تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الأستاذ الدكتور عبد اللّه الربيعي أستاذ العلاقات الحضارية : الحضارة الإسلامية أول من حمل مشعل العولمة

الأستاذ الدكتور عبد اللّه الربيعي أستاذ العلاقات الحضارية : الحضارة الإسلامية أول من حمل مشعل العولمة

حوار : عبدالرحمن القرني


لا شك أن التعايش السلمي بين الشعوب لا يمكن أن يتجه الحضاري والثقافي، فإن الهجوم على ثقافة أمة أو حضارتها والإساءة إلى معتقداتها أو النيل من مقدساتها يؤدي إلى إثارة الفتنة. وفي حوار مع البروفيسور عبدالله الربيعي أستاذ العلاقات الحضارية على أر نعيش فيه والذي يتميز بتوفير وسائل الاتصالات الحديثة .

على المعوقات ونشر المبادئ والقيم التي تحقق العدالة في ويحقق المناخ المناسب والتعايش السلمي بين كافة أبناء الوحا كما أوضح الربيعي أن الإسلام سلام للشعوب والإيمان راء والتشدد والعنف مهما كان، ويدعو إلى الوفاق والوئام والمو الآخر مهما كانت حضارته وثقافته.

وأشار الربيعي إلى أن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الم مثمرة بالرغم من قصر المدة واستطاع تحويل الخلافات وجهات نظر تعالج باحترام كل الفئات.

وطالب الربيعي بتدريس «آداب الحوار» في المراحل الجام في مراحل التعليم العام وترسيخ قيمة الوطن ومعنى الوطنية في عقول أولادنا.

ثقافتنا والحفاظ على الهوية

* عرف عن بعض الدول الكبرى محاولتها فرض ثقافتها على ثقافات الدول؛ كيف يمكن التصدي لمثل هذه المحاولات في ظل الحفاظ على الهوية؟

- من يقرأ التاريخ يجد الغالب يفرض لغته و أعرافه وتقاليده وربما عقيدته على المغلوبين؛ فاليونان والرومان والروم البيزنطيون استعمروا سوريا وفلسطين ومصر، ونشروا لغاتهم وأوثانهم، وطقوسهم حتى دنسوا القدس بتماثيل أباطرتهم، وها هي آثارهم تدل عليهم؛ معابد ومدرجات على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط الإفريقية والآسيوية؛ حضارة قامت على أكتاف الشعوب من أجل أمجاد شخصية عسكرية وسياسية، ولكن ظلت الجوانب الفكرية والعلمية حية، وانتشرت كعبير الورد بين الشعوب إلى عهد الإسلام الذي لم يحرم كل شيء سبقه، بل شجع على العلم والبناء والإبداع فكانت الحضارة الإسلامية أول من حمل مشعل العولمة. وفي التاريخ المعاصر حاول

هتلر «ألمنة» أوروبا بالقوة فجُوبه بحرب مدمرة، وحاولت فرنسا «فرنسة» شمال إفريقيا فقاومتها الشعوب، وبذلت بريطانيا ما في وسعها لتجعل المشرق العربي إنجليزي اللسان والتقاليد فغادرت المنطقة إلى غير رجعة. ثم حملت الراية الولايات المتحدة الأمريكية التي استفادت من أخطاء الاستعمار الأوروبي، فنجحت في استقطاب العقول، واستضافت ناشدي الحرية على أراضيها، وسعت إلى نشر اللغة الإنجليزية فنجحت في مسعاها إلى حد كبير حتى أصبحت هذه اللغة شرطاً أساسياً لتوظيف شبابنا العربي في شركاتهم*الوطنية، وغزت الموضة الأمريكية شوارعنا من مطاعم وملابس وهوايات. كل هذا يندرج فيما يعرف بتأثير المنتج على المستهلك، ونفوذ من يسيطر على المعلومة والابتكار على من يقف مشاهداً مذهولاً. لكن أن يصل الأمر إلى فرض مطالب وشروط على الدول الأخرى فهذا أمر مرفوض من الجميع وبخاصة إذا صار ما يطلب يهدد الهوية الوطنية لأى بلد. والتصدي - ياسيدي - ليس بالانفعال أو

