلزم المؤلف أو الناشر أو المطبعة بإيداع نسخة أو أكثر من المطبوع أو المنشور في المكتبة الوطنية مجانا، تأسست المكتبة الوطنية الإندونيسية في عام 1980 من خلال مرسوم صادر عن وزارة التربية والتعليم والثقافة وتوحيد أربع مكتبات مختلفة بينما افتتح مبنى المكتبة الجديد عام 1988.

أكبر مكتبة عربية في شرق آسيا

ومن المكتبات المعروفة للإندونيسيين خاصة سكان العاصمة جاكرتا مكتبة معهد العلوم الإسلامية والعربية بالعاصمة التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المكتبة تأسست عام 1980م، وهي تعد من أكبر المكتبات العربية في جنوب شرق آسيا، وتدعم بشكل مباشر من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتضم رفوف المكتبة أكثر من 50 ألف كتاب من التخصصات المختلفة، وفرتها الجامعة من المملكة مباشرة ويزور المكتبة طالب المعهد، طالب الدراسات الإسلامية الآخرين من مختلف الجامعات والمعاهد.

تجارب شخصية لنشر القراءة

لكن مما يضيء الصورة ويؤكد ارتباط الناس في إندونيسيا وغيرها بالكتاب وعدم استغنائهم عن القراءة، وجود تجارب شخصية ومدهشة أحيانا لنشر القراءة في قرى ومدن إندونيسيا، ومن تلك التجارب تجربة كيسوانتي الإندونيسية التي تحمل الناس بحسب وكالة الأنباء الفرنسية على القراءة وكانت لها جهود جبارة لحمل الناس على القراءة في إندونيسيا، فعلى مدى ست سنوات وقبل أن يصيبها المرض كانت تجوب الدروب الموحلة للبلدات النائية على متن دراجة هوائية في جاوا الغربية بصفتها بائعة لأعشاب طبية، حاملة معها الكتب على دراجتها لإعارتها إلى الأطفال. ورغم تواضع طريقتها فقد كان لها أثر متنام ككرة الثلج، وباتت بلدتها الفقيرة (بيماغارساري) بعد هذه السنوات تضم مكتبة حقيقية، وهو أمر نادر حتى في مدن إندونيسيا الكبرى. ولكيسوانتي حكمة في نشر القراءة بين الناس حيث تقول: "القراءة توفر المعرفة والمعرفة هي قوة. ينبغي ألا يحرم أحد من القراءة مهما كان فقيرا". واستطاع جيران كيسوانتي الإبقاء على نشاط المكتبة المتنقلة التي اثارت اهتمام أطراف مانحة محلية ودولية، مما سمح بتوفير الأموال لمشروع "ليباكوانغي ريدينغ هاس" وهي مكتبة باتت تضم الآن مجموعة من خمسة الاف كتاب. تقول كيسوانتي "هذه المكتبة حلم تحقق. أحيانا أكاد لا أصدق أن ذلك حصل فعال". ويزور المكتبة نحو مئة شخص يوميا غالبيتهم من التلاميذ. وتضم المكتبة الواقعة في طابقين كتب أطفال وروايات فضال عن كتب نصائح غالبيتها باللغة الاندونيسية. وثمة كتب بالإنكليزية منها أعمال لكتاب شعبيين مثل باولو كويلو وسيدني شيلدون وأغاثا كريستي. وثمة 16 متطوعا غالبيتهم من ربات المنازل يساعدون كيسوانتي على إدارة مدرسة للصغار لتعليم الإنكليزية والرياضيات في المبنى نفسه حيث توجد المكتبة.

مكتبة الحصان

أما التجربة الشخصية الأخرى لنشر القراءة في قرى ومدن إندونيسيا فهي تجربة رضوان سروري (42 عاما)، من قرية سيرانج الواقعة بمنطقة بوربالينغ في جاوى الوسطى، فقد تمكن باستخدام خدمات حصان يسميه ”لونا“ من صنع مكتبة متنقلة أسماها ”كودابوستاكا“ والتي تعني ”مكتبة الحصان“ في أوائل يناير 2015. حصل رضوان على الكتب من تبرعه، وتبرع نيروان أرسوكا، وجهات مانحة أخرى، وقام رضوان بجمع الكتب ثم منحها لعدد من الطالب في المدارس القريبة من بيته أيام الاثنين والأربعاء والخميس. ورضوان كما أكد لوسائل الإعلام الإندونيسية ال يسعى لكسب المال من المكتبة المتجولة لأنه ”يبحث عن الرضى والارتياح الداخلي للهواية“ كما صرح، وأضاف ”أنا سعيد للغاية مع الحصان، مطلقا العنان لهواياتي أن تمتع وتفيد المجتمع“. و تعمل مكتبة الحصان المتنقلة ثلاثة أيام في الأسبوع، ويبدأ رضوان يوم الثلاثاء من كل أسبوع في الإعداد لزيارة المدارس المتواجدة في المنطقة، واضعا الكتب في صندوق خشبي. يقول رضوان: "الأطفال أحرار في اختيار الكتب التي يودون استعارتها، وأنا لا أفرض رسوما أو أجرا لذلك“، وأكد قائلا “هدفي هو نشر القراءة، فإن أي شخص يريد أن يستعير أحبه“.

المراجع:

1.   الجزيرة نت 1436/5/26

2.   موقع قنطرة 2015/8/19(

3.   الموسوعة الحرة ويكيبيديا

4.   موقع حضارة نت 2012/12/21

5.   موقع قنطرة 2015/8/19

6.   موقع صحفي نقال عن الحياة ووكالة الأنباء الفرنسية2012/12/30

7.   موقع البيان للكتب 24 يوليو 2015

8.   موقع أحوال المسلمين 2015/5/28

9.   موقع قنطرة 2015/8/19

10.   الموسوعة الحرة ويكيبيديا

11.   موقع الموروث ابريل 2013

12.   موقع أحوال المسلمين 2015/5/28

خيال دولة ذات 17 ألف جزيرة أندونيسيا  تعليم واسع...وكتّاب مميزون... وقراء قليلون!
Ehsan Logo