تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الإشعاع الثقافي الموريتاني

الإشعاع الثقافي الموريتاني

حجاج سلامة 

يبقى كتاب "موريتانيا: الثقافة والدولة والمجتمع"، الذي أسهم في كتابته مجموعة من الكتاب الموريتانيين، والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، قبل أكثر من عقدين من الزمان، يبقى مصدراً مهماً لكل باحث وقارئ، وذلك بفضل ما يضمه بين صفحات من مادة ثرية تدون محطات خالدة في تاريخ الثقافة الموريتانية، وتضيئ على جوانب مهمة من مسيرة الدولة والمجتمع في تلك الدولة العربية الشقيقة.  

ونتعرف من تجوالنا بين فصول وصفحات هذا الكتاب، كيف بلغ الإشعاع الثقافي الموريتاني أوجه في القرن الثالث عشر الهجري، حيث شهد أول نهضة علمية ما فتئت تثير افتتان مؤرخي الأدب والثقافة. 

مؤلفو الكتاب بينوا من خلال اطلاعهم على الفهارس والمخطوطات والمصنفات الموريتانية، الشأن الذي بلغه القوم في هضم العلوم الشرعية والآداب العربية، وما أضافوه من إضافات جليلة إلى هذه المعارف. وقد تجاوز تأثير هذه النهضة حيز الصحراء الشنقيطية، إلى أعماق افريقيا ومجاهلها، كما بلغ قلب المنطقة العربية من خلال من دعاهم الخليل النحوي بسفراء المحضرة). 

وتجمع المصادر العربية والغربية على الدور الرئيسي الذي لعبه هؤلاء السفراء في تثبيت دعائم الثقافة العربية الإسلامية في افريقيا السوداء، وكان للدول والامبراطوريات الدينية الافريقية علاقة ولاء مباشر للمراكز العلمية والدينية الموريتانية.  

كما اشتهر "الشناقطة" بهذا الدور الريادي الذي أكدت الكثير من الكتابات التي نقتبس منها أن " صورة الشناقطة وما تزال في البلاد العربية أنهم الممثلون الأوفياء للثقافة العربية الإسلامية في نقائها وأصالتها وأنهم مدنتها في قاصية تيار الإسلام المرابطون في ثغورها حفاظاً عليها ونشراً لها وإشعاعاً بها". 

وأبرزت صفحات الكتاب، شهادات طه حسين وأحمد حسن الزيات وغيرهما من أعلام النهضة المشرقية حول الدور البارز الذي لعبه الأعلام الشناقطة في تجديد ينابيع الفكر العربي الحديث. ومن هؤلاء محمد محمود بن التلاميذ الشنقيطي وأحمد بن الأمين، والشيخ محمد الأمين ومحمد محمود التندغي والشيخ محمد المامي بن زين... وغيرهم ممن ترجم لهم الخليل النحوي بإفاضة ودقة في كتابه بلاد شنقيط المنارة والرباط. 

غير أن موريتانيا اشتهرت في البلدان العربية بأنها "وطن الشعر"، حتى سماها بعض النقاد اللبنانيين في مطلع الستينيات ببلد الملیون شاعر فذاعت التسمية وشاعت. 

وتأخذنا صفحات كتاب "موريتانيا: الثقافة والدولة والمجتمع"، إلى الأدب، والذي يقصد به – هنا - الأدب العربي الذي كتبه باللغة العربية الفصحى أدباء نشأوا في المجال الموريتاني الحالي الذي كان السابقون يحددونه بما بين الساقية الحمراء شمالاً السنغال جنوباً، وما بين منحنى نهر النيجر شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً. وهنا نطلع على وصف موجز لمصادر هذا الأدب المتاحة، ولنشأته في هذا المجال وتطوره، ولأنواعه وأغراضه ومنزلته. 

تراجم أدباء شنقيط 

وفي هذا الإطار الذي حدده لنا مؤلفو الكتاب، يمكننا اعتبار المدونة الأدبية الأولى التي تضم نصوصاً كتبها موريتانيون هي كتاب الوسيط في تراجم أدباء شنقيط لمؤلفه سيد أحمد بن الأمين (ت) (۱۹۱۳ والمنشور في القاهرة سنة ۱.۹۱۱. وقد طبع ٤ مرات ويضم ٧٠ ترجمة لشعراء عاشوا فيما بين أوائل القرن الثامن عشر ونهاية القرن التاسع عشر. ويضم الكتاب كثيراً من نصوص هؤلاء، ولا يحتوي من النثر إلا على القليل النادر الوارد في قسم الكتاب المخصص للتاريخ الثقافي والاجتماعي للبلد. 

