الوثائق ومكانتها في التاريخ الإنساني ..
بقلم: د. عبدالكريم إبراهيم السمك
حظيت مدرسة التاريخ الإسلامي، وسابقتها مدرسة الحديث النبوي بالسبق وسمو المكانة، على المدارس الغربية، عندما اعتبرت الوثائق من مكونات بناء وكتابة التاريخ الإسلامي منذ بدايات التدوين، ولهذا فقد كانت كتب الحديث النبوي، والمكتبة التاريخية الإسلامية، هي المصدر الأول في حصر ورصد وإحصاء هذه الوثائق، التي تم تعريفها عند علماء المصطلح لعلم التاريخ، بأنها المعنية بالرسائل الرسمية والدبلوماسية فيما بين الدول.. وقد مثلها في صدر الإسلام رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى ملوك وحكام الدول الرومية والفارسية والمصرية والحبشية، فقد كانت هذه الوثائق لبنة من لبنات بناء النص التاريخي الإسلامي وتوثيقه.
الوثائق عند علماء مصطلح التاريخ Archives
إن أرشيف أي أمة هو مجموعة الأوراق أو الوثائق التي تجمعت على مدى الأزمنة - يدخل فيها - الوثائق الرسمية وغير الرسمية، العامة منها والخاصة، كالخطابات والمذكرات والتقارير والدراسات. والنشرات والأوامر والقرارات الوزارية والملكية والجمهورية، ومحاضر الاجتماعات الخاصة بلجان التخطيط والإدارة، إضافة إلى الآثار والقطع الفنية . فمن مجموع هذه الوثائق لأي مجتمع يتكون الموروث الإنسائي (الأرشيف)، فهي كنز معرفي من كنوز الماضي ، تعكس من جهة صورة أصحابها في حياتهم وماضي تاريخهم ، وتشكل من جهة أخرى أهمية بالغة لكل أمة لما تحمله من درر المعلومات.
ومع مطلع العصر الحديث خاصة بعد الثورة الفرنسية ، مضى الأوروبيون قدماً في تنظيم الموروث الأرشيفي الإنساني، والوثائقي المتنوع والمخلوط، فأخرجوا منه ما كان معنيا بالجانب الرسمي والديبلوماسي، وبنوا لها دورا خاصة بعيدة عن المكتبات العامة، وغالباً ما تحمل اسم دار الوثائق الوطنية أو القومية، ولأهميتها في تاريخ الدول فقد أنشأت لها معاهد وأقسام في الجامعات، بعد أن أصبح لها علم خاص فيها، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم تاريخية، ومن باب الاهتمام بها أصبح لها ولاية قانونية عند جميع الدول.
الأرشفة الوطنية ونشأتها في العالم
كانت فرنسا فيما بعد الثورة، من أسبق الدول الأوروبية في الاهتمام بالوثائق الوطنية الخاصة بها، بعدما أصبحت كلمة الوثائق تعتني بالعلاقات الخاصة بين الدول ، وأنشأت من أجل ذلك الأرشيف الوطني أو القومي Archives Nationales، ففي ١٨٥٥/١٢/٢٢ م صدر مرسوم رئاسي في أمر الأرشيف القومي، ووضعت له النظم والترتيبات الإدارية، ثم جاء مرسوم ١٩٣٦/٧/٢١م، ليضع اللائحة التنظيمية للأرشيف القومي الفرنسي
وفي بريطانيا أصدروا أهم القوانين التي تقضي بحفظ وإيداع الوثائق ، والتي تنص على تأسيس دار الوثائق القومية تحت إشراف كبير القضاة وكان تاريخ صدور القرار في ١٨٣٨/٨/١٤م.. وجاءت الولايات المتحدة متأخرة بعض الشيء ، في بناء مركز قومي للوثائق الأمريكية، حيث صدر القانون المنظم للأرشيف الوثائقي الأمريكي في ١٩٣٤/٧/١٩م، وكان الرئيس الأمريكي (هربرت هوفر) قد وضع حجر الأساس لهذه الدار في ١٩٣٣/٢/٢٠م وحملت اسم Archivist of the United States، وهكذا سارت دول ألمانيا وإيطالية وإسبانيا.