التظاهر أو هز المنابر بالخطب الرنانة، التصدي يكون بتحويل الشعوب المستهلكة إلى منتجة، وبالإفادة من هوامش الحرية التي منحها الإسلام للرجل والمرأة والطفل حتى يتحرك كل عنصر في إطاره الصحيح دون جمود أو جحود، التصدي - يا سيدي - يكون بإشاعة ثقافة احترام الرأي الآخر، وتعديل السلوكيات المتثائبة لتكون أكثر حضارية فالدين المعاملة وهي السلوك، التصدي يكون باعتبار الوطن خيمة للجميع عمادها الدين والعدل وأطنابها المساواة والأمن والاعتزاز بهوية وطنية واحدة لا تشوبها حزبية أو قبلية أو مصالح خاصة.

قيم الإسلام في واقعنا

* في ظل المحاولات لفرض الثقافات والصراعات؛ هل تعتقد أنه باستطاعة قيم الحضارة الإسلامية الوصول إلى الغرب والتأثير في منظومتها لا سيما وهي التي تحمل قيم العدل والسلام؟

- من قيم الحضارة الإسلامية «الصدق»، وهو عند الغرب ضرورة لضبط إيقاع التعامل بين أفراد المجتمع وأركان السلطة، بينما عدَّ الإسلام الصدق بأنه يهدي إلى الجنة والكذب بأنه يفضي بصاحبه إلى النار. رغم ذلك فالغرب وضع قوانين تعاقب الكذاب كبر أم صغر، بينما انتشر بين المسلمين كذب أبيض وأصفر وأخضر. إن القيم الإسلامية بحاجة إلى واقع حي، وممارسة ملموسة، من خلال مجتمعات حضارية راقية، وبأسلوب علمي منطقي كما كان ديدات يفعل امع مناظريه. من قيم الإسلام نفع الآخرين من خلال الابتكار والإغاثة والعلاج دون تمييز، من قيم الإسلام العدل ولو مع العدو فما بالك مع الضعيف والمستخدم والعامل، من قيم الإسلام حفظ الضرورات الخمس ومنها النفس فهل اتفق مسلمو اليوم على تحريم قتل بعضهم البعض وقتل النفس التي حرم اللّٰه قتلها إلا بالحق؟ لقد وصلت قيم الحضارة الإسلامية إلى أوروبا من خلال قائد عادل، وتاجر أمين، وعالم مستنير، وداعية مستبصر. لقد توقفت الجيوش الإسلامية في جنوب فرنسا، وجنوب إيطاليا، لكن شعاع حضارتنا استمر إلى شمال أوروبا ووسطها وغربها وشرقها لماذا؟ لأننا كنا نملك التقنية آنذاك، وكنا نملك التطبيق، حتى تأثرت بقيمنا الدساتير الأوروبية بدءاً من «الماجنا كارتا» أي: العهد الأعظم الذي سنّه الملك الإنجليزي جون الأول، وانتهاءً بالقوانين الفرنسية الحديثة. قيمنا الحضارية محفوظة في الكتب، وعالم اليوم يحتاج إلى قيم معاشة ومطبقة لكي يتأثر بها، فهل يثوب المسلمون إلى رشدهم إينسقوا بين معتقدهم وسلوكهم؟ هذا ما نأمله.

صورتنا لدى الآخر

* هل ترى أن العالم العربي بحاجة إلى تحسين صورته في المجتمع الغربي ؟ أم أنه بحاجة إلى إيصال صورته الحقيقية التي أطرها القرآن الكريم والسنة النبوية؟

- لا ينتظر الغرب منا تحسين صورتنا؛ لأن من شوهها ثلة منا، أليس سلمان رشدي وتسليمة نسرين ونوال سعداوي وغيرهم مسلمين؟ أليس ذوو الأقلام المأجورة والمداخلات المسعورة، والراويات المثيرة عرباً أمثالكم؟ أليس من يفخخون الجثث، ويفجرون المساجد، ويقتلون المشيعين، ويدمرون البنية التحتية والفوقية محسوبين على الإسلام؟!