أما المدونة الثانية فهي مجموعة نصوص شعرية جمعها لبناني من الجالية اللبنانية في السنغال إبان الحرب العالمية الثانية يدعى يوسف مقلد ونشرها في لبنان سنة ١٩٦٢ بعنوان شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون 

وأما المدونة الثالثة فهي مجموعة تضم نحو ستة آلاف بيت النحو مئة شاعر عاشوا كلهم قبل سنة ١٩٠٠. هذه المجموعة لم تنشر من قبل جمعها محمد المختار بن أباه (ولد عام ١٩٢٤) وتشرت في تونس سنة ۱۹۸۷ تحت عنوان الشعر والشعراء في موريتانيا، وقدم لها المؤلف بمدخل تاريخي يؤرخ لنشأة هذا الشعر وأغراضه وأساليبه. كما ترجم لـ ٩٤ من الشعراء ترجمة موجزة. 

وبحسب نصوص الكتاب فلعل أهم مصدر لهذا الأدب هو موسوعة المؤرخ المختار بن حامد (ت (۱۹۹۳) عن حياة موريتانيا محيطها وتاريخها وسكانها وثقافتها. فقد تحدث فيها مؤلفها عن الشعوب التي سكنت موريتانيا منذ أقدم العصور، وعن القبائل وتاريخها وضمن هذه الثقافة يتحدث عن علماء القبيلة وشعرائها ويترجم لهم ويورد عناوين مؤلفاتهم ونماذج من شعرهم. 

ويدُلنا الكتاب على أنه جرى تحقيق مجموعة كبيرة من الدواوين الشعرية، كما حققت نصوص نثرية قليلة منها مقامات كمقامات عبد الله العتيق بن ذي الخلال (ت ١٣٤٢ هـ / ١٩٢٤م)، ومنها نصوص نثرية تاريخية واجتماعية تضم بعض النصوص ذات الطابع الأدبي، كنصوص محمد اليدالي ات ١١٦٦ هـ / (١٧٥٣م، ووالد بن خالنا (ت ۱۲۱۲ هـ / ۱۷۹۸م)، والشيخ سيدي محمد الكنتي (ت ١٢٤٣ هـ / ۱۸۲۳م) وكرسائل الشيخ سيدي (ت ١٢٨٤ هـ / ١٨٦٧م)، والشيخ سعد أبيه (ت) ١٣٣٥ هـ / ١٩٥٧م) وسيد محمد بن أحمد بن حبت (كان حياً سنة ١٣٢٧ هـ / ١٩٠٩م). 

وقد اعدت دراسات مهمة من أهمها دراسة أحمد بن الحسن عن الشعر الشنقيطي في القرن ۱۳ هـ / ۱۹م، والتي اعتنت بدراسة الأساليب في ثلاثة عشر ديواناً لثلاثة عشر شاعراً في القرن المذكور، وهي دواوين جمعها طلاب المدرسة العليا للتعليم في نواكشوط في ما بين عامي ۱۹۸۲ و ١٩٨٤ ، وقد قدم الدارس لدراسته بفصل يؤرخ الحياة الثقافية والاجتماعية التي أطرت متنه (جامعة تونس عام ١٩٨٦)، ومنها دراسة عبد الله حسن حول نشأة الشعر الفصيح في بلاد شنقيط التي استهدفت تحديد تاريخ للنصوص الأولى التي كتبها شعراء موريتانيا (جامعة القاهرة عام (١٩٨٦. 

ثم دراسة محمد بن عبد الحي التجديد في الأدب العربي بموريتانيا في العصر الحديث التي اهتمت بدراسة الأجناس والأغراض والأساليب التي جذت في أدب هذه البلاد منذ أن احتك بالآداب المعاصرة (وهي منجزة في جامعة تونس عام ۱۹۸۹. 

ثم دراسة محمد المحجوب بن بيه تاريخ شعر المقاومة في موريتانيا، عبر النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين وحتى عام ۱۹۷۳ وهي استعراض لأهم الأحداث في هذه الحقبة ومواكبة الشعرين الفصيح والشعبي إياها أعدت في جامعة السوربون عام ١٩٨٦. 

ثم دراسة محمد محمود بن سيد المختار حول الشاي في الأدب الموريتاني. وهي دراسة اتخذت موضوعاً له جملة من النصوص الشعرية والمقامات والأقاصيص النثرية لكتاب أغلبهم عاشوا في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن (جامعة الرباط عام (۱۹۸۹). 