الأرشيف العثماني والتاريخ العربي
ويعد الأرشيف العثماني من أهم الأرشيفات خاصة فيما يتعلق بتاريخنا العربي ، فهو مصدر من مصادر التاريخ العربي ومكون من مكوناته ، ويرتبط به الأرشيف المصري ، الذي كان جزأ من الأرشيف العثماني ، ومن خلال الانفتاح المصري في عهد محمد علي باشا، على الواقع الفكري والثقافي والتعليمي الفرنسي، مضت الحكومة المصرية في هذا العهد، في بناء وتأسيس دار الوثائق المصرية، وفى سنة ١٨٢٨م، فأنشأت «الدفتر خانة» فى محاذاة باب القلعة الجديد، وكان بمثابة دار للوثائق، وألحقته بالديوان الخديوي، واحتذى محمد علي باشا في ترتيب دار المحفوظات أسلوب التنظيم الفرنسي، وصدرت لائحة ١٨٤٦م وكانت تحتضن العديد من الأقسام، كالتركية والجيش والأقاليم والمالية، وغير ذلك من أوراق دواوين الدولة، وكانت محفوظات القلعة ودار عابدين، ولا زالت الوثائق المصرية تحمل اسم هذه الدار التي تنتسب لها، مثل محفوظات القلعة ومحفوظات دار عابدين، ولمكانة وثراء مصر بأرضية وثائقية كبيرة في قديم تاريخها وحديثه، فقد أنشأت الحكومة المصرية بجامعة القاهرة معهداً علمياً للوثائق والمكتبات، طبقا للقانون رقم (٩) لسنة ١٩٥١م.
نظام الوثائق العام الذي يخدم الباحثين والمؤرخين
تحتل الوثائق الصدارة في بناء النص التاريخي، وقد أصبحت عنصرا من عناصر الثقافة القومية لأي أمة من الأمم، إضافة إلى كونها المستودع الأول لأدوات البحث في التاريخ، وغدت كما يقول الفرنسيون «جرن التاريخ» ولهذا فقد مضت دور الوثائق العالمية، في وضع نظام لتيسير البحث والاطلاع عليها عند الباحثين، وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وقد نص قانون تنظيم وتيسير الاطلاع على الوثائق في هذه الدول، على أنه حق لمن يريد الاطلاع عليها، ووضعت من أجل ذلك حداً زمنياً بسمح بعده للباحثين والمؤرخين الاطلاع على هذه الوثائق ، فحددوا لذلك ثلاثين عاما دون قيد أو شرط ، ما لم تنص الجهة المختصة خلاف ذلك ، أما الوثائق التي يرجع تاريخها إلى أقل من ذلك فيجوز الاطلاع عليها بشرط موافقة هذه الجهة ، وغالبا ما يسمح للباحثين الحصول على صور من هذه الوثائق .
الوثائق وكتابة التاريخ
ولابد من الإشارة هنا إلى أن استخدام الوثائق في كتابة التاريخ العربي الحديث والمعاصر، قد جاء متأخراً بعض الشيء، وخاصة بعد أن أعلنت الحكومة البريطانية ممثلة ب» دار الوثائق البريطانية» سنة ١٩٧٩م، السماح بالاطلاع على الوثائق الخاصة بالمشرق العربي بعد مرور خمسين سنة عليها، الأمر الذي دفع الكثير من الباحثين والمؤرخين العرب بزيارة دار الوثائق البريطانية، للحصول على حاجتهم فيما غاب عنهم منها طيلة ستة عقود، من خفايا وخبايا الواقع السياسي الذي نزل بالعالم العربي، وخاصة منه مشرقه الذي ترتب عليه استعماره وتجزئته وقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وقد ذهب الكثير في ترجمة هذه الوثائق وبناء النص التاريخي على أصول هذه الوثائق.