نحن نفتقر إلى «ميثاق شرف» نتفق فيه على أطر ودوائر يمكن من خلالها مزاولة فن الكتابة والتعبير دون أن ندخل في حمى الدوائر الحمراء. وكل قانون في العالم يتضمن ذلك ولكن التطبيق يكون - للأسف - في حق من يعادي السامية ولو مازحاً! تحسين صورتنا في الغرب يكون من خلال إعداد مبتعثينا وسياحنا على أن يكونوا رسل محبة وسلام من خلال تنشيط دور الملحقيات الثقافية وتفعيل اهتمام السفارات.

تحسين صورتنا يكون في حسن تعاملنا مع الوافدين من العامل إلى العالم وتوجيه إعلامنا بلغات مختلفة حافلا ببرامج مشتركة ولقاءات مركزة مع أولئك الذين عاشوا بين ظهرانينا عدد سنين. تحسين صورتنا في الغرب يكون عبر أجهزتنا الأكاديمية والبحثية والتنظيمية وجهودنا في دفع عجلة الإصلاح وحقوق الإنسان إلى الأمام في العالم العربي.

وكلمة حق تقال في هذا المجال أن جهود عظيم العرب الملك عبد اللّه بن عبد العزيز الداخلية والخارجية، وحصول كثير من السعوديين والسعوديات على جوائز وبراءات عالمية، وتفوّق الطبيب السعودي وبخاصة في فصل التوائم، كل ذلك وغيره مما لم أذكره أو أتذكره يسهم بفعالية في إيصال لصورة الحضارية للإنسان العربي والمسلم إلى الآخر.

حوار الحضارات

* توالت الكثير من الأحداث خلال الفترة الحالية؛ فهل تغير مفهوم حوار الحضارات قبل أحداث « ١١» سبتمبر وبعدها؟ وكيف تنظر إلى واقع الحوارات العالمية؟

- كلما تفوه مفكر بنظرية انبرينا له ومنحناه أكثر مما يستحق، تحدونا إلى ذلك «فوبيا» المؤامرة وكأننا الطرف الهش في الحلبة الفكرية؛ حتى صار من يشتهي الشهرة يؤلف كتاباً أو مقالة ينال فيها من الإسلام والمسلمين. لقد أفرز الغرب نظرية «صراع الحضارات»، ثم خفف الحكم إلى «حوار الحضارات» مروراً بـ «حوار الأديان» وخرجنا بعد مداولات عديدة بنتائج عامة وجمل إنشائية. يا سيدي نحن لا ننتظر من طرف أن يدخل في دين الطرف الآخر، ولكننا ننشد الاتفاق على الخطوط العريضة والقواسم المشتركة بين الشعوب لنتخذ مواقف موحدة إزاءها، مثل: معالجة الفقر والمرض والإدمان ومكافحة الجرائم الأخلاقية والظلم والجهل وسفك الدماء والفتن الطائفية والعنصرية والرشوة والاختلاس.. إلخ. لا أعتقد أن المجالس العليا للمساجد أو لكنائس أو البيع أو المعابد ترفض الحوار فيما بينها حول مكافحة هذه الشرور من أجل حياة كريمة للإنسان، ولا بد من ديمومة الحوار فيما بينها والضغط بنتائج حوارها على صنّاع القرار في العالم من أجل خير البشرية.