ثم دراسة حول المعارضات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أعدها عبد الله بن أحمد سالم (جامعة الرباط عام (۱۹۹۱). ودراسة عبد الله بن حمدي للأدب، والذي عكس مشاغل سياسية إسلامية استعرض فيها النصوص التي عكست هذا الغرض منذ منتصف القرن التاسع عشر (أعدت في جامعة وجدة عام (۱۹۹۲). 

أضف إلى هذه الدراسات المستقلة أربع دراسات تصدرت الأعمال المحققة التي سبق ذكرها واستهدفت وصف هذه الأعمال وتقييمها ووضعها في إطارها، وهي تحقيق ديوان محمد بن أحميد لأحمد بن حبيب الله (جامعة القاهرة عام ۱۹۸۹)، وتحقيق جزء التراجم من كتاب الوسيط في تراجم أدباء شنقيط لمحمد بن ماء العينين (جامعة الرباط عام ۱۹۹۱)، وتحقيق ديوان محمد بن سيد أحمد المريم بنت الشيخ وتحقيق ديوان محمد حامد الا لأحمد سالم بن محمد (جامعة الرباط عام ١٩٩٢).  

ويضاف إلى هذا عدد كبير من مذكرات الإجازة أو ختم أعد في جامعة نواكشوط وفي المدرسة العليا في نواكشوط وفي بعض الجامعات العربية، وهي دراسات أقرب إلى العروض الفنية منها إلى الدراسات الرصينة، ويعسر في هذا المقام أن نروم حصرها. 

نصوص مدونة 

ووفقا للكتاب، فلم يعثر الدارسون حتى الآن على نصوص أدبية مقبولة بلاغياً تعود إلى ما قبل الربع الأخير من القرن السابع عشر الميلادي. فأهم النصوص الموجودة هي نصوص جيل ابن رازکه الذي تجمع المصادر على أنه مات في حدود سنة ١١٤٣ هـ/ ۱۷۳۱م، وهي نصوص بعضها ينم عن نضج وتمرس لا تفسره المنظومات القليلة الموجودة التي تسبق هذه الفترة، مما يجعل هذه النصوص وكأنها طفرة، وهو ما جعل الباحث محمد المختار بن أباه يصف هذه البداية قائلاً: "في أواسط القرن الحادي عشر الهجري تفجرت نهضة شعرية عارمة من بين قادتها المرموقين سيد عبد الله بن محمد العلوي - ابن رازكه والشيخ محمد اليدالي والذئب الحسني وبوفمين المجلسي وألما العربي وغيرهم، فقد كان شعرهم متكامل الصورة، ومهما اختلفت المصادر فإنها تجمع على أنه لم يكن قبل هذا الجيل إلا نظامون فقهاء يستطيعون تقويم كلام عربي مقبول نحواً وعروضاً ولكنه ليس من الأدبية في شيء. 

وأما الشعر في موريتانيا، فقد أصبح منذ أوائل القرن ١٢ هـ/ ١٨م، عنوان المعرفة وشارة الفتوة والسلاح الفاصل في المعارك الفكرية والحروب القبلية، فتعددت أغراضه وانتشرت، بما فيها تلكالتي كانت في البداية محظورة، كالغزل والهجاء، فاحتل مكانتها المدح والغزل والفخر والرثاء والهجاء والوصف والحكمة والارشاد، إلى جانب أغراض التوسل والدعاء والاستسقاء التي كانت مستعملة في الاراجيز التعليمية. 

وباستقراء مؤلفي الكتاب للمصادر التي سبقت الإشارة إليها، خصوصاً كتاب الوسيط في تراجم أدباء شنقيط لابن الأمين، والشعر والشعراء لابن أباه، وحياة موريتانيا لابن حامد يتبين أن مجموعات الشعراء التي شغلت الحيز الزمني الممتد من بداية القرن ۱۲ هـ / ١٨م إلى نهايات القرن ١٤ هـ / ۲۰م، أي على مدى ثلاثة قرون هي المدى التاريخي لهذا الأدب من الممكن أن تصنف إلى ستة أجيال بالمفهوم الخلدوني للجيل، تتداخل كثيراً زمنياً وفنياً ولكنها تتمايز بالتاريخ. 

بقي أن نشير إلى أن كتاب "موريتانيا: الثقافة والدولة والمجتمع"، شارك في تأليفه من الكتاب الموريتانيين: السيّد ولد أباه، وسيّد عبدالله المحبوبي، وبباه محمد ناصر، ولمرابط ولد اسلمو، والناني ولد الحسين، ودود ولد عبدالله، ومحمد الأمين ولد الشيخ عبدالله، ومحمد عبدالحي، والسيد ولد أباه (ممّد). 

الإشعاع الثقافي الموريتاني
Ehsan Logo