أمين سعيد والاعتماد على الوثائق في كتاباته التاريخية
ونشير في هذا الجانب إلى أن المؤرخ أمين سعيد، كان من أسبق الناس في كتابة التاريخ العربي الحديث على قاعدة التوثيق، ووضع أصول الوثائق في سياق النص التاريخي، وقد جاء حصوله عليها من أصحابها وبشكل مباشر، من الملك عبدالله بن الحسين عندما كان أميراً لشرقى الأردن، حيث زاره سنة ١٩٣٣م وحصل منه على بعض الرسائل المتبادلة فيما بين أبيه وبريطانيا، وبعد حصوله على قاعدة عريضة من هذه الوثائق، ووظف أمين سعيد هذه الوثائق في كتابه الثورة العربية الكبرى الذي صدر سنة ١٩٣٤م في ثلاثة مجلدات، وكان الكتاب مفاجاة في قيمته العلمية والوثائقية، إضافة لكتابه الآخر «كتاب ملوك المسلمين المعاصرين ودولهم، الذي احتوى بين دفتيه (١٣٤) وثيقة بما يؤكد أهمية الوثائق ومكانتها في الكتابة التاريخية.
الموروت الوثائقي الإسلامي وسمو مكانته
الحديث عن هذا الموروث، يقصد به نوعان من الوثائق، الأول ما كان معنياً بعهد النبوة الكريمة، والثاني المعني بعهد الخلافة الراشدة، وقد احتضنت هذا الموروث وحفظته ، كتب السنة النبوية، وعنها نقلت إلى المكتبة التاريخية الإسلامية، وهذه الوثائق تشمل خطابات وكتب وتوصيات نبوية، وما جاء على أيدي الخلفاء الراشدين، من رسائل وتوصيات، وذلك فيما يخدم بناء الدولة الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكلا الصنفين من الوثائق كانا قد وضعا فى ميزان النقد الباطني السلبي والإيجابي، والذي عرف يومها بميزان السند في صدق الراوي وصحة الرواية، فيما يخص علم الرجال الرواة، إضافة للدراية، ولذلك فعندما تعامل أبناء مدرسة الحديث مع النص، لم يذهبوا بإسقاطه مهما تكاثرت فيه العلل، مكتفين بالإشارة بعد التحليل والتعليل إلى صحة أو عدم صحة النص، مع بيان القوة والضعف فيه، بعد عرض نصه، وهذا الوضع في التعليل والتحليل للنص الوثائقي، الذي عرفه المسلمون قبل أكثر من ألف ومائتي سنة، هو ما يعرف اليوم في علم مصطلح التاريخ، الذي عرَّفه
الغربيون حديثاً ب» النقد الباطني بشقيه السلبي والإيجابي».
ولهذا فلا يقال إن الرواية الشفوية هي وحدها التي اعتمد عليها في صدر الإسلام من جانب الكتبة من أصحاب الحديث والمؤرخين، فقد عرفوا الكتابة بقصد الحفظ للحفظ، وأمروا أن يكتبوا جميع ما يصل إليهم أو يسمعوه، استشهادا بالآية الكريمة «ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أَلا ترتابوا»، وقد أشارت الأخبار إلى أن جميع محررات الرسول صلى الله عليه وسلم كانت مكتوبة، ويقال بأن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، كان لديه عدد من العهود والمواثيق والرسائل النبوية، احتفظ بها في صندوق في منزله، ولكنها احترقت حين احترق الديوان يوم الجماجم سنة ٨٢ه وما تبقى منها قضت عليه ظروف الزمن والحروب، ومع كل هذه النوازل التي نزلت بالآمة فقد وصلنا من أصول هذه الوثائق البعض منها، مما تحتفظ به بعض المتاحف والأشخاص ومنها على سبيل المثال:
• رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي - مالكها الأستاذ دنلوب. رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم مختومة بختم رسول الله صلى عليه وسلم وهي من مقتنيات الملك حسين ملك الأردن.
• رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كسرى - مالكها هنري فرعون لبنان.
• رسالة الرسول إلى المنذر بن ساوى - بمتحف طوب قابي تركيا.
