تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

فرانشيسكو غويا.. خيال واسع.. وقلق وحشي!

فرانشيسكو غويا.. خيال واسع.. وقلق وحشي!

مرفت محمد السالم

عندما تســتلقي الفكرة على القماش باســترخاء، ولا يجرؤ الجمهور على إيقاظها، فهذا دليل كاف علــى نجــاح الفنــان لقــول ما يريد، وأن ثمرتــه قد أتــت أكلهــا، فتحتجب الأسئلة، وتندثر علامات التعجب، وتفوح رائحة الدهشة في المكان، وينقسم الجمهور بين موافق ومستنكر. هكــذا رســم الفنــان الإســباني (غويــا) اســتنكاره، وفضح عيوب عصــره المضطرب، وشــجب مظاهــر النفــاق السياســي والاجتماعي، ورفض محاكــم التفتيش الدينيــة الجائرة في الغرب .. وهكــذا صــور فوضى إســبانيا وقســوتها على طريقته فــي مجموعة من لوحاتــه الغرائبية الناقــدة، والتــي ســماها (النــزوات)، وقد تميزت بجنــون مرعب، وقلق غامــض، وعذابات لا تنتهــي، وحققــت له شــهرة واســعة كان يريدهــا ولا يلح عليهــا، فقادته إلــى مصحات العلاج عليلا يبحث لروحه القلقة عن ملاذ آمن، ودفع سمعه ثمنا لعذاباته، ليتحول بعدها إلى عالمه الداخلي، ويرســم للتعبير عن ذاته فقط، وتصوير ما حوله بصخب، فأثار الشــكوك والأســئلة الهامســة، وأنتــج لوحــات تهكميــة قاتمــة أكثر بؤســا من ذي قبل، رســمها على جــدران منزله فأسماها النقاد باللوحات السوداء.

مــن الصعــب أن ال نــرى شــخصية غويــا نفســه في اللوحــات الأخيــرة التي رســمها لعدد من الأشــخاص مــن حولــه فــي أوضاع مختلفــة، وأكثــر صعوبــة أن يحتمل الشــقاء لوحــده، كونه جزءا من القطيع البشــري الذي يملأ الأرض، وكانت رؤيته الراســخة بأن البشــر ليســوا طيبين بالفطرة، وليســوا منطقيين أو أحرارا، وهم مكبلين وفاســدين بســبب الاستبداد والظروف، إذ كان المجتمع وقتها يموج بالأرواح الضائعة، والشخصيات الغريبة، والمجانين، والمجرمين، والشوارع تعج بالمشردين والعاطلين، والفقراء والمساكين الذين يتقاسمون أرصفة الإهمال باستســلام.. والحيــاة بالنســبة لــه تســتحق أن تعاش حتــى الدقيقة الأخيرة لمطــاردة الأرواح الشــريرة، وإثارة اشمئزاز الكســالى ليتمردوا على ضعفهم، ويأخذوا نصيبهم من الحياة، وما زال فيها الكثير م ّ ما لم يتم الوصول إليه. 

ولــد الفنــان الإســباني فرانثيســكو غويــا فــي 30 مــارس 1746م بمدينــة (فوينديتــودوس) سرقســطة، وعمل كرســام ملكي ونقــاش في قصور النبلاء قرابــة أربعين عاما وعيــن رســاما للملــك كارلــوس الثالــث، وحظي برعايــة القصر حتى عهــد كارلوس الرابــع، إلــى أن طالــه التحقيــق والملاحقة فلجأ إلى فرنســا، واســتقر في مدينة بوردو منذ العام 1824م حتى وفاته ســنة 1828م بعيدا عن مســقط رأسه، وقريبا من مهوى فؤاده. 

لقــد رســم غويا أكثر مــن 700 ّ لوحة متنوعة أهمها: نوم العقــل والمنازلة والكلب والحــج والعجــوزان والتيس العظيم، ونال شــهرة واســعة في أســلوبه ومهاراته، وكان يصوغ اتجاهات جديدة في الفن من ناحية الشكل والمضمون. وكان يقول: «ليس هناك قواعد في الرسم. والاستبداد الذي يلزم الجميع بأن يعملوا كالعبيد، ويدرســوا بنفــس الطريقــة، أو يتبعوا نفس الأســلوب؛ هو عائق كبيــر أمام الفنّ والإبداع».