تغيب الفكر العربي

• هل ترون المفكر العربي غائباً أو مغيباً عن المواجهة الحضارية المعاصرة؟

- من هو المفكر؟ لقد كثر حاملو هذا اللقب في العالم العربي أكثر من حملة الدكتوراه عبر الإيميل أو الغرف المستأجرة، كل يوم تستضيف القنوات الفضائية مفكرين لا يفكرون، ومنظرين لا يبصرون، يحركهم المذيع مثل الدمى، يمثلون على الناس، ويقبضون مكافأة المشاركة. ومعظمهم ممن يعيش في كنف حكومات غربية منذ سنين! المفكرون لعرب - يا سيدي - مضوا بصمت؛ لأنهم كانوا أحياء بحياء، وكانوا - رغم مواقف بعضهم - لا يخونون أوطانهم أو يسيئون إلى عقيدتهم. أما اليوم فتسمع عجباً وترى غريبا!

ضيف يشتم وطنه! وآخر يسب دينه! وثالث يشهر بمنافسيه أو أضداده من بني جلدته! ورابع حرباوي يتلون بلون القناة التي تستضيفه! هذه الكائنات احتلت حيزا كان ينبغي شغله بالحكماء والعقلاء الذين يتحدثون بلغة راقية وأفكار مرتبة ورؤى جلية منطقية بعيدين كل البعد عن المهاترات والتراشق السياسي. هذا الغبار المتطاير من حلبات «الإتجاه المشاكس» سينجلي عن غيث غدق، فيصفو الجو، وتشرق الشمس فيدرك العرب والمسلمون أنهم بحاجة إلى سماع من يستحق الاستماع ومشاهدة من يجدون منه الفائدة ولو بعد حين. والحق أقول إن في وطننا مفكرين عقلاء يحول الحياء بينهم وبين الأضواء ولا يتقنون فن التزاحم وحب الظهور؛ مما جعل المتسلقين يصلون عبرهم إلى الضوء: والبقاء للأشجار السامقة المثمرة. أما نفخ الروح في النهضة العربية والإسلامية فيتم عبر التعاون والتكتل وتسهيل إجراءات التواصل، والتنسيق والتفاهم، وتشجيع المبدعين واستقدام لمبتكرين وإيجاد مراكز بحث علمي مشتركة، وتبادل نتائج الدراسات ذات المصداقية في التطبيق. وباختصار عندما يهجر العربي والمسلم السياسة والرجم بالغيب إلى معامل العلم ومختبرات الخبرة، عندما نحل مشكلاتنا برؤانا.

عندما يوحد المسلمون قلوبهم كما توحدوا في قبلتهم.

الحوار الوطني

* كيف ترى أهمية الدور الذي يزاوله مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني لترسيخ مفهوم الحوار في المجتمع السعودي وتأهيل قيم المواطنة

والتعايش الفكري؟

- شرفت بأن أكون ضمن الرعيل الأول الذي اطلع على مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز للحوار الوطني - بتأييد من رجال الشريعة والثقافة والفكر في البلاد - فنمت الفكرة وترعرعت وهيئ لها ظروف النمو، وبخاصة أن القيمين على هذا المركز من الوطنيين المخلصين وأخص صاحبَيْ المعالي الشيخ صالح الحصين والأستاذ فيصل المعمر. قبل لقاءات المركز كان كل طيف أو لون يجهل موقف الآخر منه، والإنسان عدو ما يجهل، وكانت الخلافات حول الرؤى هي السائدة، فحوّل المركز الخلافات بين الأطياف إلى اختلافات في وجهات النظر تعالج باحترام كل وجهة وتضييق فجوات التباين حول الجزئيات لتبرز الكليات المقبولة من الجميع. وبلا شك فقد اعترت هذا العمل الوطني صعوبات، تذللت مع الوقت والنوايا الصادقة، وأستطيع - بلا تحفظ - أن أقول: إن تجربتنا في الحوار الوطني أثمرت ثمراً يانعاً رغم عمرها القصير، وقد عرفت أن بلدانا أخرى تطلعت إلى أن تستفيد من التجربة السعودية. نعم إن وطننا الأشم لا يضم سوى دين واحد وأمة واحدة ولكن الفسيفساء الوطنية لها تنوعها الذي يعمر ولا يدمر ويبني ولا يفنى، وكل الخطوط تبدأ بنقطة وتنتهي بنقطة، وقد نجح المركز في توحيد نقطة النهاية وهي الانتماء إلى هذا الوطن الفريد في مكانه ومكانته.

