ما بين النقوش والرسومات والكتابات والبيوت .. منحوتات الجبال في المملكة : آثار بصرية ومادية عبقرتها يد التاريخ والحضارة
أحوال المعرفة – خاص
ليست مدائن صالح في العلا وحدها هي المكان الأبرز في المملكة الذي يحتوي على منحوتات متعددة، حيث لم ترسم يد الزمان تشكيلاتها على المنطقة الجبلية بالعلا التي تم تسجيلها كأول موقع أثري في السعودية تسجله اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي فقط بل توسعت لتطال مختلف الجبال والأماكن بالمملكة.
فاللوحة الجغرافية الشاسعة للمملكة تتضمن العديد من الجبال والمنحوتات الجبلية الطبيعية التي تتوزع على امتداد جهات المملكة ومناطقها الثلاثة عشرة ، حيث تعد المملكة أحد المتاحف العالمية الطبيعية الشاسعة ، إنها القارة الصغرى/ المتحف القابعة في الركن الجنوبي الغربي من قارة آسيا أكبر قارات العالم .
مشاهد أثرية:
إنّ مشاهد الجمال التراثي في موقع "مغاير شعيب" والواقع في الجهة الغربية من منطقة تبوك، لا تقل أهمية عن مدائن صالح في الحجر.
ومغاير شعيب هي واحة قديمة منحوتة بالصخر، لها واجهات تعود للحضارة النبطية، كما يوجد بها بقايا لمدينة قديمة تعود للفترة الإسلامية المبكرة تعرف بـ"الملقطة"، وهو مكان المدينة الإسلامية على جهة الشرق من وادي عفال الشهير، وعلى الضفة الشرقية توجد "بئر موسى" أو ماء مدين، ومدائن شعيب معلم تاريخي يعود إلى ما قبل عصر النبي موسى عليه السلام.
والمغاير عبارة عن كهوف منحوتة داخل الجبال بطريقة هندسية رائعة، تنم عن حضارة قديمة، ويوجد فيها 12 بيتا منحوتا داخل الجبال، وداخل هذه البيوت غرف مفصلة تفصيلاً دقيقاً.
وقد اكتشفت منحوتات جبلية يرجع تاريخ بعضها إلى 2000 عام في عمق الصحراء السعودية بمنطقة الجوف التي تبعد 1000كم شمال الرياض في إطار مشروع للآثار الوطنية يتم تنفيذه بمساعدة إيطاليا وفرنسا.
إرث حضاري:
يضم موقع مدائن صالح نفسه أكثر من 851 موقعًا ثقافيًّا وطبيعيًّا ذات قيمة استثنائية للتراث الإنساني، ويمثل اعتمادها في قائمة التراث إقرارًا عالميًّا بالقيمة التاريخية الكبيرة لهذه المواقع الأثرية العالمية، وإبرازًا للمكانة التاريخية للمملكة وما تزخر به من إرث حضاري كبير.
وتوجد في المملكة قمم جبال طويق وطميّة وقطن وفيفاء، وسلسلة جبال السروات بقممها الشاهقة الممتدة من شمال إلى جنوب المملكة، إضافة للعديد من القمم الجبلية العالية، وتحوي هذه القمم والجبال آثارا ونقوشا تاريخية مهمة. كما أنه يوجد في مناطق ومحافظات المملكة المختلفة جبال السودة التي تقع في منطقة عسير، وترتفع لنحو 3,015م، وفرواع، والمجاز، ومشرف، والصهلاء، ومنعاء، وشوكان، والقعمة، واللوز الذي يعد من أكثر جبال المملكة استقبالًا للثلوج خلال فصل الشتاء بمنطقة تبوك، إذ يصل ارتفاعه لـ 2580 مترًا عن سطح البحر، وفيفا بجنوب غرب المملكة بالقرب من مدينة جازان، وهي عبارة عن سلسلة جبال ترتفع لأكثر من 1200 متر فوق مستوى سطح البحر.
كذلك جبال صحراء حسمى في منطقة تبوك ، وجبال اللوز، ومنطقتا علقان والزيتة، وجبل عكمة في العلا، الذي يصنف بمثابة لوحة نقشت عليها الأشكال الأولى للخط العربي، حيث تمتلئ صخور جبل عكمة بالكثير من المنحوتات والنقوش التي اكسبتها لقب “المكتبة المفتوحة”.
ويبلغ عدد النقوش والمنحوتات المتواجدة في جبل عكمة 450 نقشاً للغات العربية ما قبل النبطية القديمة وهي الآرامية والداديانية والثمودية والمينائية.