• كتاب الرسول إلى جيفر وعبد "ملكي عمان" كان يملكها لبناني وقد اشتراها العمانيون ومحفوظة لديهم، معتبرين إياها جزءاً من تاريخهم.
وقد تم حصر مكاتبات الرسول صلى الله عليه وسلم، فبلغ عددها (61), كتاباً، تم نشرها في كتاب، الأستاذ محمد مصطفى الأعظمي، حيث كان ديوان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف بديوان الإنشاء، وكان عبد الله بن الأرقم كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما ذكرت الآثار، فقد كان الأمين على الرسائل والكتابات، إضافة ل"حنظلة بن الربيع بن صيفي" بن أخي "أكثم بن صيفي الأسدي".
فجميع كتب السنن النبوية كانت الخازنة والحاضنة لكتب ورسائل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي المصدر المباشر لمكتبة التاريخ الإسلامي، ومن كتب التاريخ الإسلامي الحاضنة للوثائق النبوية ، كتاب "الطبقات لابن سعد"، وأما ما هو معني بعصر الخلفاء الرأشدين وكتبهم، فهي موجودة بشكل خاص في كتاب "تاريخ الطبري" و"فتوح البلدان" للبلاذري، وهناك كتاب "الأموال" لأبي عبيد القاسم بن سلام، فهو من الكتب المشهورة بكثرة وثائقه ، وكذلك كتاب "الخراج" لأبي يوسف، وكتاب "سيرة الرسول" لابن هشام، فجميعها من الكتب المهمة والمصدرية في الوثائق الإسلامية.
الوضع والتزييف في الوثائق
الوثائق في ماضيها وحديثها قد أصابها التزييف والوضع فيها، وفي تاريخنا الإسلامي كان أبناء مدرستي الحديث والتاريخ، هم أهل السبق والاهتمام بعلم الوثائق وتوثيق صحتها، لغة ورواية وزمانا ومكانا، فعلى هذه الأصول قامت مدرسة النقد للأصول التاريخية من الوثائق والوقائع، وعن هذا الحال أشار سفيان الثوري رحمه الله، فقال: «لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ»، وهذا ما ذهب إليه الخطيب البغدادي رحمه الله، في وثيقة يهودية مختلقة وملفقة، صاغها اليهود لإسقاط الجزية، فقدموا للوزير ابن الفرات هذه الوثيقة زاعمين أنها منسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم، والفرض من الوثيقة هو إسقاط الجزية عن اليهود، وقد قدم الوثيقة، ابن الفرات للخطيب البغدادي وذلك سنة (٤٤٧ه - ١٠٥٥م)، وجعلوا كل من معاوية بن أبي سفيان، وسعد بن معاذ رضي الله عنهما شهودا على هذه الوثيقة المزورة.
تاريخ الوثيقة السنة السابعة للهجرة، معاوية أسلم في السنة الثامنة، وكانت وفاة سعد بن معاذ في السنة الخامسة للهجرة، سنة فتح خيبر، فقد تم كشف كذب اليهود من تاريخ الوثيقة، وهكذا يلاحظ القارئ قدرة المؤرخين المسلمين على كشف كذب الوثائق، والشواهد في هذا كثيرة في هذا الباب، فيما هو معني في التعامل النقدي مع الوثائق قديمة أم حديثة، على قاعدتي النقد الباطني السلبي والباطني الإيجابي، بما يخدم الحقيقة التاريخية، إضافة إلى مصداقية لغة النص التاريخي، على الشكل الأمثل والمعقول، على قاعدة الارتكاز فى بناء النص التاريخي في أصول مكوناته، وفي مقدمتها الوثائق المكونة لأي نص تاريخي.