لقد دعوت منذ عامين إلى إيجاد مادة «أدب الحوار» في المرحلة الجامعية و« أدب السلوك» في مراحل التعليم العام؛ من أجل بزوغ جيل يتقن الوقوف في الصفوف، والدور بالأرقام، والخروج من المدرسة بانتظام، وتلقي الراي الاخر بالاحترام، والمحافظة على المال العام.

تعميق روح الانتماء

* حمل الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه اللّٰه مشعل الوحدة والتنوير في المجتمع السعودي؛ ما العوامل التي ترى أنها تدعم هذه الوحدة وتحافظ على التناغم بين بيئات المجتمع السعودي المتعددة؟

- لا أخفي إعجابي بهذا القائد المناضل الذي لم يتلق تعليمه في أوروبا ولم يوحد وطنه على ظهر بارجة أو دبابة يرفرف عليها علم دولة أجنبية، ولم يستقدم ميليشيا من تخوم قزوين أو البحر الأدرياتيكي. أقول ومهما أقول: يبقى هذا الفذ حيا في عقولنا وقلوبنا فقد قضى على جاهلية القرن العشرين، وارتقى بإنسان الجزيرة من ولاء القبيلة إلى ولاء الدين والوطن، فتساقطت بيارق التشرذم والشتات وارتفع علم التوحيد. ولكى نحافظ على هذا الإنجاز العظيم، علينا أن نغرس في عقول تلاميذنا من الروضة إلى الجامعة قيمة الوطن ومعنى الوطنية، والعلاقة الفريدة بين وطننا وعقيدتنا «علاقة المكان والإنسان والدولة» ونعيد سبك مناهجنا على هذا المنوال. ونسنّ من القوانين ما يشجع على الفخر والاعتزاز بهذا الوطن، ويقضى على عوامل الفرقة - إن وجدت - بحيث يتغنى الطفل ببلاده ، والشاعر بوطنه،

فلا يجد النابشون في ثرى الماضي مجالاً لبعث أشلائهم عبر قصائد تمجد أكوانا أو شجرا تلغي أشجارا، أو تواريخ مزورة أو مشبوهة. عندما نخدم تاريخنا الوطني بروح علمية

- وهذا ما تفعله الدارة وغيرها - يجد المواطن مادة تعينه على تصور وطنه كما ينبغي. إنفي أدعو كل جهاز أن يقوم بواجبه من أجل ترسيخ الانتماء الحق إلى هذا الوطن الأغر:

فمثلاً: تقوم هيئة السياحة بتسيير «قافلة الوطن» وفيها نخبة من أوائل الطلبة من كل المناطق، تجوب صيفا المدن الرئيسية وفي كل مدينة لها فعاليات. وتؤلف رئاسة الشباب « منتخبا وطنيا من جميع الأندية» يعسكر كل عام في منطقة من المناطق. وتكوِّن وزارة التربية والتعليم معسكرا وطنيا «الصيف في مصيف مثل أبها وحائل، والشتاء في مشتر مثل فرسان والقنفذة...». وإذا كان التوجه إلى التوسع في القنوات الفضائية المناطقية فيجب أن تنقل نشرة الأخبار الرئيسية من العاصمة، ويكون ثلثا المواد المتلفزة في الشآن الوطني. وهناك أمر مهم يتعلق بخطب الجمعة، التي ينبغي أن تركز على ما من شانه تعزيز الروح الدينية، والسلوك القويم، والمحافظة على مكتسبات الوطن لا أن تصنف الناس، وتشتم الآخرين، والحرص على غرس الحب في نفوس الناس لتصفو الخواطر - والحق أبلج، وأحق أن يتبع- دون تجريح أو تكفير أو تفسيق.