تتلمــذ غويــا علــى يــد فنــان العصر(خوســيه لــوزان)، ولكنه ظــل أمينــا فتشــابهت خطوطــه حتــى آخــر لوحة خطهــا. لذا فقد مــارس غويا طريقــة عفوية في الأســلوب والرؤية؛ جعلت أعماله طازجة ونابضة بالحياة والحداثة. ورســوماته تحتفي بالخربشات والتشويه والجمال الإيحائي للأشياء اللانهائية، وفي طليعتها الصراع البدائي ما بين النور والعتمة الذي ينبثق منه الوعي بالأشكال والأشياء. وفــي عــام 1793 ّ تعرض لمرض حاد وشــديد، وهو بعمر 47 ّ ســنة ثم تحســن حاله خلال عدة شهور، ولكنه فقد السمع كليا وأصبح مكتئبا، ويرجح أنه أصيب بمرض عصبي حاد مثل التهاب السحايا أو التهاب الدماغ. 

تعلــم غويــا متأخــرا تقنيــة ( ليثيوغرافــي أي الطباعــة الحجريــة)، وعمــره حوالــي حينــذاك ســبعين عامــا، وقــد أوحت له تلــك التقنيــة الجديدة أن يقوم برســومات مختلفــة، فأنتــج بها لوحات حــول صراع الثيــران. ومن إبداعات غويا أيضا، الرســم والنقــش علــى قطــع صغيرة مــن العاج، ولديه سلســلة نــادرة من هذه الرســوم المصغــرة. وتتميــز أعمــال (غويا ) عمومــا  بالجــرأة والتجديــد والخيــال الواســع، وفــي أعمالــه واقعية كبيرة تقارب فــن الكاريكاتير، وفيها هجائية مؤلمة وقاســية للإنتهاكات الدينية والاجتماعية والسياسية التي سادت عصره، وقد أثرت أعماله بشكل واضح على الفن الأوروبي في القرن التاسع عشر. 

قال عنه الناقد الفني روبرت هيوز: ((هو عبقري استطاع عقله إنتاج شكوك وقلق وحشــي، واســتهلكه مرض غامض ومرعب، لكنه عالج بعمق وعاطفة مشــاكل بلده المستمرة، من الفقر إلى القمع البربري والحروب المتعددة. . وهو فوق هذا: إنســان ذو روح متوحشــة، وفنان صاحب أصالة مذهلة، واسباني منعزل عــن ثقافتــه لكنــه متورط فيها. ولطالمــا صدَمه المزاج المرعــب لعصره بقدر ما شكل له مصدر تميز وإلهام». 

هــذه المتناقضــات الصارخــة هــي مــا يعلــل تنــوع غويــا، ومــا يســهل علــى الرائــي تبيــن القبــح والجمــال فــي أعمالــه المتنوعــة، إذ يمكنــه إقنــاع جمهوره دون تكلــف؛ أن الشــمس التــي تضــيء الســماء هــي نفســها التــي تغمــر الأرض بالعتمــة، وأن القمــر الــذي يعشــقه النــاس هــو الــذي يســرق أفراحهم حيــن يشــاء. وهــذه البراعــة التقنيــة عنــد غويــا، ليســت بلا هدف أو حكمــة. الخيــال الــذي يملكه غويا يتجســد في رســم ما يخشــاه، ومــا ال يتمنــاه، وجرأته الطائشة تمزق سكون اللوحة، وتشعل غضب الفكرة، فتخرج رسومه عن حدود الواقــع، وكأنــه يمتثــل لوصيــة (ليونــاردو) لتلامــذة الفــن: الفائــدة كبيرة في اســتثارة الذهــن لشــتى ضروب الأفكار، فــإذا نظرت إلى حائط ملــوث، قد تجد فيه ما يشبه المناظر الطبيعية، أو لعلك ترى معارك ورجالا يقاتلون، أو وجوها وأزياء غريبة.. تنويع لا ينتهي!)).

الخيــال الجامــح عند غويــا اضطره النتاج رســوم متمــردة، والأحلام المســتحيلة دفعتــه إلــى إعــادة تشــكيل العالــم فــي خياله مــن جديــد، ورأى أن جمــال الفن الحقيقــي؛ يكمــن في صدق الأحاســيس بــكل ما فيها حطام وحرائــق، وبكل ما يخلفه من ألم وغضب ودهشــة، والفنان الذي يتحلى بالحكمة والشــجاعة، هو مــن يرســم الواقــع كمــا يحســه وليس كمــا يتمنــاه، ولا يمكنه أن يقــوم بذلك إلا عندمــا يبتعد عن المجاملة والخداع والمحاباة، وحين يرســم لوحاته التحذيرية تلــك، ســينقذ نصــف العالم من أوهامه، وســيثير غضب النصــف الآخر بألوانه السوداء، ونزواته المتوحشة!.

فرانشيسكو غويا.. خيال واسع.. وقلق وحشي!
Ehsan Logo