أمن الوثائق
تقوم مسألة أمن الوثائق على عدد من القضايا، وفي مقدمتها الحفظ وحسن التخزين والتأمين من السرقة والترميم والصيانة، والوثائق الأرشيفية تختزل بكلمة الأرشيف، والأرشيف هو «كل الوثائق المكتوبة الناتجة عن نشاط جماعي أو فردي بشرط أن تكون قد نظمت وتم فهرستها بما يسهل للباحثين الرجوع إليها». وجاء الاهتمام بالوثائق مع نشأة المدارس التاريخية الأوروبية الحديثة، وخاصة منها الفرنسية والبريطانية والأمريكية والألمانية، ويتعلق بمسألة أمن الوثائق كذلك؛ مسألة السرقة التي راجت تجارتها أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، والنصف الأول من القرن العشرين، وعلى سبيل المثال، فالبرديات المصرية، التي اكتشفت أواخر القرن التاسع عشر للميلاد ومطلع القرن العشرين، سرق منها الآلاف من الأوراق واللفائف البردية، التي تعود لعصور مصر الفرعونية، وكذلك الإسلامية التي تعود لعصور الإسلام الأولى في حكم مصر، وخاصة منها وثائق (قرة بن شريك العبسي)، حاكم مصر من قبل بني أمية عليها سنة (٩٥)ه، وقد تم حصر الوثائق البردية التي تم سرقتها، وجاءت على مجموعتين، الأولى مجموعة الأرشيدوق دانيير «المكتبة الوطنية» النمسا وقدر عددها ب (٥٠) ألف بردية، والثانية، مجموعة (شوت داينهارت»، معهد البرديات في جامعة هايدلبرغ - ألمانيا، وعددها في حدود ( ١٠) الاف بردية ولم يتبق من هذه البرديات في مصر سوى أربعة آلاف بردية، وقد استطاع المستشرق النمساوي «جروهمان» نشر ثمانمائة بردية، في كتابه الموسوم «أوراق البردي العربية» في مجلداته العشر، والتي تم تعريبها كاملة. ومعظم البرديات في كل متاحف العالم، قد تم سرقتها من مصر، ولا زالت محاولات سرقة التراث الوثائقي من عالمنا العربي والإسلامي قائمة إلى هذا اليوم، ومن هنا جاءت ضرورة توفير مبان أمنية لحماية ما تبقى من رصيد وثائقي لم تصله يد السرقة، بعد الذي نزل في العراق من سرقة موروثه النفيس في الحربين ١٩٩٢م - ٢٠٠٣م.
الإحصاء الوثائقي التاريخي
ارتبط علم الإحصاء الوثائقي بالعديد من المصالح التي تخدم الباحثين، في سهولة الحصول على هذه الوثائق مع وفرة التقنية الحديثة المعنية بخدمات الشبكة العنكبوتية، وخاصة بعد دخول المكتبة الرقمية في خدمة الباحثين وطلبة العلم، وجاءت كلمة إحصاء هذه من أصل الكلمة Statistics، التي عرفت لأول مرة سنة (١٧٤٩م)، وقد تم استخدام الكلمة لتشمل إحصاءات حجم السكان والمواليد والوفيات وغير ذلك، ونؤكد هنا بأن الكلمة التي يتغنى فيها الغربيون في دلالتها العلمية لمادة الإحصاء، قد وردت في كتاب الله لغة واصطلاحا أحد عشر مرة كما عرفها الأوروبيون، الآية "ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا" والآية الثانية "أحصيناه فى إمام مبين" سورة الكهف الآية (١٨)، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن علم الإحصاء هذا قد دخل فيما يخدم البحث التاريخي، والذي يرتبط بشكل مباشر بعمل المؤرخين والباحثير وثمة هناك الكثير من الأعمال الإحصائية الوثائقية التاريخيا قام بها علماء فضلاء، فقدموا للمكتبة التاريخية أعمالهم الجلي هذه، فأثروا بها المكتبة التاريخية، فما هو معني بالموروث النبو والخلفاء الراشدين، قد أخرجوه من كتب السنة، وما هو معني بالتاري الإسلامي الخاص بالدول الإسلامية المتتابعة، تم إخراج وثائق من كتب التاريخ الإسلامي، أما ما هو معني بتاريخ العرب الحدي والمعاصر، وخاصة فيما هو معني بعلاقة الدول العربية مع الدو المستعمرة لها، فقد تم حصر الوثائق الرسمية هذه، وتم نشرها في كتب سهلت على الباحثين السفر إلى حيث كانت توجد هذه الوثائق.