هذه الرحلات مصادر للتاريخ

* قام العديد من الرحالة الغربيين بجولات في الجزيرة العربية حيث وثقوا التراث ونقلوا صورة حية عن الحضارة العربية؛ كيف يمكن أن نستفيد مما تم توثيقه؟ وكيف ترى أمانة الرصد الذي قدمه هؤلاء من خلال رحلاتهم؟

- لقد اهتم الرحالة الغربيون بجزيرة العرب وبخاصة الجزء الصحراوي الداخلي وبالذات نجد؛ لأنهم لم يستطيعوا احتلالها عسكريا وكانوا يجهلون الكثير عنها؛ ففي مستهل القرن السادس عشر زار مكة الإيطالي «فارتيما»، ثم كثر الرحالة القادمون من دول أوروبا، مثل: بوركهارت وسادلير وموريس تاميزييه وسنوك وهوبير وبلي وفلبي وغيرهم، وجابوا الصخر والواد وقطعوا الصحراء وصعدوا الوهاد وتجشموا الصعاب، منهم من سلب، ومنهم من قتل، ومنهم من نجا ليحكوا مغامراته في الصحراء مع الأدلاء، ومعاناته مع الجوع والخوف والعطش، وأتحفونا برسوم دقيقة للآثار والديار والشخصيات والمناظر التي رأوها في ربوع بلادنا. هذا الجهد لا يمكن للمنصف تجاهله، وهذه الرحلات مصدر من مصادر التاريخ القديم والحديث والمعاصر، ولكنها مصادر كتبت بمداد غربي وفكر توراتي، لذا جاءت المعلومات تفسيراً لخلفية دينية، وتحقيقاً لأغراض استعمارية و تنصيرية بحسب مهمة الرحالة وأهدافه، وهي واضحة لكل ذي لب، وعلينا الإفادة منها بالقدر الذي يخدم توجهاتنا دون أن نتخذها حجة موثوقة أو مستنداً صحيحاً وبخاصة فيما يتعلق بتحليل المواد الأثرية وفك رموز النقوش القديمة، أو ما له مساس بعادات القبائل وأعرافهم. وقصارى القول: إن الرحلات الغربية مادة ثرية جديرة بالتعريب والتعليق بروح علمية جلية.

الانعتاق من عصر الاستعمار

نعيش في هذه العقود ما يعرف في الثقافة الغربية بالعصر ما بعد الكولونيالي أو عصر ما بعد الاستعمار، بيد أن بلادنا العربية ما زالت أسيرة أو لنقل تابعة لهذا العصر كيف يمكن لنا الخروج من هذه التبعية؟

- تحررت الدول من الاستعمار ولم تنعتق الشعوب من تبعاته ومخلفاته؛ لقد ترك لغته، وصليبه، وسلم البلاد لعملائه، وأخذ يمد تياراته الفكرية في الانتخابات وفرص العمل. إذهب إلى بلد كان مستعمراً بالأمس ستجد أن سكك الحديد ومباني أجهزة الدولة والعملة والتبعية الثقافية والاقتصادية كلها تدل على أن الاستعمار هرب من الباب وعاد من النوافذ. في المغرب العربي نجد ثقافة النخبة الفرانكفونية، وفي المشرق الإنجليزية، وتظل الشعوب تناضل من أجل لغاتها وثوابتها بين سندان الواقع ومطرقة الحاجة؛ لأن اللغة - يا سيدي - هي الهوية. لقد عاد المثقفون العرب إلى بلادهم يحملون كتبا ترجموها وكانت في بلادها نسيا منسيا، وبعثوا نظرياتها من مرقدها فانقسم القوم إلى مؤيد ومعارض! وتمت أدلجة الاختلاف، فتباينت الرايات الفكرية واحتار المتلقي أيها صطفي، بل أيها يصدق، وكثر الرمز والغموض ليظل الفهم محصوراً بشريعة تتخاطب فيما بينها بشفرة وإشارة. لقد أتاحت لنا التكنولوجيا وسائل للرقي بفكرنا وثقافتنا بأسلوب أكثر استقلالية ولكن حولنا الفضائيات إلى حلبات صراخ، والشبكة النتية إلى جدران لكتابة الشتائم والقذف والتعالي العرقي والقبلي، والسباب المذهبي. باستطاعتنا - يا سيدي - أن نؤطر الثقافة الوطنية بضوابط محلية، وهوامش منفتحة على العالم. وأنا متفائل من مسيرة الثقافة في المملكة التي وجدت أمامها طرقا معبدة بالحرية المنضبطة، مستفيدة من أجواء الحوار الوطني المتعقل الرزين. وإذا قدرنا على التمييز بين الإبداع والابتداع والتفكير والتكفير فإننا سنصل إلى وضع ثقافي متميز.