كما يعود تاريخ أقدم النقوش على جبل عكمة إلى 644 ما قبل الميلاد، وعكست النقوش على الجبل طبيعة مملكة لحيان القديمة وحضارتها وطريقة تعايش هذه الشعوب، بالإضافة إلى ماهية معتقداتهم الدينية وثقافتهم.
ويتميز الصخر في جبال عكمة بأنه من الصخور الرسوبية وهو ما سهل على الحضارات القديمة في مدينة العلا بنقش ورسم وتوثيق حياتها اليومية وتاريخها عليه.
وتغطي منحوتات جبة الصخرية ونقوشها مساحة تُقدّر بِـ39 كيلومتر مربع، والتي تعود إلى ما يُقارب من 5500 عام قبل الميلاد، ومن هذه المنحوتات؛ الجمال، والمها، والوعل، فضلًا عن عدد من النقوش الثمودية، وتقع جبة على بُعد 100كم من الشمال الغربي لمدينة حائل.
متحف نقوش
ولا تتوقف الاكتشافات الأثرية في شمال المملكة، ففي جنوبها وتحديداً منطقة نجران التي تُعد من أكبر المتاحف المفتوحة للنقوش الأثرية الصخرية، خصوصاً أنها مرت بالعديد من الحضارات التي وضعتها على لائحة أهم المدن التي تزخر بالآثار والنقوش التاريخية. ويصل عدد المواقع الأثرية في المنطقة إلى أكثر من 100 موقع بحسب هيئة التراث السعودي.
وتتمتع المنطقة بوجود آثار ومواقع مهمة تعود للفترات البيزنطية والأموية والعباسية. ويُعتبر موقع "حمى الأثرية" أكبر مساحة للنقوش الصخرية في البلاد، ويقع إلى الشمال من نجران بنحو 130 كيلومتراً. ويحتضن أماكن أثرية عدة كجبل "صيدح" وجبل "حمى" وموقع "عان جمل" و"شسعا" و"الكوكب"، الثرية بالنقوش والرسوم التي كانت بمثابة أولى محاولات الإنسان لكتابة الأبجدية القديمة.
وتعتبر الكتابات والنقوش الصخرية القديمة المنتشرة على صخور الجبال في مناطق المملكة ثروة تاريخية ذات قيمة عالية، ومن المصادر الرئيسية التي استقى منها المؤرخون كل ما دُوّن ويُدوّن عن تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها.
وفي دراسة له عن الكتابات والنقوش العربية الإسلامية على الأحجار في المملكة العربية السعودية أكد عالم الآثار الدكتور أحمد الزيلعي أن الجبال والصخور في المملكة تحوي أعدادًا هائلة من النقوش والكتابات الأثرية ذات القيمة التاريخية العالية، فالمملكة كانت تسلكها كثير من طرق الحج والتجارة الدولية، وبعض طرق القوافل الداخلية، وما يتفرع منها من مسالك ودروب محلية. وعلى هذه الطرق وحولها يقع العديد من القرى والمدن الرئيسية، والمراكز التجارية، والموارد المائية، والمحطات التي يستريح فيها المسافرون من عناء السفر. ونتيجة لهذه الحركة الطويلة من الأسفار والحل والترحال، ولطول فترات الاستيطان البشري في مدن هذه البلاد التاريخية ومراكزها التجارية، أمكن اكتشاف أعداد هائلة من الكتابات العربية الإسلامية المنقوشة على الأحجار في مختلف أنحاء المملكة العربية السعودية.
ويكفي ما في النقوش الصخرية من أهمية أنها قدمت للمعرفة الإنسانية أقدم نقش إسلامي مؤرخ في سنة 24 هـ/ 644 - 645م، هو نقش زهير المسجل لدى اليونسكو في قائمة التراث الإنساني.
كذلك قدمت النقوش الصخرية المكتشفة في المملكة العربية السعودية نماذج جميلة التنفيذ، واضحة الحروف، جيدة التنسيق، خالية من التنقيط، ولو أن القليل منها وجد منقوطًا، وهو ما يمكن اعتباره دليلاً ماديًّا على أن هذه النصوص عرفت النقط قبل عصر ناصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر بفترة ليست بالقصيرة.
ويكثر انتشار هذا النوع من النقوش الصخرية على جوانب طرق الحج المؤدية إلى مكة المكرمة، وخصوصًا طرق الحج الشامي، وطريق الحج العراقي، وطريق الحج اليمني الداخلي. كذلك أثمرت جهود المسح الأثري اكتشافات مذهلة من النقوش الصخرية المتناثرة في محيط مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والطائف، وفي سلاسل الجبال الممتدة في مناطق الباحة وعسير ونجران.
هوامش:
· https://www.alarabiya.net/saudi-today/2020/12/22
· https://makkahnewspaper.com/article/1506172/