وهذا عرض لبعض الكتب التي تم نشرها والتي تتمثل فيما يلي:
كتب في الوثائق الإسلامية:
كتاب «مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي الخلافة الراشدة».
لمؤلفة وجامعه العالم المسلم الهندي الأستاذ الدكتور محمد حميد الله
.. والذي كان في أصوله رسالة علمية حصل فيها على درجة الدكتوراه والأستاذية من جامعة السوربون سنة (١٩٣٥م)، جاء عمله الجليل هذا على قاعدة توثيق النص لغة وزمانا ومكانا وراو، وقد تعامل مع النصوص التي تم له جمعها من كتب السنن على قواعد علم المصطلح في علم التاريخ، والذي كما قال أسد رستم في كتابه مصطلح التاريخ، بأن هذا العلم ليس من علوم الغربيين، وإنما الفضل فيه يعود لأبناء مدرسة الحديث، فقد ذيل الدكتور «حميد الله» كل وثيقة وردت في كتابه، بعللها وسندها وراويها ولغتها التي كتبت فيها بما يتفق مع لة العصر، وصاحب الكتاب في علمية انتمائه يعود الأبناء مدرسة الحديث النبوي، وأراد أن يقدم بعمله هذا عملا علميا متميزا لمكتبة التاريخ الإسلامي، وقد تحقق له ذلك فيه، وقد تم طباعته لأكثر من ست طبعات، وقد سبق للكتاب أن تم نشره باللغة الفرنسية في طبعته الأولى، وقد جاء الكتاب في إحصاء رسائله كالتالي:
الأول: العهد النبوي قبل الهجرة ووثائق ذلك العهد.
الثاني: العهد النبوي بعد الهجرة .. وبعد حصر وإحصاء رسائل هذا القسم، فقد بلغت في عددها (٢٨٧) رسالة، ومواضيعها كانت على الشكل التالي: رسائله إلى ملوك الفرس والروم ومصر والحبشة وإلى زعماء العرب في دعوتهم إلى الإسلام ورسائله إلى قادة غزواته، ودعوة قبائل العرب إلى الإسلام، وكذلك رسائله للمسلمين بتمسكهم في دينهم والعمل بكتاب الله.
الثالث: ذيل وضميمة في ذكر ما نسب لرسول الله من العهود لليهود والنصارى والمجوس. إضافة لفهرسة عدد من الصور للرسائل النبوية، فمنها ما هو مكتوب على رق ومنها ما كان على جبل سلع في المدينة المنورة، حيث قرأ صاحب الكتاب النص بنفسه، وقد بلغ عدد الصور عشر صور، وثق فيها المؤلف نصوص الكتب والرسائل النبوية، إضافة لفهرسة لخرائط وجداول إحصائية يشكر عليها صاحب الكتاب على جهده العظيم والمبارك، في خدمته للسنة النبوية والتاريخ الإسلامي، ولا يتسع الحديث هنا عن عظيم مكانة هذا الكتاب في غرضه ومكانته العلمية، فيما أفاد فيه الباحثين والمؤرخين.
مؤلفات أستاذ علم المكتبات الدكتور محمد ماهر حمادة، الذي عرفته من خلال عملي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، مدرسا في علم المكتبات، فقد استطاع هذا الفاضل نشر موسوعة وثائقية تحت عنوان "سلسلة وثائق الإسلام"، وقد بلغت عشرة كتب ابتدأها بالعهد النبوي ثم الراشدي ثم الأموي ثم العباسي، وما تلا ذلك من عصور إسلامية متعاقبة في العالم الإسلامي، كالسلجوقية والأتابكية والعبيدية - الفاطمية - والأيوبية والزنكية.