العرب.. داخل التاريخ

* نعيش في منطقة متوترة في هذا الجزء من العالم؛ ما دوافع هذا التوتر باختصار، وهل يمكن للعرب مقاومة ما يسمى بالخروج من التاريخ؟

- قدرنا منذ فجر التاريخ أن نستوطن موقعاً يمتد من الشرق والغرب عبر ٨قارتين من العالم القديم، ووسطا بين الشمال والجنوب، له سواحل طويلة، وثروات عظيمة، وهو طريق أوروبا إلى شرق وجنوب آسيا، وقبل هذا وذاك اصطفاه اللّٰه مهدا للرسالات السماوية بدءاً من إبراهيم وختما بمحمد عليهما السلام، فغدا هذا الجزء من العالم مطمعاً للغزاة الأوروبيين وميداناً للصراع الإقليمي فلم يهدأ حتى جاء الإسلام ووحد العرب وبنى الدولة الإسلامية الواسعة، ثم دب الشقاق بين العرب، وظهرت دويلات، وضعفت الجبهة الإسلامية فاقتطع الصليبيون الشام وفلسطين، واكتسح المغول العراق والشام، ثم انتفض المماليك فهزموا المغول وطردوا الفرنج، وجاء دور العثمانيين الذين وحدوا المسلمين تحت راية واحدة، إلى أن تكالبت القوى الغربية مع الزعامات الصهيونية فسقطت الدولة العثمانية، واقتسمت القوى الاستعمارية كعكة المشرق العربي، وزرع الغرب في فلسطين « قائمقام»، يعمل ليل نهار على تأجيج المنطقة، بل تعدى مستعمراته إلى الإسهام في غزو العراق، واختراق بعض الدول العربية بصفة العلاقات الاقتصادية وحضور المؤتمرات العالمية والمكاتب التجارية.

ستظل هذه المنطقة أتون صراع ما لم يسهم العالم عبر هيئة أمم عادلة، ومجلس أمن منصف، وإرادة وحدوية عربية إسلامية. وفي هذا المقام لا بد من الإشارة إلى أن ابن سعود نجح في بناء وطن مستقل وسط ظروف من الصراع الدولي على المشرق العربي، ولكنه بإيمانه وإخلاصه وحذره من القوى الاستعمارية التي لم يركن إليها، والتفاف شعبه حوله وحّد وطناً ومِدَّن إنساناً، وبعبارة موجزة: لقد دخل التاريخ في وقت خرج الكثيرون من التاريخ. يمكن للعرب التكتل في اتحادات اقتصادية، ويمكنهم تطوير الجامعة العربية إلى اتحاد أشبه بالاتحاد الأوروبي فإن فعلوا ذاك خلال السنوات العشر القادمة لحقوا القطار العالمي وإلا ظلوا على الرصيف.


الأستاذ الدكتور عبد اللّه الربيعي أستاذ العلاقات الحضارية : الحضارة الإسلامية أول من حمل مشعل العولمة
Ehsan Logo