مؤلفات الدكتور أسد رستم الوثائقية، وهذا الرجل الفاضل من نصارى حماة ومن أهل الفضل وأسرته من الأسر الكريمة، وكان مدرسا في بيروت في الجامعة الأمريكية، فكتابه "مصطلح التاريخ" رد الفضل فيه لمدرسة الحديث النبوي في بناء علم المصطلح في التاريخ، ومن أهم مواقفه النبيلة أنه كان عضوا في لجنة "حائط البراق" لسنة ١٩٢٩م، بعد ثورة البراق، حيث اقر بأن الحائط حائط إسلامي ولاحق لليهود في هذا الحائط، وقد نزلت اللجنة الأممية الخاصة بعصبة الأمم على رأيه بعد أن درس وثائق سنة (١٨٣٩م) والخاصة بتبليط زقاق البراق، فوجد فيها أن لا حق لليهود في الجدار، وكان لاطلاعه على أصول هذه الوثائق في "عابدين"، أن يعود ثانية لمصر بعد الذي وقعت عليه عينيه من كنوز الوثائق في عهد محمد علي باشا، فتم له العمل في هذا الأرشيف الذي وجده مكسيا بالأتربة التي مضى عليها قرابة المائة عام، فقام بإحصاء وحصر الوثائق الخاصة في بلاد الشام، في عهد إبراهيم باشا، وقد نشرها بأربعة مجلدات، بلغت عدد الوثائق فيها أكثر من خمسة آلاف وثيقة، فقد طال عمله فيه مدة أربعة سنوات وتم نشر الكتاب سنة ١٩٣٦م، وهو يخص تاريخ الفترة من سنة "١٨٤٠ - ١٨٣١م"، بما يخص الحكم المصري لبلاد الشام، وتم عنونتها ب "المحفوظات الملكية المصرية" بيان بوثائق الشام وما يساعد على فهمها، وهي تعتبر كنزا معرفيا وثائقيا كبيرا وعظيما، لتجاوز عددها الخمسة آلاف وثيقة، وقد قام على نشرها الجمعية الجغرافية الملكية المصرية، وله كتاب آخر على أصول الإحصاء الوثائقي التاريخي، وجاء في خمسة مجلدات، وهو خاص في بلاد الشام، تم له جمعه من دور المحاكم الشرعية السورية، وما يمتلكه البعض من أعيان الأسر السورية، وعنونه ب "الأصول العربية لتاريخ بلاد الشام في عهد محمد علي باشا مطبوعات الجامعة الأمريكية في بيروت منشورات كلية العلوم والآداب، والكتاب في قيمته العلمية غني عن التعريف في سمو مكانته وفي محتواه الوثائقي التي تخدم تاريخنا الذي نعيشه وعشناه.
فيليب وفريد الخازن - مجموعة المحررات السياسة والمفاوضات الدولية عن سوريا ولينان من سنة (١٩١٠ - ١٨٤٠م) عرب الوثائق هذه فيليب وفريد الخازن - مجموعة المحررات السياسة والمفاوضات الدولية عن سوريا ولبنان من سنة (١٩١٠ - ١٨٤٠م) عرب الوثائق هذه فيليب وفريد الخازن صاحب جريدة الأرز طبع الكتاب في مطابع الصبر ببيروت ١٩١٠م. وقد جاء الكتاب في ثلاثة مجلدات.
الأول: جاءت وثائق هذا الجزء من الكتاب الأصفر الفرنسي، والكتاب الأزرق الإنكليزي إضافة إلى معاهدات الباب العالي لجامعة البارون دي تستا، وأن كتاب تستا هذا وخاصة منه الجزء الثالث والسادس منه قد اعتنى بشكل خاص بجميع مراسلات قناصل الدول الأوروبية
ورجال السياسة إضافة لمفاوضات الباب العالي ما بين سنة (١٨٤٠
- ١٨٦١م) في قضايا سوريا ولبنان وقد أشار المعربان بأنهما استقيا معظم ما احتواه كتاب المحررات من هذين الجزأين، وقد أشارا في المقدمة بأنهما حافظا على النقل للنصوص على أصولها من خلال تعريبها.
لا يغيب عن أرشيف دار الوثائق البريطانية، الأستاذ فتحي صفوت:وكتابه الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية: المعروفة بـ " The Public record Office Documents " الذي جمعه من دار الوثائق البريطانية والخاص منها ما هو معني بالتاريخ الاستعماري البريطاني لدول المشرق العربي، المتزامن مع العقود الأربعة من مطلع القرن العشرين للميلاد، وقد استطاع الفاضل الباحث الأستاذ نجدة فتحي صفوة، العمل على هذا الأرشيف الوثائقي الذي كان محجوبا عن الباحثين طيلة سنوات تجاوز الخمسين سنة، وأخرج ما تم له إحصاؤه الوثائقي المهم في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، وقد خص الوثائق ما بين تاريخي "١٩٣٢ - ١٩١٤م" ، وقد عنون الكتاب بـ "الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية"، وقد تم نشر سبع مجلدات من الكتاب، من دار الساقي في بيروت ولندن، وقد جاء المجلد السابع خاص بالسنوات "١٩٢٤ - ١٩٢٣م"، وينتظر أن يكون هناك تتمة لما سبق نشره، خمسة مجلدات، فواقع محتوى هذه الوثائق تبين بوضوح حال الضعف العربي والجهل السياسي عند من ظن بالإنكليز خيرا، إضافة لغدر الإنكليز بالعرب من خلال تهويد فلسطين، فهذه المادة الوثائقية يجد فيها الباحث والمؤرخ، الواقع الجغرافي والسياسي والسكاني والطائفي الذي خطه ورسمه المستعمر الأوروبي وخاصة منه البريطاني لواقع المشرق العربي المعاصر.
وللمؤلف حفظه الله كتاب مهم جدا لا يقل شأنا عن سابقه، وأن جاء بمجلد واحد، فهو قاعدة وثائقية حدود زمانها من سنة ١٩٤٠١ - ١٩٦١م" وقد عنونه ب "من نافذة السفارة البريطانية" مطبوعات دار الريس. ولا يفوتني بعد عرضي هذا عن دور الأرشيفات الوثائقية في العالم، واهتمام هذه الدول بهذه الدور ومحتوياتها، التي لم تعد عندهم دار حفظ لهذا الموروث الوثائقي فقط، بل غدت عنصرا من عناصر الثقافة القومية لتلك الدول، والمستودع الأول لأدوات البحث في التاريخ القومي لأي أمة من الأمم كانت لها ماض استعماري مع هذه الدول، فأدركت مكانة وأهمية محتوى هذه الدور من نفائس الوثائق القومية التي تعود لها.
ويحضرني في هذا المقام قصة معنية في استهانة دولة تركيا الحديثة في أرشيف الدولة العثمانية المعروف بثرائه طيلة خمسة قرون، ففي سنة (١٩٤٨م)، ومن باب قطع الصلة في ذلك الماضي التاريخي الإسلامي العريق لهذه الدولة، فقد مضى القائمون في هذه الدولة من المتعصبين القوميين الأتراك في إخراج ملايين الوثائق والفرمانات المكدسة في المخازن والمستودعات التركية، التي تعود للعهد العثماني، في سعيهم لإتلاف هذه الوثائق حرقا، لكن بلغاريا التي كانت تتبع الدولة العثمانية في ماضي نشآة الدولة العثمانية وطيلة خمسة قرون من هذه التبعية، فقد علم البلغار بما سيذهب عليه الأتراك، فخاطبوهم رسميا بأن التاريخ البلغاري في أصول مكوناته عثمانى، فأعطونا ما تريدون إتلافه، وقد حملت هذه الوثائق بالعديد من عربات القطار كدليل على ضخامة كميتها، وقد وصلت بلغاريا وقامت فيها أكبر دار وثائقية عثمانية، ولم يدرك الأتراك خطورة موروثهم الوثائقي على ماضيهم التاريخي، إلا بعد سنة (١٩٦٠م)، حيث التفت القائمون على خطورة ما ذهب عليه من يريد الفصل بين الماضي التاريخي الإسلامي العثماني، والحاضر التركي العلماني، ولكن جاءت هذه الصحوة بعد الذي نزل

